آراء

كيف تتعايش مع الشعور بالضياع؟

«ينبغي ألا نتعجل الأمور وألا نثقِل على أنفسنا بالالتزام بمخطط زمني معين أو خطة حياتية محددة».

English

بقلم آية صلاح

اللوحة: Shutterstock.

كلنا نعيش في هذه الدنيا في محاولة لسبر أغوار أرواحنا ومعرفة ما نحب وما نريد أن نعمل. الفارق هنا هو أن لكلٍ منا رحلته الخاصة التي تختلف عن الآخرين.

من منظور شخصي، في السنة الأخير من المرحلة الثانوية، عندما حان وقت اختيار مجال دراستي الجامعية، كانت محاولتي لاكتشاف ذاتي ومعرفة ماذا أريد أن أفعل مستقبلا شاقّة جدًا؛ كنت حائرة ومحبطة وقلقة جدًا بشأن هذا القرار لأنني شعرت أنني ما زلت لم أجد شغفي، ولم أقرر بعد بأي مجال أريد أن أمضي حياتي. كنت أواجه ضغط مستمر نتيجة إدراكي أن قراري هذا سيُملي عليّ مستقبلي، ومسار حياتي كلها. وهكذا، ظللت أستقصي عن مجالات الدراسة لكي أحدد المجال الذي أتحمس له وأشعر بشغف تجاه العمل فيه حتى عثرت على ضالتي: الإعلام.

لكن تلك لم تكن النهاية، فقد لازمتني الشكوك والمخاوف والكثير من أسئلة الـ«ماذا لو؟»: «ماذا لو كان هذا قرارًا خاطئًا؟»، أو «ماذا لو أنني ظننته المجال المناسب، لكنه في الواقع لا يناسبني؟»، أو «ماذا لو لم أجد عملًا بعد تخرجي؟». ما لم أعرفه في ذلك الوقت -وأدركته لاحقًا- هو أن الاكتشاف والتجربة والسعي هم أصل الحياة وجوهرها؛ لا ضير في أن تخوض تجربةً دون علم مُسبق بما ستنتهي إليه، ولا ضير في أن تشعر بالضياع والحيرة وعدم اليقين في وقت ما.

عادةً ما يُطالَب الشباب بتحديد أهداف واضحة والعثور على الشيء (أو الأشياء) التي تبعث فيهم الشغف واختيار المهنة التي يريدون العمل بها في المستقبل. كل هذا يحصل في مرحلة مبكرة جدًا من العمر تنقصهم فيها الخبرة، ويكونون فيها بحاجة لتعلم واكتشاف ورؤية الكثير. كم مرة طُرح علينا سؤال: «ماذا تريدون أن تصبحوا حين تكبرون؟» حين كنا أطفالا؟ إنه ليس من المنطقي أن نظن بأنه يمكن لطفل، على قلة خبراته وآرائه والأدوات المتاحة له وما يعرفه عن الدنيا، أن يعرف ما الذي يريد أن يفعل بحياته. يعني لا ينبغي لنا أصلًا أن نتوقع إجابة عن مثل هذا السؤال في تلك المرحلة العمرية، وينبغي أن نتقبل أن «لا أعرف بعد» هي الإجابة الصحيحة.

الحيرة التي تتملك الشباب وعجزهم عن اختيار طريق يسلكوه -في عالم يقدس اليقين والإنتاجية العالية- يبعثان فيهم شعورًا بالفشل ونفاد الوقت. لكن الأمر وما فيه هو أن كل شخص يحيا في سياقه الخاص، وله طريقه الخاص، وتجاربه الفريدة، وظروفه التي لا تشبه ظروف أي أحد آخر. ومع ذلك، فالكثير من الناس يقارنون حياتهم بحياة الآخرين، ولا يدركون كم أن ذلك عديم الجدوى، فمنصات التواصل الاجتماعي، مثلاً، لها دور كبير في هذه المقارنات؛ تجدنا نقارن أنفسنا بالآخرين من حيث عدد أصدقائنا، وإنجازاتنا، والدول التي سافرنا إليها، ولأي درجة نمسك بزمام حياتنا، رغم معرفتنا أن ما نراه على هذه المنصات قد يكون وهمًا يصور الأمور على غير حقيقتها.

ما نحتاج إلى تذكره هو أننا -كبشر- ليس من المفترض أن نسير بنفس الوتيرة التي يتحرك بها الآخرون، ولا أن نفكر بنفس العقلية، أو نحيا على نفس النمط؛ من الوارد أن يكتشف بعضنا غايتهم وشغفهم قبل الآخرين، وهذا حسن، لكننا لا ينبغي أن ننظر للحياة على أنها سباق أو منافسة، بل على أنها رحلة وعملية لا بد أن نتركها تأخذ وقتها وإن طال.

ونحتاج أيضًا إلى تذكر أن الحياة بها متغيرات وثوابت. بمعنى أن الكثير من الأشياء تتغير بداخلنا ومن حولنا بحسب ما نمر به وما نتعلمه وما نشعر به وما يطرأ علينا من ظروف. فمثلا يشعر البعض بشغف تجاه شيء ما في طفولتهم، وينمو معهم هذا الشغف حتى مرحلة المراهقة، ولكن بمجرد وصولهم مرحلة النضوج يخبو هذا الشغف ويحل محله الإحباط، ولذلك أسباب واحتماليات عديدة؛ ربما تغيرت اهتماماتهم وهواياتهم، وربما جربوا أشياءً جديدة وسعت مداركهم وجعلتهم يدركون أشياءً جديدة عن أنفسهم.

باسم يوسف، الكوميديان والمذيع التليفزيوني، مثال على ذلك، فهو كان في الأصل جراحًا، ولكنه اكتشف شغفه بعد تسعة عشر عامًا من دراسة الطب والعمل فيه. ووالت ديزني، مؤسس شركة والت ديزني للرسوم المتحركة، مثال أخر، فقد اشتغل محررًا للأخبار قبل أن يصبح رسام رسوم متحركة ويُنشأ شركته الناجحة. وأنا أعرف الكثيرين على أرض الواقع ممن اكتشفوا شغفهم وصنعتهم الحقيقيين في مرحلة متقدمة من حياتهم بعد انطوت منها عدة فصول، ورغم أنهم اتخذوا قرارات تتعارض مع شغفهم هذا آنفًا، فقد انتهي بهم الأمر أن اشتغلوا بما يحبون.

سبب آخر يقف عائقًا أمام اتباع الشغف -ويصعب على الكثيرين تقبُله- هو الظروف. أجل، يمكن لظروف الإنسان أن تجبره على اتخاذ طريق معين وإن لم يكن يحبه. ويظن الكثيرون أن البشر قادرين على تحدي الظروف وسلك الطريق الذي يريدون، ورغم أن هذا ممكن في بعض الأحيان، فإنه يكون شديد الصعوبة في أحيان أخرى.

إن رحلة اكتشاف الذات ليست يسيرة، إذ يتخللها الكثير من العقبات ولحظات التعلُّم والمراقبة، لذا ينبغي ألا نتعجل الأمور وألا نثقِل على أنفسنا بالالتزام بمخطط زمني معين أو خطة حياتية محددة.

لنتذكر دائمًا أن اكتشاف ذواتنا ومعرفة غايتنا من الحياة إنما هما رحلة كاملة، وليسا مهمة كُلفنا بها أو هدف يجب إنجازه بحلول وقت معين. وعليه، فلنمنح أنفسنا الوقت -كل الوقت- للاستطلاع والاكتشاف ومسايرة الحياة حتى نرى أين ستذهب بنا بلا استباق للأمور، ولنرفع عن كواهلنا ثقل محاولة استنتاج المراد من وجودنا في فترة زمنية حددها آخرون.


آية صلاح طالبة اتصال جماهيري في جامعة القاهرة, مهتمة في مجال الصحافة الرقمية وتطمح إلى أن تكون محترفة فيها. تشمل اهتماماتها الأخرى النشاط الاجتماعي، وصناعة المحتوى، ومشاهدة الأفلام. تتدرب حاليًا في مجلة سكة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

تُرجم هذا المقال من الإنجليزية.