استكشاف

كيف تساهم هذه المبادرة في تسليط الضوء على الأماكن المهجورة في البحرين؟

English

بقلم فريق سكة

سحر باقري، مؤسسة مبادرة «Abandoned Places Bahrain».الصورة: سحر باقري.

منذ الطفولة، وسحر باقري تجذبها الأماكن المهجورة. تخبرنا سحر: «لطالما أثارت حكايات هذه البيوت فضولي، فكلما رأيت بيتًا مهجورًا، تساءلتُ عمن كانوا يعيشون هناك، وماذا حدث لهم، والسبب وراء رحيلهم». وهكذا، عندما كبرت سحر، بدأت باستكشاف الأماكن المهجورة في مسقط رأسها، البحرين، باحثةً عن إجابات تلك الأسئلة التي لطالما راودتها. وقد وصل عدد الأماكن المهجورة التي زارتها سحر في البحرين، حتى يومنا هذا، أربعين مكانًا، من بينها سينما سار وبيت المرحوم عبدالله آل جبر الدوسري (المعروف ببيت العبد الله)، الذي كان سكرتير عظمة أمير البحرين الشيح حمد بن عيسى آل خليفة، بالإضافة إلى العديد من الأماكن المهجورة في قرى البحرين المختلفة.

بعد ذلك، أطلقت سحر مبادرة رقمية سمتها «Abandoned Places Bahrain»، أو «أماكن مهجورة في البحرين»، مشاركةً بها شغفها لاستكشاف الأماكن المهجورة مع الآخرين. «أماكن مهجورة في البحرين» هو حساب صور فوتوغرافية على انستقرام يعرض صورًا للأماكن المنسية والأماكن التاريخية في البحرين، كما يلقي الضوء على الجانب الشخصي من سِيَر مواطني وسكان المملكة الذين سترتبط ذكراهم إلى الأبد بذكرى تلك الأماكن التي سكنوها يومًا.

نتحدث مع سحر حول ما تعنيه لها زيارة الأماكن المهجورة، ونكشف الأسرار التي تنطوي عليها بعض هذه الأماكن، وما تثيره هذه الأسرار من مشاعر لدى سحر، كما نتناقش معها حول الأسباب التي دفعتها لمشاركة شغفها مع الآخرين، وحول أهمية الحفاظ على هذه الأماكن. تم تحرير هذه المقابلة مراعاة للطول والوضوح بعد ترجمتها من الإنجليزية.

متى أطلقتِ هذه المبادرة، وما الذي ألهمكِ لإطلاقها؟

سحر باقري: بدأتُ منذ حوالي العامين والنصف، لكن توثيق المبادرة بدأ مؤخرًا. ما ألهمني بدايةً كان بيتًا مهجورًا في الزلَّاق يسمى بيت العبد الله، الذي كان مِلكًا للراحل عبد الله الجبر الدوسري، والذي أصابه الآن -مع الأسف- الخراب والتدمير. وعلى الرغم من أن البيوت من أمثال بيت العبد الله قد هجرها أهلها وطواها شيء من النسيان، فما زالت تحمل وتحكي سِيَر أولئك الذين سكنوها. ومن العوامل الجوهرية في حساب «أماكن مهجورة في البحرين»، تذكير الناس بأنه يجب احترام وتقدير هذه الأماكن، لا تخريبها، حتى وإن كانت مهجورة، لأنها تمثل جزءًا من ذاكرة البحرين الجماعية.

بيت صغير مهجور في قرية دمستان في البحرين. الصور: سحر باقري.

ما الذي يستهويكِ لاستكشاف هذه الأماكن، وكيف تولد فيكِ هذا الشغف؟

سحر باقري: في صباي، كانت القراءة إحدى سبل الهروب من الواقع بالنسبة إليّ، فدائمًا ما اجتذبتني القصص، وكان أكثر ما يجذبني فيها زمان ومكان وقوعها، فصرت كلما رأيت بيتًا مهجورًا، أثارت حكايته فضولي؛ كنت أتساءل: من يا ترى كان يعيش هنا؟ وما الذي حدث له؟ ولماذا رحل؟ وعلى الرغم من أن استكشاف هذه الأماكن لن يقدم -بالضرورة-الإجابات الكاملة عن هذه الأسئلة، فدائمَا ما ستحكي لك هذه الأماكن قصصا صغيرة، سواء حكاها التصميم المعماري أم حكتها الأشياء التي تركها أهل المكان وراءهم. أنا أطرح هذه الأسئلة وأسجِّل حكايات هذه الأماكن عبر حسابي على انستقرام.

ولأن حسابي حسابٌ عام، فقد تلقيت رسائل من أحد أقارب الراحل عبد الله الجبر الدوسري، بل ومن بعض الذين سكنوا البيوت التي نشرتُ صورها بعد أن صارت مهجورة. حسابي هو محاولة مني لإنشاء أرشيف لهذه الأماكن الجميلة في البحرين، ولدعوة الناس للإضافة إلى هذا الأرشيف بمشاركة حكاياتهم مع هذه الأماكن.

سينما سار فالمهجورة في سار، البحرين. الصورة: سحر باقري.

بِم تشعرين حين تزورين مكانًا مهجورًا؟ وهل يختلف شعورك باختلاف المكان؟

سحر باقري: بالطبع! من المؤكد أن شتى الأماكن المهجورة تثير فضولي، لكني لم أكن أتوقع أن يبعث كل مكان في نفسي شعورًا مختلفًا؛ بعض الأماكن تخلِّف وراءها شيئًا من السعادة، بينما يسيطر على البعض الآخر إحساس طاغٍ بالفقد، أو حتى الألم، فدائمًا ما تبوح تلك الأشياء التي تركها الراحلون، من صور شخصية، وثياب، وملاحظات مكتوبة بخط اليد، بمفردات الفقد.

«من العوامل الجوهرية في حساب «أماكن مهجورة في البحرين»، تذكير الناس بأنه يجب احترام وتقدير هذه الأماكن، لا تخريبها، حتى وإن كانت مهجورة، لأنها تمثل جزءًا من ذاكرة البحرين الجماعية».

ماذا تجدين عادةً في الأماكن المهجورة؟

سحر باقري: كل ما قد يخطر على بالك، بداية بالصور الشخصية، مرورًا بالثياب، والألعاب، والكتب، وانتهاءً بالأثاث. كما أنني عثرت في بعض هذه الأماكن على جرائد تُنْبِئُ بمدة هجرانها. ولكن، عليّ القول إنه من بين الأشياء التي وجدتها، كان الأكثر غرابةً: قناع غاز، وسيارة عتيقة، وسلم عليّة قابل للطيّ.

هل تستمدين الإلهام من مبادرات أو أشخاص معينين؟

سحر باقري: كل بلد لها صفحة توثق الأماكن المهجورة فيها، لذا رأيت أن البحرين تستحق أن يكون لها صفحة أيضًا، لأن لها تاريخ جميل يستحق أن يوثَق.

«أعتقد أن حسابي يروي تاريخًا بحرينيًا مختلفًا عما ترويه كتب التاريخ، بما في ذلك كتب التاريخ التي نقرؤها في المدارس؛ التاريخ الذي أرويه تاريخ يُعنى أكثر بالجانب الشخصي، وأنا أومن أنه، وإن بدا وكأنه تاريخًا جزئيًا، فهو ينشأ علاقة مختلفة بيننا وبين وطننا وأرضنا».

لماذا اخترتِ انستقرام منصةً لمبادرتك؟

سحر باقري: انستقرام منصة مفتوحة تتيح لمواطني البحرين والمقيمين فيها مشاركة وإضافة حكاياتهم الشخصية مع هذه الأماكن. على سبيل المثال، حين شاركت صورًا لبيت في حي الماحوز في إحدى المرات، تواصلت معي عائلتان مختلفتان، وأخبروني أنهم كانوا يعيشون هناك. هذا النوع من المشاركة يتيح بناء ما يشبه الأرشيف لهذه الأماكن، وبهذا يبدأ ما طواه النسيان في العودة إلى ذاكرة الناس.

قد يعجبك أيضًا:

آثار في قرية المالكية في البحرين. الصورة: سحر باقري.

ما هو المكان المفضل/الأكثر جدارة بالذكر من بين الأماكن المهجورة التي زرتها في البحرين؟ ولماذا؟ وما هي قصته؟

سحر باقري: مكاني المفضل حتى الآن هو بيت في قرية شهركان؛ رافقني الجار في المنزل المجاور في جولة فيه وأخبرني أن عمر البيت يزيد عن المئة سنة، وهو مبني على الطراز المعماري البحريني التقليدي، يتوسطه فناءٌ تحيطه أعمدة ضخمة، وله أبواب ونوافذ خشبية نادرًا ما تُرى الآن في أي مكان.

لو كان لأحدهم أن يبدأ استكشاف الأماكن المهجورة في المملكة، بأيّ الأماكن تقترحين أن يبدأ؟

سحر باقري: يتوقف ذلك على غاية الشخص من الاستكشاف، لكني أقترح المنامة والمحرق لما فيهما من مواقع كثيرة ذات طابع تقليدي تستحق أن تُزار.

بعض من أغرب ما وجدته سحر باقري خلال استكشافها للأماكن المهجورة: سيارة من صنع شركة جاقيور، وجريدة تعود لأيام غزو العراق للكويت، وبقايا صور تعود لعامي ١٩٨٧ و١٩٨٨. الصور: سحر باقري.

ما الذي ينبغي أن يؤخذ بالحسبان عند استكشاف هذه الأماكن؟ وإلامَ ينبغي الانتباه إليه؟

سحر باقري: النصيحة التي يمكن أن أوجهها لمن يطمح أن يكون مستكشفًا حضريًا هي أن كل هواية لها عدة قواعد لا بد من اتباعها، لأنها وضعت في الأصل لحماية من يمارسون هذه الهواية. في هواية كهذه، لا بد من تذكر أن هذه المنازل المهجورة مِلكٌ لمملكة البحرين. لذا يمكنك أن تبدأ باستكشاف الأماكن الصغيرة، لكن لا تقتحم الأماكن المغلقة، وعليك تقبُّل حقيقة أن بعض الأماكن لا يُسمح بالدخول إليها. فأغلب المستكشفين الحضريين يتبنون مقولة «لا تأخذ إلا الصور، ولا تترك إلا آثار الأقدام».

أما القواعد الرئيسية للاستكشاف الحضري فهي: ألَّا تعتدي على الملكيات، ولا تقتحمها، ولا تسرق ما فيها، ولا تلقي فيها القاذورات، ولا تخرِّبها…ولأن الناس يميلون إلى اقتراف كل هذه الممنوعات، فالأهم من هذا كله: ألَّا تفصح عن موقعها. فمن المحزن للغاية رؤية ما حدث لبيت العبد الله في الزلاق نتيجة عدم الالتزام بأي من هذه القواعد.

بيت مهجور في قرية شهركان في البحرين. تقول سحر باقري: «مكاني المفضل حتى الآن هو بيت في قرية شهركان؛ رافقني الجار في المنزل المجاور في جولة فيه وأخبرني أن عمر البيت يزيد عن المئة سنة، وهو مبني على الطراز المعماري البحريني التقليدي، يتوسطه فناءٌ تحيطه أعمدة ضخمة، وله أبواب ونوافذ خشبية نادرًا ما تُرى الآن في أي مكان». الصور: سحر باقري.

ما الأماكن التي تطمحين لاستكشافها في المستقبل؟ ولماذا؟

سحر باقري: أود حقًا استكشاف بيوت دمستان عندما يصبح الطقس أكثر برودة، فهي إحدى أقدم القرى الساحلية في البحرين، وأرى أن الكثيرين يغفلون عنها.

بيت العبدالله المهجور الذي يقع في منطقة الزلاق في البحرين. الصور: سحر باقري.

ما هي خططك المستقبلية لهذه المبادرة؟

سحر باقري: أعتقد أن حسابي يروي تاريخًا بحرينيًا مختلفًا عما ترويه كتب التاريخ، بما في ذلك كتب التاريخ التي نقرؤها في المدارس؛ التاريخ الذي أرويه تاريخ يُعنى أكثر بالجانب الشخصي، وأنا أومن أنه، وإن بدا وكأنه تاريخًا جزئيًا، فهو ينشأ علاقة مختلفة بيننا وبين وطننا وأرضنا. لا أعلم المسار الذي ستتخذه المبادرة مستقبلًا، لكن جل تركيزي في الوقت الحالي ينصب على تجميع وتسجيل عددًا أكبر من القصص من خلال استكشافاتي الشخصية، ومن خلال الاستماع إلى حكايات الآخرين حول هذه الأماكن. وكما ذكرت آنفًا، فأحد العوامل الكبرى لمشروعي هو زيادة الوعي بضرورة عدم تخريب هذه الأماكن لأنها جزء مهم من الذاكرة الجماعية للبحرين.

للمزيد من المعلومات عن «Abandoned Places Bahrain»، تفضلوا بزيارة صفحتهم على انستقرام.


إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال تُرجم من الإنجليزية.