ثقافة وفن

٥ أشياء يجب أن يكف شِريبو القهوة عن قولها لمن لا يشربها

«أسوق لكم قائمة أعددتها من الملاحظات والأسئلة المزعجة التي تأتينا منكم أنتم يا معشر بني البن».

بقلم جنان الهاملي

الصورة: Shutterstock.

حين كنت صغيرة، قيل لي، كغيري من الأطفال، بأنه سيأتي اليوم الذي ستمر عليك دلة القهوة بفناجيلها يوم العيد لتقف عندك، أما في هذا العمر، فلا فنجال قهوة ولا كوب قهوة سريعة التحضير مسموح لك بشربه. كبرت وأنا أتحرق شوقًا لهذا اليوم الذي سأشرب فيه هذا السائل الذي أعبقت رائحته أرجاء كل مكان أكون فيه، لكن هذا اليوم لم يأتِ ولا يبدو أنه -وأنا في الثلاثين- سيأتي.

فحين وصلت الثانوية، أو «اليوم» الذي سيسمح له بي أن أشرب القهوة -على أن الست الوالدة (مساعدة ناظرة في مدرسة ثانوية حينها) كانت ستفضل أن ينتظر أبناؤها حتى الجامعة- لم أستطع أن أُساق مع الجموع نحو المشروب المحظور. 

وفي الأيام التي أقرر فيها أن أعمل شيئًا لطيفًا لأفراد أسرتي أو أن أقوم بالواجب نحو ضيوفنا فأعمل القهوة العربية، تأتني سهام الأعين من كل مكان بعد أول رشفة، وكأنما قتلت لها قتيلًا، ثم تلحقها التفسيرات لهذا الخطب الجلل: «جنان، عزيزتي، القهوة مزاج، ولأنك لا تشربين القهوة فأنت لا تملكينه!». هذا المزاج الذي لم يبرح شريبو القهوة عن وصف فعائله بهم لم يكن له عندي إلا أسوء سمعة، فكنت دائمًا أقول في نفسي: أنا في غنىً عن هذا المزاج الذي لم يدفع بصاحبه أن يعمل المشروب السحري الذي كان ينتظره بشغف!

بعد أن أتممت العقد الثالث لي على هذا الأرض، أستطيع أن أقول وبكل ثقة بأن المزاج وغيره من أسئلة وتعليقات هو مما يجب أن يتوقف معشر شريبو القهوة عن قولها لي ولغيري ممن امتنع عن شرب القهوة لأسباب أو دون أسباب. ولهذا أسوق لكم قائمة أعددتها من الملاحظات والأسئلة المزعجة التي تأتينا منكم أنتم يا معشر بني البن، اعتدنا سماعها من قِبلكم، أسردها لكم حتى تمتنعوا عن قولها حين تجلسون مرة أخرى وبيدكم كوب قهوة مقابل شخص يرفض أن يشرب مثله:

١. «كيف تمكنتم من النجاة طوال هذه السنين دونها؟»

الأحق أن يقال لكم: كيف تمكنتم من النجاة طوال هذه السنين وأنتم تشربونها؟ لم يمت أحد جراء عدم شربه للقهوة، لكن شربها كان قد تسبب في وفاة شخص واحد على الأقل، وتعثر صحة كثيرٍ من شاربيه. وإن كان لزامًا علينا أن نجيب على هذا السؤال الغريب فيمكن أن نجيب بـ: والله نحن بصحة وعافية ولله الحمد، وأنتم كيف هي صحتكم؟ وصحة جهازكم العصبي وعضلة القلب عندكم؟

٢. «كيف تستمعون بالصباح دونها؟»

 سامح الله درويش واقتباساته التي صدعتهم بها رؤوسنا. من قرر فجأة أن الامتناع عن شرب القهوة  يعني تلقائيًا حرمان الشخص من الاستمتاع بالصباح، وكأن أشعة الشمس أول النهار والهدوء الذي يحيط بك هما من الأشياء التي لا يمكن لحواسك الخمس أن تلحظهما دون مخدر من نوع معين!

هل ترون أن سؤالًا كهذا سيستقيم في حضرة شعراء وأدباء الإنسانية ممن تغنوا بصباحات باكرة قبل القرن السابع عشر؟ هل يمكنكم سؤال شيكسبير عن كيفية استلهامه لصورة الصبح الباكر في سوناتته الثلاثة والثلاثين دون شرب كوب قهوة؟

قد يعجبك أيضًا:

٣. «ستكبرون ليأتي اليوم الذي تشربونها به»

 في مقابلة له على برنامج أوبرا وينفري يقول الكاتب رضا أصلان أنه لم يشرب القهوة في حياته حتى ذاقها في سن الرابعة والعشرين ولم تفارق يديه حتى تلك اللحظة. كنت حينها في السادسة والعشرين عامًا وظننت أن الأمل موجود، ولكن بعد أربعة أعوام من ذلك اليوم لا أرى له أثرًا. 

 ٤. «كيف تحسنون مزاجكم وتتحملون البشر طوال اليوم؟» 

إجابة هذا السؤال تطلب بالضرورة إقرارًا منا أن غير هذا هو الشاذ. كتبت رسالتي الماجستير وعملت ودرست طيلة حياتي وأنا أشرب أنواعًا من الشاي. ثم يأتي عليَّ إنسان خُلق في هذا القرن ليقول لي «لا أستطيع أن أبدأ يومي دون كوب قهوة اسبريسو تريبل شوت!». ما الذي فعله بك الانترنت الذي لا يشغل الهواتف الأرضية يا عزيزي؟!

في أثناء بحثي لهذا المقال مرت علي سلسلة رسائل على منتدى موقع برنامج الاعتماد المالي في الولايات المتحدة  الأميركية، بدأ هذه السلسلة شخص سمى نفسه «مدمر العوالم» (Destroyer of Worlds) بقول أنه لا يثق بمن لا يشرب القهوة! ولمَ قد لا يقول من لا يشربون القهوة أنهم لا يثقون بشريبي القهوة؟ أليس من المنطقي ألا أثق بشخص يحتاج أن يشرب كوبًا من محسنات حتى يشغل جهازه العصبي؟ 

فإن طلبت شيئًا من زميلك في المكتب بعد ساعة من ابتداء ساعات العمل، يأتيك رده بقول لك «لم أشرب قهوتي حتى الآن!» كيف هذا؟ يا للهول! لم تشرب قهوتك حتى الآن؟ فلتتوقف الكرة الأرضية عن الدوران! أوقفوا ساعات العالم عن دق عقاربها! فلنأتِ برادار ريك سانتشيز حتى يوقف الزمن ريثما يذهب زميلنا المسكين لشراء قهوته والاستمتاع بها على ألحان فيروز، بينما يلتقط صورة شاعرية قبل توقف الدخان عن الخروج من كوبه الذي نزع غطائه للتو لينشرها على الانستقرام مع عبارة: «القهوة لا تشرب على عجل» (نعم لازالوا يعيشون بيننا!)، بالطبع، فلازال عندنا متسعٌ من الوقت! اشرب قهوتك على أقل من مهلك، صحتين وعافية!

ثم يأتي الحبيب «مدمر العوالم» ليخبرني بأنه لا يثق بي! أليس حريًا بي أن  أبدأ بانعدام الثقة هذا! فأنا التي لا أثق بمن لا تبدأ ساعات العمل عنده إلا بعد أن يسقي جهازه العصبي بمشروب الجوجو! أنا من لا يثق بمن لا يعرف من درويش سوى أول عبارة من إحدى قصائده! أنا من لا يثق بشخص بهذا العمر لم يتحول لسماع أم كلثوم حتى اليوم!

٥. «نحن لا نفهمكم!»

إحساس متبادل صدقًا، مع كل هذه السنين والرمضانات ألم تفكر أن مجرد اعتمادك اليومي على مؤثر عقلي قد يكون من وجهة نظر موضوعية غير مفهوم فعلًا؟ هذا ما يدور في بالي حين أسمع وأقرأ ما يقوله شريبو القهوة عن أثر سحرها بهم. فمثلًا، أرسل جندي أمريكي من خنادق الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨ رسالة يطمئن فيها أحبابه في موطنه قائلًا:

«أنا سعيد جدًا برغم الجرذان والمطر والطين والجفاف، وصياح المدافع وصراخ القذائف. يتطلب مني [الأمر] دقيقة فقط لأولع مسخن الزيت الصغير وأصنع قليلًا من قهوة جورج واشنطن..كل ليلة أشرب لصحته وسلامته [السيد واشنطن].»

أو من كتب لأهله في ذات الحرب: «مرت علي أوقات كنت سأستبدل فيها روحي … بكوب قهوة ساخن». أقرأ هذه الكلمات وأقول: رجال مساكين، زَّج ساستهم بهم في حرب كارثية لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل، أكثر ما يتطلعون إليه هو شرب كوب قهوة سريعة التحضير، الذي كان مسحوقه بأهمية اللحم والخبز للجنود حينها. ونضوب هذا المسحوق يعني لكثير منهم التعرض للأعراض الانسحابية التي يتعرض لها أي مدمن مؤثرات عقلية أخرى. 

على العموم، مع كامل احترامي لكم، فسآخذ برأي الكاتب الذي أدمن القهوة  حتى أردته قتيلًا: أونوريه دي بلزاك الذي  قال في مستهل وصفه لوصفته الخاصة بتحضير القهوة: «القهوة تجعل من الناس المُملين أكثر مملًا». لذا فأرجوكم، لا تُحملوا هذا المشروب أكبر من طاقته. 

ختامًا، أعزائي معشر «لا يبتدأ يومي حتى أشرب القهوة»، ليس هدفي من هذه القائمة إقناعكم بترك مشروب الجوجو المفضل لديكم، فعلى العكس هذا آخر همومي، لكنني أسردها لكم اليوم لتتحاشوا المرور عليها كجزء مما تظنونه تلطيفًا للجو، خصوصًا وأن منطقها التي تستند عليه أعوج. اعملوا في أنفسكم وفيمن حولكم معروفًا وتحدثوا عن الجو أو عن آخر وسم أضعتم ساعة من وقتكم وأنتم تقرأون تغريداته. 

العفو.


جنان الهاملي كاتبة ومترجمة من الكويت.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.