سلسلة الفن الخليجي

ليلى العمار: ماذا يعني أن تكوني كاتبة خليجية في العالم «الغربي»؟

حوار مع المؤلفة ومحررة سكة الإدارية.

English

بقلم شريفة الهنائي

المؤلفة والكاتبة ليلى العمار. الصورة: دانة زبيد.

هذا المقال جزء من سلسلة الفن الخليجي، التي تسلط الضوء على الفنانين والفنون في منطقة الخليج بشتى أنواعها.

أرادت ليلى العمار منذ طفولتها أن تصبح مؤلفة مشهورة، فتسترجع ذكرياتها قائلة: «بدأ الأمر في سن المراهقة، حيث اعتدت أن أتجول في المكتبات أتطلع إلى الأرفف وأخمن أين سيوضع كتابي. كنت أفكر أنه في الأغلب سيوضع بجوار كتب ربيع علم الدين، وهذا مكان لا بأس به». بعد أن حددت ذلك الهدف، قرأت ليلى كتبًا عن الكتابة الإبداعية، وانضمت إلى مجموعات نقدية على الإنترنت مثل «سكريبليوفايل» (Scribliophile) لتتدرب على كتابة مؤلفاتها في مجال الخيال مع زملائها الكتّاب، وحصلت في النهاية على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة إدنبره. ننتقل إلى الحاضر، فقد أصبحت الكاتبة الشابة واحدة من أبرز مؤلفي الخليج بعد نشر روايتيها «The Pact We Made» و«Silence Is A Sense» في عامي ٢٠١٥ و٢٠٢١ بالترتيب، وقد نالتا الروايتين استحسانًا دوليًا.

تدور أحداث الرواية الأولى في الكويت حول الشخصية الرئيسية: داليا، شابة كويتية تضغط عائلتها المتمسكة بالتقاليد عليها للزواج مع اقتراب عيد ميلادها الثلاثين، بينما كل ما تتوق إليه هو مزيد من الاستقلال وحياة تعيشها كطالبة فن في الولايات المتحدة الأمريكية. وتتبع الرواية الصراع الذي يظهر داخل نورا نتيجة لعيش حياة تختلف عن الحياة التي تتوق إليها اختلافًا كبيرًا، ويحدث كل ذلك بينما تخفي سرًا لطالما أخفته. أما الرواية الثانية التي نشرت في الربيع الماضي، فتحكي حكاية لاجئة سورية مجهولة الاسم تجد نفسها غير قادرة على الكلام في مجتمعها الجديد بعد رحلة مضنية من سوريا إلى المملكة المتحدة. تتّبع الرواية رحلتها في فهم بيئتها الجديدة ومكانها فيها، بينما تكتب باسم مستعار «The Voiceless» أو «بلا صوت» لصالح صحيفة بريطانية.

أتحدث مع المؤلفة التي تدرس حاليًا لنيل درجة الدكتوراه في التداخل بين روايات المرأة العربية ونظرية الصدمة في الأدب، عن مصدر إلهام كتابها الجديد، وما يعني أن تكون كاتبة عربية خليجية في «الغرب»، وتشارك معي آمالها لإستجابة القراء خارج العالم العربي للأدب العربي، وآرائها حول المشهد الأدبي الخليجي.

تم تحرير هذه المقابلة مراعاة للطول والوضوح المناسبين بعد ترجمتها من الإنجليزية.

ما الذي ألهمك بفكرة تأليف روايتك الثانية «Silence Is A Sense» ؟

ليلى العمار: روايتي الثانية هي نتيجة عقد من متابعة أحداث الربيع العربي، والحرب الأهلية في سوريا، وأزمة اللاجئين التي أعقبت ذلك، والصعود المحموم للقومية وكراهية الأجانب في جميع أنحاء العالم. وكما هو الحال في كل كتاباتي، تصبح الرواية مستودعًا للأسئلة التي لا أستطيع فهمها، والقلق والمخاوف اللذين لا يزالان يتسللان إليَّ؛ وكل ذلك تم التركيز عليه من خلال قصة هذه الشابة التي تكافح من أجل التعامل مع عدد لا يحصى من الصدمات التي عانت منها في السنوات التي سبقت السرد الحالي.

كلتا روايتيك تنطويان على عنصر «الفرار»: ففي روايتك الأولى: «The Pact We Made»، تفّر البطلة (داليا) من الكويت في نهاية الرواية، وفي الرواية الثانية:««Silence Is A Sense»، تفرّ البطلة من سوريا. هلا تخبرينا أكثر عن هذا العنصر المشترك، والذي أرى – من وجهة نظري الشخصية، على الأقل – يخفي بين طيّاته نبرة نسوية إلى حد ما.

ليلى العمار: في رأيي أنَّ «الفرار» ليس ملاذًا حصريًا للمرأة، وخصوصًا في عصرنا هذا، الذي يشهد تزايدًا مستمرًا في أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء. ومع ذلك، فأنا أتفهم كيف يمكن الشعور بذلك، ولا سيما في ضوء الصور النمطية المألوفة التي ابتليت بها المرأة في الأدب العربي.

ما يجذبني لفكرة الفرار هو الحرية التي تعد بها؛ ولا أقصد بذلك الحرية بمفهومها اليومي فقط، بمعنى: «هاك! ها هي امرأة عربية/ مسلمة أخرى تفرّ من عنف عائلتها وقمع ثقافتها لها!»، بل أقصد بالحرية لإعادة اكتشاف الذات، وإعادة تكوين الشخصية، هذه هي الحرية التي تثير اهتمامي. فهل يوفر الفرار فرصة حقيقية للتغيّر لشخصية أخرى، أو عيش حياة غير متكلفة عن ذي قبل، أو أن نصبح كما كان من الممكن أن نكون؟ نحن كعرب – وخصوصًا كنساء عربيات – مكبّلون بأغلال ذواتنا المجتمعية، ومدينون لهويتنا التي شكلتها العقلية الجماعية عوضًا عن العقلية الفردية: فمنذ الصغر، تتم تربيتنا على أنَّ نعتبر أنفسنا امتدادًا للآخرين، أو جزء من كل؛ فأنا لست ليلي، بل بنت جاسم، بنت العمار. وإذا كنت تريدين المزيد، يمكنني أن أعدده لك: كلنا نستطيع قول أسمائنا بالكامل، حتى الجدّ الخامس أو السادس، كحلقات في سلسلة ثقيلة، تمتد لأجيال طويلة من قبلنا، ولا ينقطع صليلها أبدًا.

كنتيجة لذلك، نادرًا ما تكون أفعالنا فردية؛ بل يتردد صداها ويطال تأثيرها بقية أفراد عائلاتنا. وهذا هو أحد الأشياء الذي تتصارع معها داليا في كتابي الأول، حيث تتناول الرواية الصدمات التي لا يتم الاعتراف بها، والقلق والاستياء اللذين يولدهما الصمت أحيانًا: فلا أحد من خارج أسرتها يعلم ما تعرضت له، وأحد أسباب كبت ذلك هو الخوف من الفضيحة التي ستعقب ذلك، والتي ستؤثر على فرص زواج ابنة أختها وأبناء عمومتها، وهي مخاوف تتفهمها داليا إلى حد ما، حتى وإن كانت تسهم بدور كبير في معاناتها.

إنَّ استعداد المرء لتقبل عواقب فعلته على نفسه أمر مفهوم؛ ولكن كيف يمكن للمرء أن يتصالح مع فكرة الحرية الشخصية، في ظل سياق لربما تعود فيه أفعاله بضرر جسيم على أحبائه؟

وبالتالي، حين تفرّ شخصياتي، فهي بذلك لا تفرّ بالضرورة من مجتمع يحتقرنه أو من حياة عائلية صارت لا تُحتمل، بل إنَّ ما تبحث عنه شخصياتي هو طريقة جديدة للتعبير عن الذات، وهوية لا تؤثر فيها قوة جماعية لم تخترنها أو تقبلن بها.

كلتا الروايتين بها مبدأ البطلة التي تخرج عن صمتها، هلا توضحين أكثر حول سبب اهتمامك المستمر بهذه الفكرة الرئيسية.

ليلى العمار: فكرة المرأة التي تخرج عن صمتها هي فكرة متكررة مبتذلة في الأدب الذي يتناول بطلة عربية/ مسلمة، ولكن مع الأسف، هناك ميل إلى تسليط الضوء عليها أكثر من أي شيء آخر في الروايات. وفي كثير من الأحيان، تصبح مجرد حقيقة أنَّها «تخرج عن صمتها» أكثر أهمية من ما هو الذي تبوح به في نهاية المطاف. أمَّا الكتاب الأول، فهو لا يدور حول الإفصاح عن ما تشعر به الشخصية بقدر ما هو استكشاف للتأثيرات السيكولوجية للصدمات النفسية غير المُعترف بها والضرر الذي تولده ثقافة العار والقمع السائدة في مجتمعاتنا.

من الناحية الأخرى، فالبطلة في هذا الكتاب تسخر عمدًا من فكرة «التعبير عن نفسها أخيرًا»، خاصةً وأنَّ الصدمات التي عانت منها – سواءً في سوريا، مع بداية الحرب الأهلية أو خلال رحلتها عبر أوروبا – قد ألجمتها. لكنَّها «تتكلم» عن تجاربها من خلال كتابة المقالات لصالح مجلة عبر الإنترنت، تحت الاسم المستعار «بلا صوت» (في إشارة مرجعية هزلية لتلك الفكرة المتكررة). ومن بين الأشياء التي تكتشفها هي أنَّ المرء ليس بلا صوت أبدًا: إمَّا يكتموا صوتك، أو تكتم صوتك بنفسك.

«مشكلة رواياتنا أنَّها مثقلة بأعباء التصوير، التي هي أساسًا ليست من مسؤوليات الرواية باعتبارها نوع من الكتابة الخيالية».

-ليلى العمار

لقد كتبت في كتابك «People aren’t interested in the truth so much as the narrative» أو «الناس لا تعنيها الحقيقة بقدر ما تعنيها الحكاية». شخصيًا، هل تعتبرين هذه العبارة صحيحة فيما يخص الأدب الذي تناول منطقة الخليج، أو ما يُسمى بـ«منطقة الشرق الأوسط»؟

ليلى العمار: أهم شيء في الروايات هو الحل والترابط المنطقي. وعند الحديث عن الشعوب المُهمشة أو غير المُمثلة بكثافة – مثل شعوب الخليج العربي أو المنطقة الأوسع نطاقًا – تصبح الروايات عندئذ أيضًا إمَّا تجسيدًا وتأكيدًا للصور النمطية، أو إنكارًا ورفضًا لها. وعندها، يصبح أهم شيء في الروايات هو المنظور والحوارات، وخط لتجميع أطر العمل التي يجب على المرء أن يركز عليها.

بينما الحقيقة أكثر فوضوية من ذلك بكثير: فهي تفتقد إلى الترابط المنطقي الذي نتطلع إليه كقرّاء وكأفراد. فضلاً عن أنَّ الحقيقة متناقضة من نواحٍ عديدة: فهي شخصية وموضوعية معًا. ولهذا، فإنَّ ما أردت فعله – خصوصًا في كتابي الجديد – هو أن أطلب من القرّاء التخلي مؤقتًا عن الافتراضات التي كوّنوها عن روايات اللاجئين، أو العرب، أو المسلمين، والتسليم بالحقائق التي تحاول البطلة إيصالها.

أمَّا من حيث المعنى الأوسع للقصة، فأنا آمل أن تكون هذه هي الطريقة التي يتم تلقي الأدب العربي بها – كتعبيرات عن عدة حقائق متناقضة متواجدة في آن واحد، بدلاً من كونها روايات غائية.

رواية ليلى العمار الجديدة. الصورة: بورو للنشر.

كيف تشقين طريقك في مجال الكتابة عن منطقة الخليج والعالم العربي الأوسع نطاقًا دون أن تعززي الروايات المستشرقة أو النمطية التي يتعطش لها البعض، خاصةً وأنَّ كتاباتك باللغة الإنجليزية؟

ليلى العمار: مشكلة رواياتنا أنَّها مثقلة بأعباء التصوير، التي هي أساسًا ليست من مسؤوليات الرواية باعتبارها نوع من الكتابة الخيالية: فإذا كتبنا عن العنف المنزلي أو جرائم القتل الأسرية بحق الإناث، سيشير إليها بعض القرّاء في ما يُسمى «الغرب» قائلين: «انظروا! تلك الثقافات همجية فعلاً كما يُشاع عنها!». ومن الناحية الأخرى، فإنَّ بعض القرّاء من مجتمعاتنا سيقولون: «هذه قضايا داخلية، ولا يجب نشرها علنًا للغرباء الذين سيستغلونها لتعمّد إثارة النزعات العصبية والتحيز ضد المسلمين».

لا أقول إنَّ التصوير ليس مهمًا في الأدب والفنون، بالطبع؛ فهذه مناقشات مهمة لابد منها. ولكن، من غير المنطقي أن نتوقع من الروايات أن تجيب عن كل ذلك أو تكون مسؤولةً عنه. فمثلاً، ما من أحد يحلم حتى بتحميل أعمال هيلاري مانتل أو جورج ساندرز بمثل هذا العبء؛ وهذا لأنَّ القرّاء (وبخاصةً القرّاء البيض المنتمين إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، فأولئك هم مَن تميل صناعة النشر في ما يُسمى الغرب إلى التركيز عليهم) لديهم مجموعة لا حصر لها من الكتّاب، وبإمكانهم الاستفادة من كتاباتهم في تكوين «صورة» عن إنجلترا، أو عند التفكير في معنى الحياة الأمريكية.

وهنا تكمن أهمية التنوع والإدماج في النشر، والأفلام، والمسلسلات التلفزيونية؛ إذ إنَّ لهما أثر بالغ في إتاحة التعبير عن كم هائل من التجارب والخبرات، وهذا الكم الهائل هو ما سيقضي على أسطورة «القصة أحادية الطرف»: المرأة المسلمة المصابة دائمًا بصدمات نفسية، أو الرجل العربي العنيف بطبيعته، وغيرها كثير. وهذا شيء لا يمكن تحقيقه من خلال فيلم واحد أو رواية واحدة.

في نهاية المطاف، ما من حيلة بيد الروائي سوى أن يؤلف قصة تبدو له طبيعية وأصلية. نحن لسنا مسؤولين عن الاستجابة الذي ستحظى بها القصة، لأنَّنا – بقبولنا لمثل هذه المسؤولية – نخضع لأهواء غيرنا.

كيف كانت ردود الفعل على كتابيك؟ هل اختلفت باختلاف جنسيات القرّاء؟

ليلى العمار: ليس باختلاف الجنسيات برأيي، بل حسب خلفية القارئ وأفق توقعاته. لا يخفى على أحد أنَّ الجماهير غير ملمة بمنطقتنا، وتاريخها، وثقافاتها، وبالتالي تميل إلى التعامل مع أدبنا كوثائق اثنوجرافية. بعبارة أخرى، هم ينتظرون من الأدب أن يقوم بوظيفة تربوية، بحيث يُعلّم القارئ عن المنطقة وشعوبها، ويتوقعون منه أيضًا أن يؤكد «حقيقة» ضخمة ما (بل وإلى حد ما بديهية) يترقبها القارئ مسبقًا، قبل حتى أن يشرع في القراءة.

صحيح أنَّ هذا الموقف قد بدأ ينحسر إلى حد ما، إلا إنَّه لا يزال قائمًا في بعض الأوساط: ففي الولايات المتحدة خصوصًا، أجد أحيانًا رواية موجهة باعتبارها «لقاءً بين الشرق والغرب»، حتى ولو كان هذا «اللقاء» المزعوم في الكتاب ذاته لا يُذكر، وغير ذي أهمية للبطل أو البطلة. ومع ذلك، هناك إصرار على تأطير تلك الروايات بتلك الطريقة الاستشراقية الانقسامية.

لكن نادرًا ما يتم التطرق إلى هذا الموضوع في الحوارات التي أجريها مع أي أشخاص من المنطقة، أو مَن لديهم معرفة وثيقة بهذه السياقات؛ فالتركيز هنا ينصب على الشخصية الفردية للبطلة، من خلال سبر أغوارها النفسية وهويتها – على سبيل المثال – وتأطير تلك القضايا ضمن الديناميكيات النفسية والاجتماعية الأوسع نطاقًا لمجتمعاتنا، حيث تكون هناك فروق دقيقة أكثر في المناقشات حول الدين، والثقافة، والجنس، والسياسة، وفهمًا أكثر ثراءً لطبيعة الروابط الكامنة وراء تاريخنا المتنوع. ولا يكاد يتم الإتيان على ذكر «الغرب» في هذه الحوارات، حتى في رواية كروايتي الثانية، التي تتناول تجربة لاجئة في إنجلترا.

قد يعجبك أيضًا:

ما الذي يعنيه أن تكوني كاتبة خليجية/ عربية في العالم «الغربي»؟ كيف كانت تجاربك؟ هل اضطررت للتعامل مع أي أفكار مسبقة (أو خاطئة) أو توقعات معينة؟

ليلى العمار: أنا لا أنظر لنفسي بهذه الطريقة، ولم أعتبر نفسي كاتبة «عربية» قط، حتى بدأت الحملة التسويقية لروايتي الأولي قبل نشرها؛ في هذه المرحلة فقط، اضطررت إلى أن أبدأ بالنظر إلى نفسي بهذه الطريقة، بكل ما تحمله من أعباء تجسيدية. بالرغم من ذلك، كانت تجاربي إيجابية، حتى إنَّني أستشعر (من بعض الوسائل الإعلامية) رغبة صادقة في الابتعاد عن الحوارات المتكررة المملة.

ومع ذلك، دعيني أقول إنَّه – في رأيي – من المهم لأي كاتب أن يكون على دراية بطبيعة المناقشة الذي سيدخل فيها: يجب أن يفهم أن رواياته ليست تعبيرًا فرديًا في الحقيقة، بل على العكس تمامًا، هي تشكّل جزءًا من مجال الأدب العربي الهائل والراسخ، فكما قال إدوارد سعيد ذات مرة: «جميع الروايات تنتمي لعائلة واحدة، وأي قارئ للروايات هو قارئ لتلك العائلة المعقدة التي تنتمي لها الروايات جميعًا». الأمر ذاته ينطبق على الكاتب أيضًا؛ فلدينا مسؤولية النظر في عملنا، وكيف يخاطب الأعمال المهمة بذلك الأدب، وما الدور الذي يسهم به العمل في المناقشة الدائرة في هذا الأدب وحوله.

كتابك الأول كان عن بطلة كويتية، وهذا الكتاب هو عن بطلة سورية . كلتاهما عربيتين، بالطبع. هل تعتقدين أنَّ لديك التزامًا – بصفتك مؤلفة عربية تُباع كُتبها عالميًا – بأن تكتبي عن العالم العربي؟ وهل تعتقدين أنَّ المؤلفين الآخرين لديهم الالتزام ذاته نحو منطقتهم أيضًا؟ ولماذا؟

ليلى العمار: هذا سؤال معقد: رأيي أنَّني لا أشعر بأنَّني ملزمة بالكتابة عن العالم العربي، وإن كنت أتفهم شعور الآخرين القوي بأنَّ لديهم واجبًا بالكتابة عن وطنهم، والأزمات التي تحّملوها (ولا يزالوا يتحملونها).

هناك أيضًا حقيقة لا مفر منها، وهي أنَّ دور النشر نادرًا ما تهتم بكاتب من خلفية مُهمّشة لا يكتب عن خلفيته هذه؛ فهم يتوقعون منه أن يتناول تلك القضايا والسياقات، وإن لم يفعل ذلك، سيجازف فعلاً بأن يتم تجاهله – مهما كان موهوبًا.

عن نفسي، أود الاعتقاد بأنَّ المؤلفين – في نهاية المطاف – يكتبون عمَّا يهمهم: عن المخاوف ومصادر القلق التي تتسلل إلى صدورهم وتأبى إلا أن تسكنها؛ حتى إنَّني أواجه صعوبة في تصوَّر أنَّ هناك كاتبًا عربيًا ليس مهتمًا بالأزمات المختلفة (السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وغيرها) التي نخوضها. ولذلك، من المنطقي تمامًا أن تصطبغ الكتابات بتلك الهواجس، بشكل أو بآخر، لا سيما وأنَّ الروايات – بالذات – يمكن أن تكون مجالاً مثاليًا لمعالجة التساؤلات وبث الشكوى.

ما كنت لأقول إنَّ الكتابة تطرد هذه المخاوف (ليس بالنسبة إليّ، على الأقل)، لكنَّها تتيح مساحة لمجابهتها، ولعل ذلك يكون بطرق مثمرة.

«أود بشدة أن أرى الكتّاب (ولا سيما أولئك الذين يكتبون باللغة الإنجليزية منهم) يأخذون حرفتهم على محمل الجد».

-ليلى العمار

كيف كانت تجربتك بكتابة «Silence Is A Sense» مختلفةً عن كتابتك لروايتك الأولى «The Pact We Made»؟

ليلى العمار: لم تكن العملية ذاتها مختلفة إلى هذا الحد: فأنا لا أرسم الخطوط العريضة لرواياتي، وبالتالي فإنَّ نهاية القصة تكون مفاجئة بالنسبة لي بقدر ما هي مفاجئة للقارئ (آمل ذلك على الأقل)، فتستحوذ عليّ الشخصية، بصوتها ووجهة نظرها، وأكتب القصص كما تأتيني، وأحاول ألا أفرض نفسي على سير العملية، أو أن أمليّ إلى أين ستتجه القصة بناءً على فكرة أو رسالة لديّ مسبقًا، أو الأدهى من ذلك، أجندة معينة؛ بل أحب أن تتم العملية بسلاسة وطبيعية، وليس قسرًا.

تستغرق مني كتابة المسودة الأولى عادةً ما بين أربع وسبع شهور تقريبًا، وتكون عملية التنقيح أطول وأصعب، حتى إنَّني قضيت أربع سنوات في تحرير روايتي الأولى. لكنَّ عملية التنقيح كانت أقصر فيروايتي الثانية، فقد كان هناك جدول زمني لنشر الكتاب، في حين أنَّني انتهيت من روايتي الأولى قبل عامين تقريبًا من التعاقد مع دار النشر.

ما هي آمالك للساحة الأدبية في الخليج؟ ما الذي تتمنين رؤيته أكثر (أو أقل)؟

ليلى العمار: آمل أن يحظى بالدعم المؤسسي: من المدارس، والجامعات، والمؤسسات. وأود بشدة أن أرى الفنون يتم التعامل معها بجدية كخيار مهني قابل للتطبيق، مع المزيد من ورشات العمل، والدورات التدريبية، والمساقات، والشهادات للكتابة، والتأليف. وأعتقد أنَّنا بحاجة إلى إقامة المزيد من المسابقات، والمنافسات، والمكتبات، والمهرجانات، لتعزيز الساحة الأدبية ودعمها فعليًا. وآمل أن أرى الأدب المكتوب باللغة الإنجليزية يتم التعامل معه بجدية، تمامًا مثل الأدب المكتوب باللغة العربية؛ إذ إنَّ هناك ميولاً لتهميش الكتابة باللغة الإنجليزية والنظر إليها على أنَّها ليست «عربية صرفة» (مهما كان المقصود بذلك).

كما أود بشدة أن أرى الكتّاب (ولا سيما أولئك الذين يكتبون باللغة الإنجليزية منهم) يأخذون حرفتهم على محمل الجد، ولديهم ثقة كافية بأنفسهم، بحيث يختارون النشر التقليدي، بدلاً من اللجوء إلى النشر الذاتي لمجرد أنَّه سهل وسريع.

برأيك، ما السبب في أنَّنا لا نرى كُتّابًا كُثر مَمن يكتبون باللغة الإنجليزية في منطقة الخليج يحققون شهرة عالمية؟ ما هي بعض العوامل المؤثرة في ذلك؟

ليلى العمار: بالنسبة للكتابة باللغة الإنجليزية، أنا أرى فعلاً كُتّاب كُثر يسعون لنشر كتبهم بأنفسهم، بدلاً من خوض المسار التقليدي. لكن واقع الأمر هو أنَّ النشر الذاتي لن يقود إلى الاعتراف الدولي، ببساطة لأنَّه لا يملك أي آلية تمكّنه من ذلك: فما لم تكن لدى الكاتب منصة كبرى للنشر (كمواقع التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال)، من المستحيل أن يتمكن من الوصول إلى أنواع المنصات المطلوبة لدخول الأسواق الدولية. المسألة ليست مسألة نشر الكتاب على موقع« أمازون» أو بالمكتبات؛ بل يجب أن يكون الكاتب على اتصال بمؤلفين معروفين مستعدين للتعريف بكتابه، ومحررين بالصحف والمجلات راغبين بمراجعة كتابه أو إضافته إلى قوائم الكتب التي يُنصح بقراءتها، ويحتاج أيضًا إلى منظميّ برامج مهرجانات ربما يوجهون له دعوة للظهور ضمن حلقة نقاش، والتحدث عن كتابه. ولكي يحقق أي كاتب هذا النجاح، يجب أن يكون لديه دار نشر تدعمه وتوفر له فريقًا للمبيعات، والتسويق، وناشرين، ومحررين، وهكذا.

اقتحام مجال النشر التقليدي صعب، بكل تأكيد: ففي أغلب الأحيان، يحتاج الكاتب أولاً إلى وكيل أدبي، وأحيانًا قد يستغرق سنوات طويلة في العثور على الوكيل المناسب (أنا نفسي ظللت أستفسر عن وكلاء لسنتين كاملتين، قبل أن أتعاقد مع وكيلي الحالي)، ثم إنَّ الوكيل قد يستغرق شهورًا (بل وحتى سنوات) لكي يبيع الكاتب إلى دار للنشر. ولديّ إحساس بأنَّ الكثير من الكتّاب في الخليج ليس لديهم الصبر الكافي لخوض هذه العملية، وتقبّل الرفض الحتمي الذي تنطوي عليه. فضلاً عن أنَّ النشر التقليدي يعني أن يكون الكاتب منفتحًا لتقبّل النقد وردود الأفعال على كتاباته؛ حيث سيضطر لتنقيح كتابه بالاشتراك مع وكيله والمحرر(ين) قبل النشر. إلى جانب أنَّنا – مع الأسف الشديد – لا نملك ثقافة تنقيح قوية هنا، وبالتالي تكون الكتب المنشورة ذاتيًا أشبه بالمسودات الأولى في أغلب الأحيان. يجب أن يكون الكتَّاب قادرين على فصل غرورهم عن عملهم والتحلي بالتواضع اللازم لتحسينه.

رواية ليلى العمار الأولى. الصور: بورو للنشر.

بماذا تنصحين أي كاتب خليجي واعد يتمنى بأن يصبح مؤلفًا تُباع مؤلفاته عالميًا، مثلك؟

ليلى العمار: إضافةً إلى المثابرة التي لابد منها للعثور على وكيل وعقد صفقة لنشر الأعمال، فإنَّ المسألة تتعلق أيضًا بمدى استثمار الكاتب في حرفته واستمراره في العمل عليها. عن نفسي، منذ زمن بعيد وأنا قارئة نهمة (للأعمال الروائية والأدب الواقعي)، وأنا أؤمن حقًا بأنَّ الأدب أفضل معلم للكتابة من نواحٍ كثيرة، لكنَّ هذا ليس كافيًا دومًا؛ وبالتالي أطالع الكتب التي تتحدث عن حرفة الكتابة، وعن الحبكة القصصية ،وتطور الشخصيات، وأساليب السرد. وكما قلت سابقًا، فقد انضممت إلى مجموعات للنقاد عبر الإنترنت لكي أنظم ورشات عمل حول أعمالي الروائية، وفي نهاية المطاف، عُدت للدراسة لكي أحصل على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية.

أنا أُدرك أنَّ العودة للدراسة للحصول على شهادة جامعية في الكتابة ليست مجدية للجميع، ولا هي ضرورية للحصول على صفقة للنشر. غير أنَّ هناك خيارات أخرى بديلة، كالالتحاق ببرامج الكتابة الصيفية أو المساقات والدورات التدريبية القصيرة في فن الكتابة أو المعتكفات الكتابية. ناهيكِ عن أنَّ هناك العديد من الخيارات المتاحة عبر شبكة الإنترنت أيضًا، ولا سيما في عصرنا – عصر جائحة فيروس كورونا (كوفيد-١٩). فإذا كان الكاتب جادًا في رغبته بأن يصبح مؤلفًا تُنشر اعماله، أنصحه بشدة بأن يبحث عن تلك الدورات التدريبية والمساقات، وأن يلتحق بها.

هلا تذكرين لنا عددًا من كتبك المفضّلة لمؤلفين خليجيين.

ليلى العمار: مجموعة القصص القصيرة بعنوان«الضوءالخفي للأشياء» The Hidden Light of Objectsلمي النقيب عمل روائي رائع؛ يستحضر إحساسًا بالحنين إلى الكويت التي لم يعد لها وجود، والتي يتوق إليها الكثيرون منَّا. فضلاً عن أنَّها تتخذ شكلاً مشوقًا، إذ إنَّها عبارة عن قصص قصيرة مستقلة بذاتها، ولكنها في الوقت ذاته محبوكة معًا بسلسلة من المشاهد القصيرة المرتبطة ببعضها.

أمَّا بالنسبة لمَن يقرؤون بالعربية، فإنَّ «وسمية تخرج من البحر» للكاتبة ليلى العثمان هي قصة جميلة تحكي عن حب محكوم عليه بالفشل، وتدور أحداثها في الكويت، حين تم اكتشاف النفط لأول مرة وكانت الدولة على أعتاب الحداثة. وهي أيضًا مفعمة بالحنين إلى الماضي، حيث إنَّها تعود بالقارئ إلى أزمنة أبسط وأكثر براءةً. وأنا حاليًا أبحث عن دار نشر مستعدة لنشر ترجمتي لهذه الرواية، لأنَّني أراها تستحق أن يكون لها قاعدة أعرض من القرّاء خارج حدود المنطقة.

ما هي خططك للمستقبل؟ إذا كنت تعتزمين العمل على رواية ثالثة، فما هو الموضوع الذي ترغبين بتناوله من خلالها؟

ليلى العمار: تركيزي حاليًا منصب على الدكتوراه: فأنا أحضّر حاليًا لنيل درجة دكتوراه في التداخل بين روايات المرأة العربية ونظرية الصدمة في الأدب، لذا فإنَّ كل طاقتي المخصصة للكتابة مركزة على رسالة الدكتوراه في الوقت الحالي. أنا آمل بنشر المزيد من الروايات بطبيعة الحال، لكن كما قلت لك سابقًا، أنا لا أخطط لها مسبقًا، وبالتالي ليست لدي أدنى فكرة عن الشكل المحتمل لكتابي الثالث؛ كل ما عليّ فعله هو أن أثق أنَّه بمجرد أن يسيطر عليّ صوت ما، ستأتيني القصة بعده مباشرةً.


شريفة الهنائي هي الشريكة المؤسسة لسكة والمحررة الإدارية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال تُرجم من الإنجليزية.