ثقافة وفن

كيف يستعرض عمل إسراء البلوشي ودومينيكا جيزيوسكا هشاشة واقعنا

يتناول العمل الفني القائم على تكنولوجيا الواقع المعزز مسألة ما وراء عوالم الحدود المادية.

English

بقلم فريق سكة

المصورة والفنانة العُمانية الشابة إسراء البلوشي. الصورة: إسراء البلوشي.

منذ ما يزيد على العام وجائحة كورونا تعيق إقامة الفاعليات والتجارب الفنية والثقافية. وعليه، فقد لجأ الكثير من الفنانين والمؤسسات إلى الفضاءات الافتراضية لإقامة الفعاليات الإلكترونية والافتراضية. كما ساعدت برامج الإقامة الفنية الافتراضية على الوصل بين الفنانين لكي يُضفوا شيئًا من الجمال على أيام تبدو رمادية.

الحياة في عالم يحاول مقاومة جائحة كهذه يمكنها أن تؤدي بالكثيرين إلى التشكيك في واقعهم؛ واقع يعيش فيه أكثرنا في فلك رقميّ، نتواصل فيه مع عائلاتنا وأصدقائنا عبر الشاشات لكي نحافظ على مسافة آمنة. 

«تشريح الإدراك الفكري» (Anatomy of Perception) هو أحدث الأعمال الفنية التي أبدعتها الفنانة العُمانية إسراء البلوشي بالاشتراك مع الفنانة البولندية دومينيكا جيزيوسكا، وهو عمل فني قائم على تكنولوجيا الواقع المعزز، يستعرض هشاشة واقعنا ويتيح لنا -في عالم حُرم من الاستمتاع بالتجارب الفنية على أرض الواقع- استعراض الفن بضغطة زر.

هذا العمل الفني، الذي هو أحد ثمار برنامج الإقامة الفنية الافتراضي الذي تتشارك في تنظيمه «إكزيت إيلفن برفورمنج آرتز» ( Exit 11 Performing Arts) و«مجلة بوستكريبت» (Postscript Magazine)، يظهر فيه تكامل مهارات الفنانتين؛ إسراء بخلفيتها في التصوير المفاهيمي الذي عادة ما تستكشف من خلاله عوامل الثقافة والهوية العُمانية، ودومينيكا بخلفيتها في التصميم ثلاثي الأبعاد واهتمامها بالواقع الذاتي والواقع البديل.

استخدام الفنانتين لعدة برامج منها Tilt Brush by Google، وGravity Sketch، وAdobe Dimension، وAdobe Aero، نتج عنه عمل فني متعدد الطبقات والأبعاد والألوان؛ عمل يتيح للمشاهد حرية الاقتراب من كل عنصر مستقل على حدة، ورؤية كل تفاصيله عن قُرب. 

ببنيته المُجرّدة دوامية الشكل التي تشبه ضربات فُرَش الرسم، يتكون العمل الفني من ثلاثة أجزاء: المركز وهو أكثرهم تعقيدًا بصريا وتعددًا في الألوان، والدائرة الداخلية بألوانها الزاهية وعناصرها الأكثر تشابكًا، والدائرة الخارجية وفيها ألوان أكثر نعومة وعناصر هي الأقل تعقيدًا.

تتضافر كل هذه الطبقات، وتتباين لوحة الألوان المنتقاة لكل منها بين التدرجات الشفافة لدرجات الزهري والبنفسجي والأزرق، بحيث تبرز مفهوم الانسيابية، وتظهر الفكرة المُرهَفة لما يمكن أن تراه وتشعر به إن شاهدت حلمًا في العالم الواقعي. 

ما يميز هذا العمل الفني تحديدا هو أنه يتيح للمشاهدين استعراضه من أي مكان في العالم عبر هواتفهم، سواء كان ذلك عبر منصة Adobe Aero أو عبر فلتر على تطبيق إنستقرام  يمكن إضافته لأي صورة كطبقة إضافية، فيستطيع المستخدم أن يدمجه في أي صورة يريد، ومن ثم مشاركة هذه الصورة مع متابعيه على صفحته الخاصة. 

نتحاور مع إسراء حول الإلهام وراء «تشريح الإدراك الفكري»، وحول التصوير المفاهيمي، والتحديات التي تواجهها هي وزملاؤها من المصورين المفاهيميين في عُمان وفي المنطقة ككل.

«تشريح الإدراك الفكري» من عمل إسراء البلوشي ودومينيكا جيزيوسكا. الصور: إسراء البلوشي.

أخبرينا المزيد عن «تشريح الإدراك الفكري».

إسراء البلوشي: ساهمت الصور في إظهار العمل الفني في مساحة إبداعية ومفتوحة. وكان الهدف منها هو تقديم العمل بحجمه الحقيقي من خلال إبراز كل عناصره وطبقاته وتدرجاته وتفاصيله المتشابكة، وبالتالي إضفاء منظور يتيح للمشاهدين فرصة رؤية المشهد كاملًا وتكوين فكرة عن تناسبه. 

العمل يستعرض هشاشة الواقع من خلال خلق مفارقة أن تخوض تجربة مادية عبر كيان غير مادي؛ هو يبحث مسألة ما وراء عوالم الحدود المادية، وغايته الكلية هي حثك على أن تكون حاضرًا في المكان، حتى وإن لم يكن للعمل وجودًا ماديًا فيه.

قد يعجبك أيضًا:

كيف بدأ التعاون بينك وبين دومينيكا جيزيوسكا، ولماذا اخترتِ التعاون معها؟

إسراء البلوشي: اختارنا منسق البرنامج للعمل معًا. كانت بداية تعارفنا عبر الإيميل، ثم التقينا رسميًا في أول جلسة إلكترونية للفريق؛ فيها قدمنا أنفسنا وتعرفنا على الفنانين الآخرين، الذين قُسموا إلى فريق ثنائي بعد اختيارهم للمشاركة في البرنامج. 

كانت عملية التقسيم إلى فرق سريعة نسبيًا، وكان المطلوب من كل ثنائي أن يتعاون في طرح فكرة ما ثم تنفيذها، فكنا قبل كل جلسة للفريق نشحذ عقولنا لنتوصل إلى بضعة أفكار نجمع فيها بين مفهوم الأحلام والعوالم البديلة.

كان تعاونًا عابرًا للقارات بالمعنى الحرفي للكلمة، وقد أثار فضول كلتانا لنُتِمًّه ونرى شكله النهائي.

الحقيقة أن مصطلح «متعدد الثقافات» يعني التعرف على الاختلافات والتناقضات، لكننا في عملنا معًا وجدنا الكثير من التشابهات والنقاط المشتركة بيننا، ولأن لكل منا خلفية مختلفة كليًا عن الأخرى، تحمسنا جدا لرؤية السلاسة التامة التي تطور بها المشروع. استخلصت كل منا قناعتها الشخصية حول ما يعنيه مفهوم الواقع بالنسبة إليها، وقد ساعدنا ذلك على بناء وتطوير التصور الكلي للمشروع. 

الفنانة البولندية دومينيكا جيزيوسكا. الصورة: إسراء البلوشي.

العديد من أعمالك الفنية لها طابع الفن المفاهيمي؛ هل تظنين أن المصورين المفاهيميين يواجهون تحديات في عُمان، أو -على نطاق أوسع- في منطقة الخليج العربي؟ 

إسراء البلوشي: أظن أن الكثير من المصورين الصاعدين في المنطقة يقعون فريسة الترجمة الحرفية لماهية التصوير المفاهيمي. التحدي هنا هو إيجاد توازن يحدث صدىً في نفسك أنت ثم البناء عليه. يمكن للتصوير المفاهيمي أن يكون بالصعوبة أو السهولة التي تريد؛ كل ما تحتاجه -في الغالب الأعم- هو أن ترجع خطوةً للخلف وأن تتذكر أنه لا يتحتم عليك إنتاج عمل بيّن وواضح، فكلما كان معنى العمل خفيًا، زاد انجذاب المشاهدين إليه.

كما أنه يوجد تصور خاطئ بأن المتلقي لا بد أن يجد في الفنون المرئية ما يتعلق أو يرتبط به، لكن هذا ليس صحيحًا أبدًا؛ أنا أومن أنك حين تبني سردية تؤمن أنت بها، فإنها تجد تقديرًا صادقًا من الناس؛ ثمّة خيط رفيع للغاية بين إملاء شعور معين على الناس واستثارة فنك لذلك الشعور فيهم، وهو ما يريده الجميع؛ الشعور بأنك تَفهم وتُفهم دون أن تقول الكثير.

إن مُرادي -وأظنه أيضًا مراد العديد من المصورين المفاهيميين بالمنطقة- هو أن ينغمر المشاهد في فني بقْدرٍ يسمح له بمساحةً كافيةً لتأويلاته الخاصة. 

ما هي بعض الموضوعات التي تودين التطرق إليها في عملك؟ 

إسراء البلوشي: تُبنى الكثير من أعمالي على تراكيب بسيطة، ولكنها -في المقابل- غالبا ما تتناول أفكار معقدة. في الأساس، أنا أومن أن المفاهيمية تستلزم وجود نهج وانضباط، وهنا يأتي دور الكتابة في عملي، فمن خلالها أتأمل الأيديولوجيات وطرق العرض قبل أن أمد يدي للامساك بالكاميرا.

والنهج الذي اعتمده دائما هو أن أطرح سؤال «متى كانت آخر مرة توفقت فيها لتنظر حولك؟»، وهذا هو -تحديدًا- أساس تصويري؛ دائما ما أصر على قول إنني ما زلت أجرب واستكشف واكتشف، لهذا لم يكن لتصويري علاقة قط بأي نوع من الفضول حول أي موضوع، وإنما يتعلق أكثر بما أشعر به وما يحمل وزنًا عندي في لحظة التصوير. أما عن المواضيع التي أود التطرق إليها، فأنا أود أن أحاول فهم مواضيع كالتاريخ والحضارة والروحانية من خلال التصوير، لأنها مراجع شخصية راسخة الجذور بالنسبة إلىّ. 

«تشريح الإدراك الفكري» من عمل إسراء البلوشي ودومينيكا جيزيوسكا. الفيديو: إسراء البلوشي.

أماكن ترشحين أن يستكشفها زملاؤك المصورين في عُمان..

إسراء البلوشي: الأماكن أدناه ما زالت تفتنني رغم مداومتي على زيارتها: 

مطرح: لا تحصر تجوالك هناك في الكورنيش والسوق القديم؛ يمكنك أن ترى في مطرح ما هو أكثر إن دققت النظر قليلًا. 

الطريق المؤدية إلى بندر خيران: ثمّة الكثير لتكتشفه هناك؛ الكثير من الجبال والشواطئ التي يمكنك التوقف عندها. 

الخوير: هي إحدى أقدم المدن في مسقط، وإذا كنت مهتمًا بالعمارة الحديثة، فستجد على جانبيّ شوارعها أجمل المباني.

يمكنك أن تجد الجمال في العديد من الأماكن الأخرى، وأنا آمل أن تأخذ وقتك وتمنح نفسك لحظةً تعيد فيها اكتشاف الأماكن من حولك؛ أنا دائمًا ما تستهويني محاولة إيجاد أوجه التشابه في المكان الواحد أو بين عدة أماكن سبق وزرتها، ويمكنك أن تفعل الشيء ذاته.

للتعرف على إسراء البلوشي عن قرب، تفضلوا بزيارة صفحتها على انستقرام.


إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال ترجم من الإنجليزية.