سلسلة الفن الخليجي

ما هو الفرق بين قراءة كتاب مطبوع والقراءة على جهاز كندل؟

English

بقلم إيمان بن شيبة

الصورة: Shutterstock.

يرتبط تعلقي والتزامي بقراءة كتاب ارتباطًا وثيقًا بهل سأقرأه على كندل (Kindle) أم لا. ففي بعض الأحيان تتراجع أهمية الكتب الموجودة في نسخة مطبوعة فقط، فلا يمكنني أن أحملها معي دومًا في كل مكان، خاصة عندما تكون كتب ثقيلة، لكن عندما تكون على جهاز كندل خاصتي، يمكنني أن احتفظ بالجهاز في حقيبة يدي طوال الوقت، وحتى إذا نسيت، بإمكاني المتابعة على هاتفي بينما انتظر شخص ما أو أقف في صف. لكن هل كنت دومًا متعلقة بجهازي؟ وماذا يمنع الناس من تبني التعلق بجهاز كندل؟

بدأت القراءة على كندل منذ صدور الجيل الثاني من أجهزة كندل في عام ٢٠٠٩. ظننتها ستكون علاقة مستمرة مع الجهاز منذئذ، لكن منذ بضعة أعوام ذكرنني قريبتي بفترة ابتعدت فيها عن كندل، فترة حجبتها عن ذاكرتي.

عندما حصلت على أول جهاز كندل لي في ٢٠٠٩، كانت تلك هي السنوات الأولى للنشر على كندل، لذلك كان سوق الكتب المتاحة على كندل محدود للغاية. كانت الكتب تنشر بنسخ مطبوعة أولًا، ثم قد تتاح على كندل بعد حين، حيث لم يكن لكل ناشري الكتب القدرة على نشر كتبهم على كندل ولا اهتموا لها. كان هذا يعني أن عدد الكتب التي يمكنني قراءتها على كندل لم تساوي عدد الكتب التي يمكنني أن أقرأها في عام، ومع ذلك، كنت مفتونة به.

بعدها بعام، صدر جهاز الآيباد(iPad) في السوق، وكما كان لأي مولع بالقراءة مثلي أن يفعل، اشتريت جهازًا بالطبع. ما زلت أتذكر عندما أعلن الراحل ستيف جوبز عن أبل آيبوك (Apple iBook)، وقال: «سنبني على ما بدأته أمازون وسنصل لأبعد من ذلك». ذُهلت! ثم صدر تطبيق كندل للآيباد، فقلت لا بأس، لم أعد احتاج لجهاز كندل خاصتي بعد الآن، حيث يبدو الآيباد بديلًا مناسبًا. اشتركت في عدد من المجلات على الآيباد، واشتريت بضعة كتب أيضًا. لكن إليكم ما لم انتبه إليه: الفرق الأساسي بين جهاز كندل وجهاز آيباد هو الشاشة. فمن جهة، يملك جهاز كندل بتقنية للشاشة تدعى «إي إنك» (eInk) والتي تجعل الشاشة تشبه صفحة كتاب، رقيقة على العين دون ضوء وتوهج، وأفضل ما فيه هو عدم المعاناة من انعكاس الضوء فيمكنك تعديل السطوع لتتمكن من الرؤية، ما يجعله الرفيق الأفضل على الشاطئ. ومن جهة أخرى، يعني استخدام الآيباد قضاء وقت أطول على الشاشة، وبالنسبة لي قضاء وقت أطول على الشاشة يعني المزيد من الصداع وتوهج ضوء الشاشة المزعج في عينيّ. وتدريجيًا بمرور الوقت، استمر الوقت الذي أقضيه على الآيباد في التناقص لأنها كانت تجربة مزعجة. وعدت في النهاية إلى الكتب المطبوعة عودة نهائية.

اعتدت أن أجيب من يسألني بعدها عن الكتب الرقمية أو كندل بقولي: «لقد جربته، لكنه لم يناسبني». كان الخط الفاصل بين تجربتي كندل وآيباد ضبابيًا بالنسبة لي، فبين مجموعة الكتب الناقصة التي تباع على كندل حينئذ، وحقيقة أنني اضطررت لاستخدام عنواني البريدي في الولايات المتحدة للوصول إلى السوق الواسع (وهو أسلوب التفاف فني أدركته مبكرًا لقرصة أفضل للوصول إلى كتب أكثر مما كان متاحًا في سوق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المحدود)، وتأثير التوهج المزعج لشاشة الآيباد، آل بي الأمر مصنفًا لتجربة القراءة الرقمية تصنيفًا واحدًا، وأقلعت عنها تمامًا.

حتى عام ٢٠١٥- خلال حديث عارض مع قريبتي- عندما أرتني جهاز كندل خاصتها التي أحبته، واستمتعت بالتغيير الذي حدث فيه والمجموعة الكبيرة من الكتب الموجودة عليه، لدرجة أنني اهتممت بتجربة القراءة الرقمية مرة أخرى. واكتشفت ببعض البحث حينئذ أن أي كتاب منشور جديد يكاد أن يصدر دومًا مطبوعًا وعلى كندل معًا، ما يعني أنني لم أعد تحت رحمة الناشر ليصدره على كندل. وكانت إعادة تذكيري بكيف كانت شاشة إي إنك لجهاز كندل لطيفة على العينين ولا تسبب الصداع مصدر طمأنينة لي.

قد يعجبك أيضًا:

لذلك، قررت أن أجرب تجربة جهاز كندل مرة ثانية، وكانت تلك بداية عالم جديد لم أدري عنه شيئًا. انتقلت من وتيرة قراءة ١٢ كتابًا في السنة إلى وتيرة قراءة ٤٠ أو ٥٠ كتابًا في السنة. كنت أنهي كتابًا، واشتري على الفور الكتاب التالي (الذي قد لا يكون متاحًا في مكتباتنا بعد أو لن يتاح قط) مقابل جزء بسيط من السعر الذي كنت لأدفعه مقابل الكتاب المطبوع، كل هذا وأنا مرتاحة في سريري. كنت أتمكن من القراءة لساعات وساعات على جهاز كندل خاصتي بدون التسبب في أي صداع، بفضل تقنية شاشة كندل المريحة. تتسع حقيبة يدي للجهاز النحيف أينما ذهبت، وشكرتني حقيبة سفري، حيث اتسعت أخيرًا لمزيد من الملابس لرحلاتي دون تحمل الكتب الضخمة. كنت أحزم حقائبي في كل رحلة خائفة أن ينفد مني ما أقرأه. زاد حبي للقراءة وقدرتي عليها زيادة مطردة مع كندل في المحاولة الثانية، وهو ما لم أكن لأتخيله في تجربتي الأولى التي شوهها تأثير شاشة الآيباد وعدم توافر الكتب في السوق حينئذ.

ننتقل سريعًا إلى اليوم، أيما كنت أقرأ فهو على كندل، على الأقل بالنسبة للكتب الإنجليزية التي أقرأها. حتى إذا أغراني جمال الكتاب المطبوع- وأعترف أنه يمكن أن يكون في غاية الجاذبية- فأشرع في قراءة جزء صغير منه من النسخة المطبوعة، ثم أدرك العناء، ويؤول بي الأمر بشراء نسخة أخرى، لكن في هذه المرة على كندل، لأتمكن من قراءتها بشكل أفضل. بل في بعض الأحيان اشتري النسخة المطبوعة لتأثيرها التصويري ولأسباب الزهو، لكنني أدرك جيدًا أن ذلك يرتبط بالحنين إلى الماضي أكثر منه تفضيلًا فعليًا أو أكثر عملية.

تكمن مشكلتي الحقيقية في قراءة الكتب العربية على كندل. هناك عدد محدود من ناشري الكتب الذين حصلوا على إمكانية الوصول لنشر الكتب على كندل وإتاحتها للسوق العالمي، ما تسبب في توافر عدد محدود من الكتب العربية على كندل، وفي العديد من الحالات، تصدر رقميًا بعد صدورها طباعةً بمدة طويلة- إعادة لأحداث تجربتي للمرة الأولى مع كندل. لذا، فعندما يخبرني قراء عرب إنهم يفضلون الكتب المطبوعة أو إنهم كرهوا التجربة الرقمية، وما إلى ذلك، ما أراه هو مزيج من عاملين: توافر محدود للكتب في السوق ممزوج مع خطوط فاصلة ضبابية بين تجربة القراءة على الهاتف الذكي والحاسوب اللوحي وتجربة جهاز تقنية إي إنك (كندل) النقية، ومهما قد أحاول أن أدافع عن كندل، أظن شخصيًا أن هذين هما السببين اللذان يمنعانا لا شعوريًا من تبني تجربة القراءة باللغة العربية. فإن لم يكن لك سوق مناسب يوفر كل الكتب فور نشرها، وإن لم تستثمر في جهاز بتقنية إي إنك الفعلية بدلًا من الفراءة على هاتفك الذكي أو حاسوبك اللوحي، لن تحظى حقًا بالتجربة الغامرة التي ستتعلق بها.

هل أقول إن الكتب الرقمية ستأخذ مكانة الكتب المطبوعة في يوم ما؟ لا. هل أقول إن قارئو الكتب العربية لن يتحولوا إلى قراءة الكتب الرقمية أبدًا؟ لا أيضًا. لكن ما علمته هو أن ما يمنعنا عن شيء ما ليس كرهنا له كما قد يخطر لنا، لكن ربما السبب هو عدم تجربتنا لميزتها الكاملة، وخاصةً عدم تمكننا من الاستمتاع بالميزة الكاملة لوجود أعمالنا العظيمة في الأدب العربي في صيغة رقمية.


أسست إيمان بن شيبة مجلة سيل (Sail Magazine) في ٢٠١٠ و دار نشر سيل (Sail Publishing) في ٢٠١٤. تشغل حاليًا منصب نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الناشرين الإماراتيين. حصلت إيمان على جائزة رواد الأعمال الناشرين الرقميين الشباب من الإمارات العربية المتحدة من قبل المجلس الثقافي البريطاني، وحصلت على جائزة رواد الأعمال الشباب من مجلة ستارت أب بزنس (Startup Businesses) ، وحصلت على جائزة المرأة العربية في الأدب. أكملت إيمان أيضًا دورة نشر المجلات في جامعة ييل وكانت زميلة لزمالة روزالين كارتر للصحافة في الصحة العقلية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال ترجم من الإنجليزية.