سلسلة الفن الخليجي

المستقبل للفنانين الخليجيين الشباب

نتحدث مع عبدالله قنديل، وأحمد الكويتي، وميس الموسوي، وشيماء التميمي.

ِEnglish

بقلم سامية قيوم

الفنان السعودي عبدالله قنديل. الصورة: عبدالله قنديل.

شهد العقد الثاني من الألفية الثالثة ارتقاء المشهد الفني الخليجي لمكانة رفيعة، حيث اقتنت قطر في هدوء أعمالاً فنية لمارك روثكو وداميان هيرست وآندي وارهول، وتعاونت مؤسسة المنصورية للثقافة والإبداع مع هيئة البحرين للثقافة والآثار لعرض الفن السعودي الحديث، وافتتح متحف اللوفر بأبو ظبي ليجلب عبق المتحف الأصلي إلى عاصمة الإمارات العربية المتحدة. كما رسخ معرض آرت دبي السنوي مكانته باعتباره المعرض الفني الدولي الرائد في الشرق الأوسط.

ثم جاء عام ٢٠٢٠ وبينما يزدهر المشهد الفني ويتيح للمنطقة الفرصة لأخذ مكانة مدن مثل القاهرة وبيروت باعتبارهما مراكز ثقافية رئيسية، ضربت الجائحة ضربتها لتجبر المبدعين على البقاء في المنازل والدخول في حالة من التأمل الداخلي. والنتيجة؟ منصات جديدة وأعمال فنية غير متوقعة وقطع فنية أجرأ وإعادة تقييم لما يعنيه أن تكون فنانًا شابًا في الخليج اليوم. أتحدث هنا مع الفنان المعاصر عبد الله قنديل والراويين البصريين أحمد الكويتي وشيماء التميمي والرسامة ميس الموسوي عن ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

عبد الله قنديل

فنان منفتح معاصر ذو طموحات جريئة لمستقبل المشهد الفني في السعودية.

الحديث مع عبد الله قنديل استثنائي، فيشهد عمل الفنان المعاصر نهضةً تشبه إلى حدٍ كبير النهضة التي يشهدها وطنه المملكة العربية السعودية. ويشتهر عبد الله بلوحاته التجريدية التي تظهر الألوان والخطوط بلا تحفظ، وبتحطيم أرقام قياسية في سوذبيز، وبكون أشخاصٌ مثل كانيي ويست والأمير الوليد بن طلال من المعجبين بفنه. لكن الآن يضع عبد الله عينيه على ما هو أكبر؛ فقد أطلق مؤخرًا منصة The King of Offset، وهي منصة لم تسمى على اسم هدفها لتخفيض الانبعاثات الكربونية فحسب، لكن على اسم أول رمز مادي معتمد وغير قابل للاستبدال (Physical NFT) لفنان في العالم.

قال عبد الله في تصريح رسمي: «أدعو كل المبدعين وجامعي الفن من أنحاء العالم للانضمام إلى حركة التأثير الإيجابي اللا مركزي (Decentralised Positive Impact (DePi)) واعتماد الرموز المادية والرقمية غير القابلة للاستبدال (AP/AD-NFTs)، لا باعتبارها معيارًا جديدًا في المجال الإبداعي، لكن بصفتها عامل حاسم لمستقبل كوكبنا أيضًا». ستظهر الرموز غير القابلة للاستبدال في منصة «MPWR»، وهي منصة إبداعية جديدة أسسها الفنان السعودي لمساعدة المبدعين الناشئين وتمكينهم من ترميز طاقتهم الإبداعية والاستفادة التجارية من أعمالهم الفنية باستخدام تقنية البلوك تشين (سلسلة الكتل) عالية الشفافية.

عمل فني للفنان السعودي عبدالله قنديل مرسوم على سيارة. الصورة: عبدالله قنديل.

يقول عبد الله أن المستقبل ملك للمبدعين، ويوضح قائلًا: «انظري إلى الاقتصاد اليوم، البيانات هي السلعة الأغلى في العالم ، ومن المفترض أن يخبرك هذا عما سيكون عليه شكل العالم في المستقبل. وأغلى أنواع البيانات هو البيانات الإبداعية، لذا آن أواننا». عبد الله نفسه هو فنان شاب في الثالثة والثلاثين من العمر، لكنه حمل على عاتقه مهمة مساعدة الشباب في إطلاق العنان لقدراتهم، فيقول: «هذا هو أكثر العصور إثارةً، فلا توجد منطقة أخرى بها ذلك العدد من الشباب المتعلم وذوي دخل يتيح لهم دخول الأسواق المتعددة من تجارة التجزئة إلى المعاملات المصرفية التجارية عبر الإنترنت. هذه ديموغرافية تعبت من الوضع الراهن».

ويتابع الحديث عن نفسه، ويكشف المزيد قائلًا: «لطالما كنت في قلب حركات عديدة، ليست سياسية بل إنسانية لتضميد الجراح والمصالحة. ما أحاول فعله باعتباره أحد أشكال المصالحة هو إعادة تدريب عقلي على عادات جديدة باستخدام برنامج اسمه أروسميث (Arrowsmith)». كما يشرح عبد الله كيف غير كتاب The Woman Who Changed Her Brain حياته قائلًا: «كتبته امرأة أعادت تدريب عقلها وهذا ما كنت -وما زلت- أقوم به. فمنذ تحقيقي للمزيد من التوازن أصبحت قادرًا على خلق عادات جديدة، وإذا خلقت عادات جديدة فأنت تخلق طبيعة ثانية جديدة. وإذا أردت أن تخلق طبيعة ثانية طيبة فذلك يعني أنك شخص طيب، وهذه هي النقطة التي وصلت إليها بصفتي أحد الملهمين المحليين». بالنظر إلى الماضي في مدينة نيويورك في ثمانينات القرن العشرين، يقول عبد الله إنه كان ليحب مقارنته بليو كاستيلو الذي منح أمثال جاسبر جونز وروي ليختنشتاين أول معارضهم المنفردة، ويضيف عبد الله: «لقد دفع كل هؤلاء الفنانين ليحققوا ما وصلوا إليه».

أما عن أكثر فناني المنطقة حماسةً، فيشير عبد الله إلى مصمم الأزياء ومؤسس علامة هندام (Hindamme) التجارية محمد خوجة كمثال، ويقول: «لدي أسماء عديدة لأشخاص سيدعمون هذه الحركة أيضًا، وأظننا بدأنا نهضة جديدة في المنطقة ستقلب الوعي رأسًا على عقب، لأنها ستمنح الناس البهجة من أشياء أخرى بخلاف المال. سيستمدون البهجة من العمل الإبداعي. وما هو العمل الإبداعي؟ إنه الطاقة الإبداعية. وما هي الطاقة الإبداعية؟ إنها الطاقة الناشئة من الروح».

يتوقع عبد الله- طامحًا- أن نصيب الفرد من العمل الإبداعي في المنطقة سيكون في أعلى نقطة بحلول نهاية عام ٢٠٢١م، كنتيجة لمنصته: «استراتيجتي قصيرة الأجل هي تأسيس منصتي، منصة بلا قيود لتشمل الأعمال المادية والرقمية. وأريد أن أكون من ينشئ بنية تحتية لامتلاك أكبر عمل بيانات إبداعي في العالم». وما هي خططه طويلة الأجل؟ طبيعتها أقل وضوحًا.

أحمد الكويتي

منتج ومخرج أفلام ومصور فوتوغرافي مقيم في أبو ظبي ينظر إلى ماضي البحرين بحثًا عن إلهام إبداعي.

المبدع البحريني أحمد الكويتي. الصورة: أحمد الكويتي.

إذا كان عبد الله يمثل لمحة من مستقبل الفن الرقمي والرموز غير القابلة للاستبدال، فإن أحمد الكويتي على النقيض. فمنتج ومخرج الأفلام والمصور الفوتوغرافي البحريني المقيم في الإمارات العربية المتحدة ينظر للعائلة ليستقي منها الإلهام، فعمله متأصل في الاحتفاء بتراثنا. فقبل الإغلاق مباشرةً أخرج أحمد الكويتي فيلمًا قصيرًا يتتبع رحلة شخصيته الرئيسية في بحر الذكريات عبر البحرين لمهرجان تاء الشباب الثقافي ٢٠٢٠. قبل ذلك صورت إحدى جلساته التصويرية المؤثرة ضوى المحمود في شرفة قديمة في سوق المنامة حيث قضى جداه الراحلان أغلب أيامهما.

يوضح أحمد قائلًا: «ينبع افتتاني بالماضي من علاقتي بوالديّ، فعندما كنت طفلًا أحببت مراقبتهما -معرفة نوعهما المفضل من الشوكولاتة وذوقهما في الموسيقى.. كل شيء- وعندما كبرت بدأت أبحث في تاريخ عائلتي، وتساءلت: لماذا نفكر بهذه الطريقة؟ لماذا نلبس ملابسنا بهذه الطريقة؟ كان ذلك نوع الأسئلة التي أطرحها وتظهر في أعمالي. لقد جعلتني أدرك كم يخبرنا الماضي بما نحن عليه اليوم».

يعترف أحمد بأنه ليس من محبي الصيحات الرائجة ولا العالم التقني سريع الإيقاع. ماذا عن كل الضجة حول الفن الرقمي في المنطقة وما يتجاوزها؟ لم يشغل تفكيره بعد، مشيرًا إلى بهجة رؤية اللوحة رؤى العين أو إبداع قطعة فنية ملموسة بصفتها لا تُعوض، فيقول: «صدقًا تذكرني تلك المفاهيم بأن التقنية تحاول أن تستوعبنا أكثر مما نستوعبها. أهتم أكثر بمساعدة الناس على إدراك العالم المحيط بهم، بل وتقدير بعض الأحداث السيئة التي وقعت. أؤمن بمجاراة التقنية لكن ليس على حساب نسيان أهمية الماضي».

فلا عجب إذن إذا سادت موضوعات ذكرى الأمس وهويته وأهدافه في أعمال أحمد. فبمجرد إلقاء نظرة على حسابه على منصة انستقرام تكتشف صورًا عائلية لا حصر لها ممزوجة بلقطات من الحنين للماضي. يقول أحمد: «أحب كلمة الإرث وأعلم أنني أمثل والدي وأجدادي». ما نراه هو أن لأحمد عدة ألبومات من الصور تعرض حياة والديه، ولا توجد صورة واحدة تقريبًا تكشف عنه أي شيء. يقول أحمد: «نفقد اهتمامنا بأي شيء يصبح سهلاً ويسهُل الوصول إليه»، ويضيف: «حينئذ لم يوثق والديّ حياتهما فقط، بل طبعا ونظما كل شيء ويمكنني بالفعل أن ألمس قصصهما، لكن إن كان لي أن أبحث عن نفسي فلن أجد الكثير بعد عام ٢٠٠٠م. لذلك أقول للجميع أن يمعنوا النظر في بيوتهم».

وكان هذا ما فعله أحمد بالضبط، فمع فضوله لمعرفة قصة أصله أمضى الفنان البصري فترة الإغلاق في عام ٢٠٢٠ يمحص مكتبة أبيه، ووجد تذكارات يعود تاريخها إلى ستينيات القرن العشرين. ويقول عن ذلك: «منحتني الجائحة الوقت لنفسي ولما يحيط بي، وكانت الحياة تسير بسرعة قبل ذلك. تمكنت من العودة إلى المسار الصحيح والكتابة والعصف الذهني مما جعلني أدرك أنه يمكن للبيت أن يكون مصدرًا للإلهام». في الحقيقة ساهم تغيير الوتيرة والمدة التي يقضيها أحمد مع إخوته في إلهامه ليكتب فيلمًا قصيرًا يبرز إحدى تجارب جدته.

أحمد الكويتي ينظر للعائلة ليستقي منها الإلهام. الصور: أحمد الكويتي.

وبصفته منغمسًا في معالم وأصوات البحرين، يقول أحمد إن المشهد الفني العالمي لم يكتشف مبدعيها بعد وأن حجم الجزيرة لا يساعد لكنها -نتيجةً لذلك- ترحب بالمواهب الشابة والناشئة ترحيبًا أكبر، فيقول: «نظرًا لصغر المجتمع الفني وتماسكه هناك دومًا من يهتم بالاجتماع بك أو من يريد أن يدعم أعمالك». ومع ذلك يجب التشديد على الحاجة للدعاية العالمية، ويضيف: «بصفتنا فنانين علينا إنتاج أعمال وعرضها على المجتمع المحيط بنا، لكن قد لا يكون ذلك كافيًا. ربما علينا الضغط لعرض أعمالنا في الخارج للفت الانتباه للفنانين المقيمين في الوطن».

أما عن دبي -في تجربة أحمد- فهي أكثر حيوية، فيقول عنها: «هناك دومًا ما يحدث سواء إطلاق منصة جديدة أو افتتاح متحف أو حفل لذا لديك حافز للعمل دومًا، كما أن هناك أيضًا تقدير أكبر للفن في مثل تلك المدن بسبب التنوع. تمتلئ البحرين بالمواهب لكن الأغلب يهتمون بالموسيقي اهتمامًا أكبر من الفن البصري نظرًا لقلة الوعي بقوة تأثير هذا الفن». لكن بغض النظر عن موقف أحمد، فهو يقول أن الفن قدم له منصة يمكنه عبرها مشاركة قصص مسقط رأسه: «تقدم أعمالي للجمهور من خارج المنطقة نظرة متعمقة للجزيرة، وأحب عندما تتاح الفرصة لي لأن أعرف شخصًا ما بتراثي».

يعمل أحمد حاليًا في وظيفة دائمة ويكتب نصوصًا لأفلامٍ قصيرة بجانب وظيفته، وأضاف إن جمهور الخليج يميل للتصوير الفوتوغرافي أكثر من ميله للأفلام: «أظن أن التصوير الفوتوغرافي يوفر فرصًا أكثر لأن السعي لتكليف منتج أفلام أو مخرج مستقل بعمل هو أكثر صعوبةً. ومجددًا، لا يعتمد كونك فنانًا على المشاركة في معرضٍ أو نشر أعمالك، فإذا كان لديك عمل يروي قصة -حتى إذا لم يلفت انتباه أحد بعد- فأنت فنان».

ميس الموسوي

فنانة ورسامة عُمانية توصل صوت نساء مجتمعها عبر أعمالها.

الفنانة العُمانية ميس الموسوي مع بعض من أعمالها الفنية. الصورة: ميس الموسوي.

تتفق ميس الموسوي الفنانة البصرية التي تنحدر أصولها من مسقط بسلطنة عُمان في الرأي مع أقرانها، فتشير الشابة البالغة من العمر ٢٦ عامًا إلى حركة المشهد الفني المحلي على أنه تحديًا، فتقول: «بالرغم من حسن حظنا أن نكون فنانين في زمن ينمو فيه المشهد نموًا كبيرًا كل يوم في الخليج، لنقدم شيئًا جديدًا لمجتمع به العديد من القيود والحدود بالقدر الذي يهتم به مفهوم الفن، وتتاح لنا الفرص ويُوفَر لنا الدعم». وتتفق مع أحمد في أن الوعي هو المفتاح، وتؤكد على الحاجة لمزيد من المعارض الفنية والمتاحف إلى جانب تعليم الفن في المدارس وإظهار عالم الفنون للجمهور العام.

لا يزال ازدهار المشهد الثقافي في السلطنة مستمرًا بفضل الشخصيات المحلية البارزة مثل المصورة إيمان علي ومخرج الأفلام شندي، لكن ترى ميس أنه يمكن فعل المزيد لدعم المزيد من التطوير. فتفكر بصوت مرتفع قائلة: «السؤال هو كيف نبدأ نحن في التطور؟». وتستطرد: «نحتاج في البداية لمجتمعٍ أكثر ترابطًا ليُلهم التعاون والمناقشات الفنية، كما أن على قادة المجتمع الفني المحلي الانخراط مع المطورين والرعاة لخلق فرص هادفة لتفاعل العامة مع الفنانين المحليين. لكن الفن ليس بشيء يُفرض، فالأمر كله نتيجة لعوامل يصعب قياسها مثل الهجرة والتعليم والتنمية الاجتماعية والاقتصادية».

قد يعجبك أيضًا:

في حالة ميس، لعبت نشأتها دورًا مهمًا فيما أصبحت عليه اليوم، فالجسم الأنثوي هو موضوع مهيمن في أعمالها الفنية سواءً كانت رسومات أو لوحات أو صورًا فوتوغرافية أو منحوتات سلكية. وكثيرًا ما تحدثت ميس عن المخاوف التي تواجهها العديد من النساء في مجتمعها وتؤثر على هويتهن وتقول إنها تشعر بالحاجة لمنحهن صوتًا. عند هذه النقطة، من المستحيل تجاهل حقيقة أن أغلب الأعمال الفنية التي تصور الجسم الأنثوي صنعها فنانون ذكور، وغالبًا ما تجلب نظرتهم معها عنصرًا من معاملة المرأة كغرض أو أداة ولم يتغير هذا كثيرًا مما يعطي لعدسة مي أهمية أكبر، فتقول: «نحن من مجتمع تكاد تكون كل امرأة فيه تعرضت للسخرية من مظهرها الجسدي، لذا صنعت بعض الأعمال الفنية لأقول لأولئك النساء أنهن لسن وحدهن».

وليس غريبًا على الفنانة رقيقة الصوت أن تتهكم على نفسها لتكشف أن لديها مخاوف دائمة حول جسمها كنتيجة: «تعرضت للسخرية من مظهري الجسدي كل يوم خلال مراحل نموي لأنني فتاة نحيلة ضئيلة، وتطورت علاقتي بجسمي عندما بدأت التعبير عن مشاعري عبر لوحاتي كما تصالحت معه عندما كبرت. قبلت نفسي كما هي». انظر عن كثب وسترى أن طبيعتها كأنثى ليست مغروسة في أسلوبها فحسب، وتوضح: «التركيز على الأنوثة بصفتي أنثى عربية يظهر هويتي الثقافية أيضًا»، وتتابع: «بينما كنا نكبر تعلمنا أن مظهرنا وسلوكنا هو انعكاس لثقافتنا».

تتميز ميس بالجرأة وسلاسة التعبير، وتعكس أعمالها حالتها الذهنية العاطفية وتشعر براحة أكبر عند مشاركتها مع العالم. فتقول ميس: «منحني العيش في العزل الصحي فرصةً نادرة لأتأمل حياتي ومهنتي بصفتي فنانة متفرغة. اعتمد عملي من قبل على المشاركة في المعارض والمناسبات الاجتماعية، لكن في ظل الجائحة انتقل كل شيء إلى الإنترنت. وأصبحت صحتي النفسية أهم أولوياتي، وكان للالتزام بالتأمل واليوغا أثرًا كبيرًا على ما أنتجته. اكتسبت الثقة لأتحدث عن القصص وراء أعمالي الفنية، وأن أصنع عمل فني له مغزى أكبر. كانت خطوة كبيرة بالنسبة لي». لذلك نجد أن إشارة ميس لعام ٢٠٢٠ بصفته «عام التغيير» ليس غريبًا.

كما تقول إن التغيير يحيط بنا في المشهد الإبداعي في الخليج: «هناك كل هؤلاء الفنانين المذهلين الذي يحاربون العادات ليصبحون جزءًا من التغيير وكي يصنعون فارقًا بسيطًا». تعمل ميس حاليًا على مجموعة متنوعة من التصميمات بينما يزداد تركيزها على المنحوتات الطينية كثيرًا، وتقول ميس: «أحب نحت المنحوتات ويبدو الأمر كما لو كانت الحياة تدب في شخصيات لوحاتي. ما زالت أجرب النحت الطيني، لذا سترى من هذه المنحوتات الكثير. لكنني أبحث أيضًا إمكانية نسج سجاد يصور رسوماتي، فكما تعلمين التعلق بوسيلة واحدة يصبح مملاً بمرور الوقت، لذا أحتاج لممارسة أمرًا جديدًا عليّ من حينٍ لآخر».

شيماء التميمي

راوية بصرية مقيمة في قطر تتواصل مع جذورها اليمنية بفيلم واحد وصورة واحدة في كل مرة.

المصورة شيماء التميمي. الصورة:أحمد قماش.

من الصعب أن تقرر إذا ما كان شيماء وأحمد متشابهان للغاية أو في قمة الاختلاف. فمن ناحية كلاهما راوي بصري شاب حقق إنجازات وترتكز أعماله على الهوية، ومن الناحية الأخرى لا يمكن أن تتناقض رحلتيهما أكثر من ذلك. فلشيماء التميمي المقيمة في قطر أصولاً يمنية وكينية، لكنها لم تعش قط في أي من البلدين. أعمال ابنة الثقافة الثالثة مستلهمة من القضايا الاجتماعية والثقافية المنعكسة على قصتها الشخصية، مما تجسد في شكل قصص حية تصور الهجرة وثقافة الطهي بصفتهما موضوعـين مهيمنين. لكن بالرغم من أن لديها الكثير لتتعلمه، تقول شيماء أن خلفيتها تستمر في تشكيلها بصفتها فنانة وبصفتها إنسانة.

تقول شيماء: «أتيت من تلك المرحلة التي كنت فيها في إنكارٍ كامل لماضيّ لأسباب كثيرة، ينبع أغلبها من حقيقة أنني لم أولد وأتربى في بلدي»، وتؤكد: «بدأت أستاء من حقيقتي خاصةً إنني لم أعش في اليمن قط، ووصلت لنقطة كنت فيها تائهة وتعسة لكنني أدركت أن تعاستي لم تكن بسبب شيء ارتكبته وأن ذلك ليس صحيحًا. تعبت من العيش في الإنكار».

انحسر ذلك الشعور ببطء بعدما خاضت شيماء عدة أحاديث مع أبيها عن أسفاره، وكيف هرب طفلًا من ثورة الستينات المميتة في زنجبار. وتقول: «لم تكن تلك قصصًا أخبرنا بها، وهذا أحد أسباب صعوبة التواصل الطبيعي مع ثقافتين. اضطررت للبحث عن كثيرٍ من المعلومات ومعالجتها بنفسي لأن هذا جزء من الصدمة الذي لا تظن نفسك تعاني منها لكنك تمر بها. ساعدني ذلك على فهم كيف آلت بي الأمور إلى هنا بسبب كل تلك الرحلات التي قام بها أسلافنا، ولا يمكنني أن أحدثك عن أهمية ذلك لفهمي للحياة عامةً. عليك أن تعرف الماضي لتمهد طريق المستقبل».

من «Don’t Get Too Comfortable» لشيماء التميمي . الصورة: شيماء التميمي.

ومن الجدير بالملاحظة كيفية استخدم أحمد وشيماء لتفشي الجائحة لنبش الماضي بدلًا من القلق على المستقبل. فتقول شيماء: «أمدني ذلك بالحماس على المستوى الإبداعي وآل بي الأمر بالعودة إلى الماضي لأستكشف تاريخ أسلافي وأعد فيلمًا متعدد الوسائط عنه، انتهيت منه للتو». نُفذ كل ما يتعلق بالفيلم الذي يبلغ طوله تسع دقائق بين جدران منزلها ومنزل عائلتها في أبو ظبي، وتقول عنه: «إنه مشروع صنع كاملًا في المنزل».

وبعيدًا عن صدور هذا الفيلم القصير قريبًا، أنهت شيماء عملها على لا ترتاح كثيرا (Don’t Get Too Comfortable) واحتفلت بعرض صورها في مهرجان فوتو إسبانيا (PHotoESPAÑA) للتصوير الفوتوغرافي في مدريد. والفيلم القصير هو خطاب متعدد الوسائط إلى جدها تمكنت من تنفيذه بمساعدة زمالتها لمؤسسة ماغنوم، بينما عملها «لا ترتاح كثيرًا» كان جزءًا من معرض عن اليمنيين في المهجر. كما تبنت مبادرة جمع تبرعات باسم (مطبوعات من أجل اليمن Prints for Yemen) بالتعاون مع منصة اليمانية وهي منصة تركز على النساء اليمنيات في الفنون والثقافة. وإن لم يكن كل ذلك كافيًا، ستتابع الفنانة البحث لأجل المشروع الذي قادها للفوز بجائزة الشيخ سعود آل ثاني، وتخبرنا إنه سيأخذ شكل ألبوم صور مدعوم بتقنية الواقع المعزز. ومع ذلك هي مستعدة أيضًا لتتمهل قليلًا، مشيرة لمجموعة من الأسباب تستنزف وقتها، منها: فيروس كورونا والعمل بدوامٍ كامل وإنتاج الأفلام.

لكن بالرغم من شعور الارتباك الذي يولده ضغط الإنتاج، فإن شغفها تجاه المشهد الإبداعي شغفُ ملموس، فتقول: «هناك حركة من الصحوة في تقدير الفن في قطر على الأقل، فهناك منظمات تقدم الآن الدعم والمنح وورش العمل التي لا يزال أكثرها حديث العهد، لكن ما زلنا نرى من يريدون التعبير عن أنفسهم. وهناك أيضًا أماكن يمكننا الذهاب إليها للتواصل مع من يشاركوننا نفس الأفكار. من اللطيف أن تتمكن من بناء مجتمع». وبينما ترى شيماء أن سلوك طريق الوثائقيات طوال الوقت لا يجدي ماليًا، تقول إن المنطقة تتباهى بوفرة المواهب المساهمة في نهضة المشهد الفني الخليجي، ومع ذلك فهناك مقابل.

فتقول شيماء: «المشكلة أن كثير منها مواهب مكبوتة، فهناك من يمتلكون قدرات جبارة لكنهم لا يجدون من يشجعهم نظرًا لنشئتهم الثقافية. أن تكون فنانًا ليس بالشيء الذي يعتبره الوالدان أو المجتمع مرموقًا، لكن تلك الفكرة تتغير ببطء. فيستثمر الناس الآن في الفن وتتفتح العقلية، لتبدأ المنطقة في إحداث القليل من الإثارة. وبالتأكيد يرتبط ذلك بتوافر المال الممكن تخصيصه للمبادرات الثقافية في الخليج ولا أظن أنه من السيء أن يستخدم استخدامًا صحيحًا».


سامية قيوم هي محررة مقرها دبي متخصصة في الكتابة عن السفر والثقافة ، وهي كاتبة مساهمةلـ «ميل» و«إيل أرابيا» و«ناشيونال جيوغرافيك ترافيلر » و«كوندي ناست ترافيلر». سامية من أطفال الثقافة الثالثة ولديها عطش دائم للمغامرة. عاشت سامية في خمسة بلدان وسافرت إلى ٣٤ دولة أخرى ، واكتسبت التجارب الغريبة والرائعة على طول الطريق – فقط لا تطلبوا منها تحديد كلمة «الوطن» .

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال ترجم من الإنجليزية.