إعادة التشكيل في زمن كورونا

«كان لزامًا علينا تقبل الواقع الجديد»

بقلم ريماس النقبي

اعتدنا سماع ومشاهدة مختلف الأخبار العالمية، ولكثرتها قد نتجاهل بعضها ولا نعطيها قدرًا من الأهمية، نغوص في مشاغلنا الخاصة ونحن متمسكين فكريًا بأن بُعد المسافة لن يجعل ما يحدث في بقعة بعيدة يمتد أثره لنا، لكن أحد تلك الأخبار كسر لنا تلك القاعدة، انتشار فيروس جديد ولا تزال الأسباب غير واضحة؛ قرأنا الخبر ولعجبنا به تساءلنا عن صحته، رغم معرفتنا بمصدره. فلا شيء يخفى على العلم ونحن في هذا العصر المتقدم. بعد هنيهة ننسى كل هذا ونعود لمزاولة أمورنا التي لا تقبل الانتظار.

فجأة يتوقف كل شيء، وكأن عجلة الزمن المتسارعة، التي تنسينا عادة عيش اللحظة، قد توقفت هي الأخرى. ودون معرفة حقيقة بمجريات ما يحصل، كان لزامًا علينا تقبل الواقع الجديد. هذا التوقف أتاح لنا أخذ نفس عميق، ليس لاستيعاب الواقعة فقط، بل أيضًا ما قبلها، لمراجعة الأمور التي فضلنا تأجليها على الدوام وعدم التفكير بها. ومعها أعدنا صياغة وتشكيل أمور عديدة في حياتنا.

شخصيًا، كنت أؤمن بأن العلم يأتي في المرتبة الأولى، صاحب الأولوية القصوى. لكن كوفيد-١٩ جعلني أنظر للموضوع من زاوية أخرى، إذ أن انتشار هذا السقم قد أجبر كل شيء على التعطل، بما فيه التعليم، وإن كان لمدة زمنية معينة، والمراكز التجارية، والمطارات..كل دولة قد أغلقت الأبواب على نفسها لاحتواء مصابها، في مرة هي الأولى من نوعها، وليس لسبب سياسيّ أو أمنيّ، بل صحيّ. لذا فالصحة أثبتت لنا مدى أهميتها.

لم أكن بالأمس جاهلةً بهذا الموضوع، لكن تقديري قد تضاعف، فقد أصبح خط الدفاع الأول، ليس بالنسبة لي فقط، بل للجميع، هو ما يلقب على الأطباء والعاملين في المجال الصحيّ. تفكري هذا جعلني أتصور مجتمعيْن أحدهما متطور لكن أفراده يعانون من سقم، وآخر شبه بدائي لكن العافية تسوده. قد يبدو المثال متطرفًا، لكن إن تفكرنا أكثر لوجدنا أن كلاهما قادرين على الاستمرار برغم الفروق الكثيرة في العلم والتحضر مثلاً، لكن الصحة هي اللي ستشكل فارقًا، ستتوقف أمور عديدة في الحالة الأولى كما نشهد اليوم، لكن المجتمع الآخر سيكون قادرًا على الإزدهار طالما كان أفراده أصحاء، وستتطور المجالات الأخرى به وتنعش. ليس هذه محاولة لتقليل أهمية العلم، فبه سنتوصل لإيجاد لقاح يحل هذه الأزمة، كالاجتهادات العالمية التي نشاهدها اليوم في هذا الصدد. لكنها محاولة لتسليط الضوء على أمرٍ ليس ذو أهميةٍ أقل: تحفل الكثير من الأبيات الشعرية بأهمية العلم وتبجيل المعلم، كذلك كبرنا ونحن نشاهد الجميع يؤكد على هذا الموضوع، وليس بقدر تقدير أعمالٍ إنسانيةٍ أخرى كالطبيب مثلاً.

 هكذا هي الأزمات تجعلنا نعيد التفكير في أمورٍ عديدةٍ، تختلف من امْرِئٍ إلى آخر، ثم تعبر، مخلفة شخصًا بفكر مختلف، وإن كان بشكل بسيط. جائحة كورونا ستعبر هي الأخرى، بعد أن تجعلنا نعيد النظر في أمور عديدة: أفكار، علاقات، أولويات، وإعادة تشكيلها.

تصفحوا بقية العدد هنا :


ريماس النقبي طالبة هندسة صناعية و هندسة نظم في  السنة الثالثة في جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا. ريماس هي نائب سابق في مجلس شورى شباب الشارقة، وخريجة مخيم آفاق القيادي الأول و الثالث.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.