ثقافة وفن

كيف توثق دانة الراشد التراث المعماري الكويتي من خلال فنها

نحاور الفنانة الكويتية عن الإلهام وراء معرضها الفردي الأول: «عمارة الذاكرة».

English

بقلم فريق سكة

عمل فني للفنانة الكويتية دانة الراشد بعنوان «خواطر في هدم الصوابر». يُعرض العمل الفني حاليًا في معرض «عمارة الذاكرة». الصورة: دانة الراشد.

بدءًا من أربعينيات القرن الماضي، شهدت الكويت ازدهارًا اقتصاديًا كبيرًا نهض بها إلى مصاف الدول الحديثة، وفي العقود التي تلت ذلك، انتدبت الدولة مهندسين معمارين من مختلف أنحاء العالم لتصميم معالم بارزة للبلاد (منها أبراج الكويت، وأبراج الكويت المائية الشهيرتين) تعكس هذه القفزة الهامة إلى العالم الحديث.

ومن وقتها لم يتوقف هذا السعي إلى إضافة الطابع العصري على البلاد، ما أدى إلى هدم واستبدال درر معمارية عديدة كانت قد صُممت وبُنيت في ذلك الوقت، ويحتل الكثير منها منزلة عظيمة في قلوب العديد من الكويتيين الذين تربطهم بها ذكريات غالية، ويشهد عدد منها على ثراء التراث المعماري الكويتي. من هذه الدرر مثلًا صالة التزلج على الجليد التي شُيدت في عام ١٩٨٠، وكانت بذلك أول صالة تزلج على الجليد في الشرق الأوسط، ومجمع الصوابر الذي شُيد في ١٩٨١ وهو أول مجمع سكني متعدد الطوابق في الدولة.

وكثيرًا ما أشعلت قرارات الهدم شرارة الاحتجاجات، سواء على الأرض أم على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في أوساط المحامين والحقوقيين ومحبي فن العمارة. بيد أن احتجاج أحد الكويتيات اتخذ طابعًا فنيًا أكثر؛ دانة هي فنانة وصحافية ومهندسة معمارية تتخصص في صيانة وترميم المباني التاريخية، وقد كرست مؤخرًا لوحاتها الرقمية المرسومة على طراز فن المنمنمات الإسلامي الحديث للتعبير عن رأيها في هذا الهدم، ورسم وتوثيق التراث المعماري الكويتي المعاصر، وضمان بقاء هذا التراث -وإن كان على هيئة لوحات فنية ليس إلا- للأبد. تعرض دانة ١٤ من أعمالها الفنية في معرض منفرد بعنوان «عمارة الذاكرة»، وتحكي هذه الأعمال قصة قومية معاصرة عن البناء والهدم والشعب الذي يحاول الحفاظ على ذاكرته وهويته.

نحاور دانا حول الإلهام وراء «عمارة الذاكرة» وحول أسلوبها الفني المميز وكيف أثّرت مهنتها كمهندسة معمارية على فنها، وقد نقّحنا هذا اللقاء حرصًا على الوضوح ومنعًا للإسهاب‏.

الفنانة والمهندسة المعمارية والصحفية دانة الراشد. الصورة: دانة الراشد.

كيف ومتى بدأت رحلتك الفنية؟

دانة الراشد: منذ بدأت أعي ما حولي وأنا أرسم؛ منذ كنت في التاسعة أو نحوها وأنا أحمل كراسة رسم صغيرة معي على الدوام وأرسم كل يوم. في صغري كنت مهتمة بجميع أشكال الفن، من الرسوم الهزلية إلى رسوم ألعاب الفيديو إلى رسم الطبيعة والرسوم ذات الطابع الواقعي، وحين جاء الوقت لاختيار تخصصي الجامعي، حسمت أمري على اختيار مجال إبداعي، فكانت الهندسة المعمارية خياري الأول، ثم جاءت الدراسة [دراسة الرسوم المتحركة] في أكاديمية كرتون نتورك للرسوم المتحركة (Cartoon Network Animation Academy) لترقى بشغفي من مجرد شغف إلى مهنة أحترفها.

كيف طورتِ مهاراتك الفنية؟

دانة الراشد: أفضل طريقة يطور بها الإنسان نفسه هي اصطحاب كراسة رسمه معه دومًا وممارسة الرسم يوميًا. وهذا بالضبط هو ما فعلته للعديد والعديد من السنوات؛ أذكر كيف كانت مهاراتي الفنية تتطور بشكل جذري [في كراسة الرسم الواحدة]، فكنت أرى اختلافًا بيِّنًا بين مستوى الرسومات في أول الكراسة ومستوى الرسومات في منتصفها.

كما أن الاطلاع على أعمال الآخرين ودراسة أسلوبهم الفني قد ساعداني كثيرًا. وفي كلية الهندسة المعمارية، درست الكثير من مواد الرسم والتصميم وتاريخ الفن ونقده، ما ساعدني على فهم الفن من منظور ثقافي وتاريخي. وبعد تخرجي من جامعة الكويت مباشرةً، توجهت للدراسة في أكاديمية كرتون نتورك للرسوم المتحركة، ما جعلني أمارس الرسم أكثر وأكثر.

ما هي المواضيع التي تستمعين بتناولها في فنك بشكل عام، ولماذا؟

دانة الراشد: يعني، على حسب.. أحب أن أوظف فني تمامًا كما أوظف صحافتي وكتاباتي: للتعبير عن رأيي – الذي لا يحظى بشعبية كبيرة في كثير من الأحيان – وتصوير سرد بديل». أحب استكشاف أشكال الطبيعة واستخدامها في ابتكار مظاهر جمالية جديدة، وأحب جدًا استمداد الأفكار من تاريخنا وثقافتنا الثريين لتكوين عمل عصري يألفه المتلقي.

كيف يؤثر عملك كمهندسة معمارية على فنك؟

دانة الراشد: أظن أن خلفيتي المعمارية تظهر جليًا في أعمالي الفنية، خاصة بالنظر إلى الطريقة التقنية التي رُسمت بها المباني في لوحات معرضي الحالي. في أغلب الأحيان، يمر الناس بلحظة تجلي بمجرد معرفة مهنتي بعد رؤية أعمالي الفنية.

كما أن عملي في مجال العمارة/التصميم يجعلني أرى أعمالي الفنية بعينيّ مصممة، فأجري التجارب بتركيب أنظمة الألوان والأنسجة المختلفة مع بعضها البعض.

عمل فني للفنانة الكويتية دانة الراشد بعنوان «التزلج الأخير». يُعرض العمل الفني حاليًا في معرض «عمارة الذاكرة». الصورة: دانة الراشد.

أخبرينا عن معرضك الفردي «عمارة الذاكرة»؛ ما الذي ألهمك لابتكار هذه الأعمال الفنية، وكم استغرقك ذلك من الوقت؟

دانة الراشد: منذ عدة سنوات، شجعنا محاضر في الجامعة على تخيل ما ستبدو عليه معالم الكويت إذا رُسمت على نسق المنمنمات، وكيف أنها ستكون -للأسف- عبارة عن سيارات وأسفلت ومباني في حالة يرثى لها والقليل جدًا من الأشجار، أظن أن بذرةً ما زُرعت في عقلي وقتها، ولكنها ظلت خاملة لفترة طويلة، ثم جاء الهدم السريع والممنهج للتراث المعماري المعاصر ليُحيي هذا التصور في عقلي من جديد، وحينها علمت أنه عليّ أن أفعل شيئًا ما حيال هذه القضية.

استغرقتني كل قطعة فنية، على أقل تقدير، عشرين ساعة كاملة أو نحو ذلك، بل استغرقني الأمر أحيانا أكثر من ذلك بكثير (نحو ستين ساعة تقريبًا). كنت أنتج ما بين اللوحة والثلاث لوحات شهريًا، بناءً على مستوى اللوحة من التعقيد، فأنا أحب التأني في رسم كل منهم وعدم استعجال الأمور.

اشرحي لنا عنوان المعرض.

دانة الراشد: إنَّ الذاكرة هي أحد الجوانب المهمة للهوية والثقافة. وكلما تعامل المجتمع ككل مع الأبنية والآثار، وارتبط بها وتفاعل معها، يؤدي ذلك إلى خلق حوار بين الإنسان والبيئة المبنية من حوله؛ وهكذا، تصبح الذكريات المعمارية جزءًا أساسيًا من هوية الدولة. وبالتالي، فإنَّ الهدم الممنهج للأبنية خطير للغاية، فهو يؤدي شيئًا فشيئًا إلى تآكل الذاكرة الجماعية والإحساس بالهوية والانتماء، علاوةً على أنَّه يدمر القيم التي ترمز إليها تلك الآثار لصالح تحقيق مكاسب مادية

وقد استفاضت مواد نظرية العمارة وفلسفة العمارة في مناقشة موضوع ذاكرة الأماكن وروحها. ومن الصعب صياغة بعض الأفكار صياغة تعبر عنها تعبيرًا تامًا، فهي لا يمكن إلا أن تُحس، لذا سأبذل أقصى جهدي لشرح هذه المفاهيم: من منظور روحاني، يقال إن المباني تجمع وتحتفظ بـ«بصمة» طاقة كل من يسكنها أو يتحرك بين أفضيتها وزواياها وشقوقها، ورغم أننا لا نستطيع أن نفسر هذه الظاهرة «علميًا»، فإن الكثيرين منا يشعرون بها بالفعل، فمن المذهل كيف يستطيع الإنسان استحضار كم مهول الذكريات بمجرد زيارة أحد المباني القديمة التي يحب.

صفي لنا الأسلوب الفني الذي اتبعتِه في هذا المعرض، الذي يوصف بفن المنمنمات الحديث. لماذا قررتِ استخدامه هو بالذات رغم إتقانكِ للكثير من الأساليب الفنية؟

دانة الراشد: بدا لي أن اختيار هذا الأسلوب التاريخي الذي من شأنه شحذ الذاكرة وتعزيز حس الهوية هو المنطق بعينه. لكن للصدق، كان الأمر أقل تعقيدًا من ذلك؛ أنا ببساطة اتّبعت حدسي أثناء الرسم.

كما أنني رسمت هذه السلسلة بشكل إلكتروني صِرف، فاستخدمت تابلت واكوم (Wacom) وبرنامج الفوتوشوب و-لدهشة الجميع- برنامج Microsoft Paint!

عمل فني للفنانة الكويتية دانة الراشد بعنوان «الكويت والسويد: عوالم موازية». يُعرض العمل الفني حاليًا في معرض «عمارة الذاكرة». الصورة: دانة الراشد.

كل أعمالك الفنية رسمتيها بشكل رقمي؛ أخبرينا عن رحلتك مع الفن الرقمي.

دانة الراشد: أحب أن أنتهز الفرصة هنا لمناقشة «وصمة» الفن الرقمي. للأسف، يخيب أمل الكثيرين حين يكتشفون أني أرسم أعمالي رقميًا؛ على ما يبدو، هم يظنون أن الفن الرقمي يعني أن يرسم الكمبيوتر بالنيابة عنك بمجرد أن تضغط زرًا (كأداة دلو الطلاء التي ينفر منها الكثيرون مثلًا)، أو أنها ببساطة طريقة أسرع أو أسهل من الرسم التقليدي. والأمر ليس كذلك إطلاقًا؛ إن الميزة الحقيقية الوحيدة التي يتمتع بها الفن الرقمي عن الفن التقليدي هي -في رأيي- وجود زر «التراجع». وإن كان لابد من وجود فرق، فالفن الإلكتروني يتيح المجال لإظهار التفاصيل بشكل أكبر نظرًا لوجود أداة التكبير وإمكانية استخدام فُرش غاية في الدقة للتحكم في التفاصيل الصغيرة. وعليه، فهو مجرد وسيط آخر، والأمر كله يتوقف على كيفية استخدام المرء له، شأنه في ذلك شأن أي وسيط تقليدي آخر».

ما هو العمل الفني المفضل بالنسبة إليك في المعرض، ولماذا؟

دانة الراشد: أحب جدًا لوحة «التزلج الأخير»، وهي خلفية شاشة الكمبيوتر الخاص بي منذ ما يزيد على العام، تليها في المقام الثاني لوحة «خواطر في هدم الصوابر». أظن أن ما يجعل هاتين اللوحتين عزيزتين جدًا على قلبي هو أنني حين رسمتهما كنت لا أزال في مرحلة تجريب أسلوب المنمنمات، لذا كان ثمة إحساس بالغموض إزاء ما ستبدوان عليه في النهاية. في هاتين الرسمتين، اعتمدت كليًا على حدسي، وتقريبا فقد تركتهما «ترسمان نفسيهما». وكما تعرفين، حين يرسم الفنان بدون «خطة» أو فكرة مسبقة عن النتيجة، تبدأ النتائج السحرية في الظهور.

عمل فني للفنانة الكويتية دانة الراشد بعنوان «أبراج المياه». يُعرض العمل الفني حاليًا في معرض «عمارة الذاكرة».الصورة: دانة الراشد.

ما هي الفكرة التي تودين لرواد المعرض الخروج بها؟

دانة الراشد: أحاول ألا أعظ رواد المعرض حيال ما يجب أن يشعروا به، وأتمنى أن يحظى كل منهم بتجربته الخاصة والفريدة مع اللوحات، لكن إن كان ثمة ما أود أن يدركه الزائر، فسيكون إدراك أهمية التراث الحضاري والذاكرة الحضرية كأجزاء لا تتجزأ من هويتنا. وبالطبع أرجو أن يثير المعرض في نفوس رواده نفس البهجة والمتعة البصرية التي شعرت بها أنا في أثناء صناعة الأعمال الفنية المعروضة فيه.

تفضلوا بزيارة معرض «عمارة الذاكرة» عبر www.khaleejiartmuseum.com. سيكون المعرض الافتراضي متاحًا حتى ٣١ مارس ٢٠٢٢.


إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال ترجم من الإنجليزية.