آمال بسيطة

«سامحة لأمل خفي بإمساك زمام الأمور: سننجو»

بقلم ابتهال سلمان

هناك شعور جديد للسير تحت شمس ما بعد الظهر، وهي لا تزال متوهجة وحارة. إنه شعور الامتنان، والتقدير لجمال الوهج البرتقالي على وجهي، وعلى الأرض، وعلى جدران البيوت. الوهج الذي أصبح لقائي به أقل وأقل، مع تراجع فرص خروجي من المنزل.

في كل مرة أفكر فيها بالذهاب لمكان ما، يبدأ عقلي بحساب تقديرات الربح والخسارة. هل أحتاج تلك الأشياء حقا من مركز التسوق؟ هل يمكن تأجيل هذه الزيارة؟ هل الحصول على مشروب قهوة يستحق القلق الذي يلحقه؟ هل الذهاب إلى هذا المكان أو ذاك مهم حقًا، لا يمكن التنازل عنه؟ هل يمكنني التعايش مع فكرة، لا أنني قد ألتقط الفيروس وأمرض فحسب، لكني قد أنقله للبقية من أفراد عائلتي؟ هل يستحق الأمر؟ ألغي الكثير من قرارات الخروج، وأتنازل مع القليل، سامحة لأمل خفي بإمساك زمام الأمور: سننجو.

زيارة أفراد العائلة أو الأصدقاء من غير ساكني المنزل باتت خارج الخطة تمامًا. ألغي موعدي الدوري مع طبيب الأسنان، أقيم واقعًا جديدًا لا وجود فيها لخدمات العناية التجميلية خارج المنزل، مرت شهور منذ آخر مرة ذهبت فيها للمشي عند القلعة.

الآن أصبح المنزل، بل تقريبًا غرفة واحدة منه، هي كل أماكن حياتي: هي مكتب العمل، وصالة الرياضة، ومكتبة القراءة، وهي أيضا المكان الذي أجلس للكتابة فيه. في الصباح وخلال الساعات الثمان اللاحقة قد يمتلأ المكان بصخب حديثي عبر الانترنت مع زملاء العمل، أصوات متزنة أحيانا، وغاضبة متوترة في أحيان أخرى، لكن فيما بعد الظهيرة سيكون الصمت والهدوء سيد المكان، حتى أعيد تطهير الجو في المساء من التوتر النهاري بموسيقى هادئة. يتسع المكان ليكشف عن طاقاته وتعدد إمكانياته، تحت وطأة الظرف والحاجة، لكني اكتشف أيضًا، محدودية المكان الذي أسميه البيت، حتى أنه لا يتيح لي الحصول على ما يكفي من ضوء النهار. لقد كنت، مع شغفي  بالاسترخاء وحيدة في عزلة غرفتي، لا أتوقف عن الفرار منه إلى أماكن أخرى، إلى مقاهي أقرأ فيها، أو مراكز تجارية أتجول فيها، أو ممشى القلعة الذي يمنحني فسحة على سعة السماء وألوانها المتجددة، ورائحة البحر، وحفيف ورق أشجار لا تتوقف عن الرقص. كان هذا في الحياة السابقة، ما قبل كورونا.

تصير الأيام أكثر تشابها، حتى أن ساعتي البيولوجية عانت أكثر من المعتاد في تمييز انتهاء شهر رمضان، في غياب حضور واضح للعيد. في الصباح أتساءل ما اذا كان ممكنا أن أبدأ بشرب الماء، ويلزمني بعض الوقت لأتذكر في أي يوم نحن، وأن أيام الصيام انقضت. انتهت أيضا تلك النزهات الخاصة بما بعد انتهاء دوام الخميس، ولقاء الصديقات في مطعم، والترحيب ببداية الاجازة الاسبوعية. هناك برنامج وحيد لكل الأيام: البقاء في البيت.

أفكر أحيانًا في الآلاف من العالقين خلف قضبان أكثر صرامة وقسوة من جدران بيتي، الذين لا يملكون حتى حق حساب الربح والخسارة قبل مغادرة المنزل، لأنهم في كل الأحوال لا يستطيعون مغادرة حيث هم. هل كان يجب أن يحل علينا هذا الوباء لنشعر بشيء ضئيل، هامشي من معنى القيد على الحركة. لكني في أيام أخرى، خصوصًا في بداية هذا الحجر المنزلي الطوعي، شعرت بالإمتنان للفائض من الوقت الذي استرجعته، الوقت الذي كان سابقًا يتسرب مني في حركة السير البطيئة في شوارع مزدحمة، أو في مشاوير بلا أهمية، أو في واجبات اجتماعية، وأصبح ممكنًا أن أمضيه الآن بالكامل في صحبة نفسي، في عمل شيء أهتم به.

حين تقلصت أسباب الخروج للضروريات الواجبة التي لا مفر من الالتفاف حولها، أصبح الخروج ثقيلاً. لم يعد الخروج نزهة، بقدر ما هو مهمة غير خفيفة. فجأة يبدو أن السيارة والحذاء قد صارا شيئا ثانويًا في الحياة، حين كانا جهاز التنفس لكل يوم. أذهب لمكتب العمل بعد انقطاع طويل، أفيض بالريبة من الأشخاص الذين أوشك على لقائهم، ومن المكان الذي يصوره ذهني موبوءًا. لكني حين التقيت بأحد زملائي، وتبادلنا تحايا خاطفة وكلانا يبتعد في اتجاه، لمحت الريبة في عينه أيضًا. بالنسبة له، أنا القادمة من الخارج الذي لا يعرف عنه شيئًا، كنت أنا الوباء القادم لتلويث هذا المكتب المطمئن. لقد جعلنا هذا الوباء نشك في بعضنا، أو ربما كنا نشك طوال الوقت، وحررنا هذا الشك فقط.

بعد كل عودة من الخارج يرتفع منسوب القلق، من أن أكون قد أحضرت معي إلى البيت أكثر مما هو متوقع. لا أستطيع أن أضمن أن حضوري آمن. ثقيل جدًا هو الشعور، أنك قد تسبب الأذى لشخص تحبه دون أن تعرف. أفتقد حضور الأطفال، حتى أن الالعاب التي كانت مخصصة للعب في نهايات الاسبوع حين تجتمع العائلة بدأ يعلوها الغبار لإفتقادها أهلها. في النهاية، استسلمت وسمحت لهم بأخذ بعضها إلى بيوتهم، لقد مضت أيام لعبنا معًا.

في نوفمبر الماضي، حين ظهرت أنباء الفيروس في الصين، وكان حديث المحيطين بي، لم اعتقد أبدًا أني يجب أن أبالي. الصين بعيدة، قلت لهم. في فبراير من هذا العام كان لا يزال الفيروس بعيدًا عن احتمالات تحطيم شكل الحياة كما عرفتها. حجزت رحلتين مختلفتين للصيف. ذهبت في اجراءات تجهيز الفيزا، وحجز الفنادق. كنت أوشك على الذهاب في رحلة أخرى في بداية مارس حين انفجر الرعب من الفيروس كقنبلة في المجتمع وفي البلاد، وبدأت أخبار الإصابات تحاصرنا في منازلنا. لا شيء مما نعيشه اليوم كان ممكن التصور قبل سبعة أشهر فقط. لقد تغير شكل العالم بالنسبة لي، في وقت أقل مما يلزم لنمو جنين إنسان.

إنها بداية سبتمبر، لا أفق لانحسار هذا الفيروس. يتجادل الناس حول خطة تعليم الأولاد من المنزل أو بالحضور في المدرسة. أجلس في البيت لأقضي اجازتي، وهذا أصبح لا يختلف كثيرًا عن أن تقضي إجازتك في المكتب. أقرأ خبرًا عن فيروس جديد في الصين. أقول لنفسي. الصين بعيدة، لن يصلنا هذا أبدًا.

تصفحوا بقية العدد هنا:


إبتهال سلمان كاتبة من البحرين، صدر لها مجموعة قصصية بعنوان« ولد».

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.