ثقافة وفن

في حُب الشِعر: الأمسيات الافتراضية ودورها في لم شمل المجتمعات

لعل أكثر ما يميز المجموعات الشعرية في دولة الإمارات العربية المتحدة هو أنَّها تشجعّ أعضاء المجتمع على التجمّع سويًا من أجل الاحتفاء بالشعر، وتوفر مساحة آمنة للكلمة المنطوقة – الشعر والتعبير عن الذات.

English

بقلم إيمان طاهر

أمسية شعرية لمجموعة «بلانك سبيس» ما قبل أزمة كوفيد-١٩ . الصورة: ماركيور جيونزن.

لطالما كان الشعر من صميم الثقافة العربية، ولطالما كانت المجموعات الشعرية في دولة الإمارات العربية المتحدة تحتفي بالشعر وتشجّع على التعبير عن الذات. وبمرور الأعوام، ظهرت مجموعات شعرية ناشئة، ساعدت في توفير منصة للشعراء الصاعدين والمواهب المحلية، سمحت لهم بالتعبير عن قصصهم، وفي الوقت ذاته جمعت الناس سويًا، في حُب الشعر.

في الماضي، شكلت الأمسيات الشعرية وسيلة رائعة سمحت للشباب الإماراتي بالتواصل والالتقاء سويًا لمشاركة أعمالهم مع الآخرين، وكثيرًا ما كانت تُعقد في المقاهي والمساحات المجتمعية. كان الناس يترقبون هذه الفعاليات بفارغ الصبر؛ فقد كانت تعجّ بالحياة، والضحك، والحماس، وكانت الجماهير تنصت بإمعان لشعراء تلك الأمسية، وكان الشباب يستمتعون بأجوائها وبقصائدها، ويتخذونها مكانًا للالتقاء بأصدقائهم.

لكن، وبسبب جائحة فيروس كورونا (كوفيد-١٩)، انتقلت هذه الأمسيات إلى شبكة الإنترنت، واستمرت في تلبية احتياجات المجتمع، حيث وفرت لهم مساحة آمنة للالتقاء سويًا والاتحاد معًا عبر الكلمة المنطوقة والشعر. وفي ظل الحدّ من الفعاليات الاجتماعية والتجمّعات المجتمعية، بدأت هذه الأمسيات تجد طريقة جديدة للتواصل مع أعضاء المجتمع، من خلال إقامة الفعاليات الافتراضية التي تستضيفها منصات على غرار منصة «زووم».

كون الفعاليات الافتراضية قد بدأت تحلّ محل الفعاليات الشخصية قد دفعني إلى التساؤل عن التغيير الذي أصاب فعاليات الشعر المنطوق بعد انتقالها إلى شبكة الإنترنت، وما إذا كان للأمسيات الشعرية الافتراضية تأثير كبير في بثّ روح الأمل في ظل هذه الأوقات المضطربة. ولذلك، تحدثت مع مؤسسيّ مجموعتين شعريتين في الدولة– مثاني محمد من «بلانك سبيس» ودوريان روجرز من «روف توب ريثمز» – حول أهمية فعاليات الشعر المنطوق، وناقشنا معًا التحديات والصعوبات التي واجهتهما خلال الجائحة، والطرق التي استطاعا بها بثّ روح الأمل التي نحن بحاجة ماسّة إليها في ظل هذا الوقت العصيب.

ثقافة قائمة على الشِعر

أمسية شعرية افتراضية لمجموعة «بلانك سبيس».

إنَّ نوادي الشعر – مثل «بلانك سبيس» و«روف توب ريثمز» – هي خير مثال على المجموعات الشعرية المجتمعية التي تحتفي بالقصص والقصائد الشعرية، والكلمة المنطوقة بوجه عام. بدأ «بلانك سبيس» أمسياته الشعرية للمرة الأولى عام ٢٠١٥، بعد أن استلهم محمد حكم – المؤسس المشارك – فكرته من الجماعات الشعرية الموجودة في أبو ظبي.

أمَّا «روف توب ريثمز»، فقد تأسس في أبو ظبي على يد دوريان روجرز عام ٢٠١٢، بغرض مشابه، وهو جمع الناس سويًا في حُب الشعر والكلمة المنطوقة. قال دوريان مفسّرًا: «لقد أسست أمسية «روف توب ريثمز» الشعرية المفتوحة في مارس من عام ٢٠١٢، من منطلق إحساسي بوجود فرصة سانحة لجلب فعالية شعرية شبابية معاصرة إلى أبو ظبي».

دوريان روجرز شاعر استعراضي ومدرّس من الولايات الأمريكية المتحدة، وعندما انتقل للعيش في الإمارات بحث عن مساحات ثقافية تسمح له مشاركة أشعاره مع الآخرين. وبعدما أدرك أنَّ الشعر جزء من ثقافة دولة الإمارات العربية المتحدة أيضًا، سارع بتحقيق حلمه بإنشاء فعالية شعرية مفتوحة، يتجمع الناس فيها سويًا للاختلاط في ظل محيط إيجابي. فيحكي دوريان شارحًا: «لقد صُدمت حين قمت بتشغيل التلفاز في أول يوم من انتقالي إلى هنا، لأجد قنوات مخصصة للشعر العربي حصريًا. ولمَّا رأيت أنَّ هناك شغف شديد بالشعر، شجعني ذلك، حتى لو لم يكن أكثر الناس يعلمون الكثير عن الشعر الاستعراضي المعاصر في ذلك الوقت».

دورين روجرز . الصورة: ماركيور جيونزن.

وبمرور الوقت، نمت مبادرته أكثر وأكثر، حيث يحكي لي أنَّه: «في عام ٢٠١٥، عقدنا شراكة مع مركز الفنون في جامعة نيويورك أبوظبي – ذي الشهرة الواسعة عالميًا – والذي وفر لنا مقرًا دائمًا، وقدم لنا دعمًا عالمي المستوى للإنتاج، وأكثر من ذلك بكثير. وقد كان الدعم الرسمي الذي تلقيناه من الجالية الأمريكية بدولة الإمارات العربية المتحدة، والذي بدأ أيضًا عام ٢٠١٥، دورًا بالغ الأهمية في النجاح الذي حققناه».

التشجيع على دعم المجتمع

مثاني محمد. الصورة: مثاني محمد.

قديمًا، كانت المجموعات الشعرية تزدهر بفضل الأمسيات الشعرية، التي كانت تشجع الناس من جميع الخلفيات على مشاركة مواهبهم على خشبة المسرح. إلا أنَّه عقب عمليات الإغلاق، سعت المجموعات الشعرية إلى إيجاد طريقة افتراضية لتحقيق التآلف بين أعضاء المجتمع. قالت مثاني شارحةً: «لم تنتقل الأمسيات الشعرية إلى الفضاء الافتراضي إلا بعد أن صار من العسير على الناس الخروج من منازلهم بسبب عمليات الإغلاق؛ مما أصاب العديدين بشعور من الفراغ والعُزلة بسبب عدم تمكنهم من الاختلاط بالناس».

وأوضحت مثاني كيف أنَّ الفعاليات الشعرية الافتراضية وفرت العزاء والشعور بالانتماء للمجتمع للناس في أوقات الحاجة، فقالت: «بعد أن صار من العسير على الناس الخروج من منازلهم من جراء عمليات الإغلاق، انتاب العديدين شعور بالفراغ، والوحدة، والانغلاق على الذات، فجاءت الأمسيات الشعرية الافتراضية لتسّهل على الناس الاختلاط ببعضهم كلما شعروا بالعُزلة: حيث صار بإمكانهم التحدث مع الناس، ناهيك عن مشاركة أشعارهم عبر الإنترنت».

الانتقال إلى استضافة الأمسيات عبر شبكة الإنترنت كانت له أيضًا بعض المزايا الإضافية: فبعض الناس صار أكثر ثقةً في عمله – حسبما أخبرتني مثاني – بعد أن مكنّتهم الأمسيات الشعرية من مشاركة أعمالهم دون الحاجة إلى إلقائها أمام الجمهور مباشرةً. فضلاً عن أنَّ البعض أعُجب بكون الأمسيات الشعرية الافتراضية تجمع بين أناس من مختلف الخلفيات، للاحتفاء بالشعر ومشاركة أعمالهم.

دوريان بدوره مرّ بتجربة مماثلة، حيث أعلن أنَّ: «الأمسيات الافتراضية قد لاقت استحسانًا هائلًا، حتى إنَّ عدد الحضور ظل مطابقًا لعدد حضور الفعاليات الفعلية، وهو ما لم نكن نتوقعه».

واستطرد مضيفًا أنَّ الوسيلة الافتراضية توفر بالتأكيد ميزة فيما يتعلق بمشاركة الأشعار مع الآخرين، موضحًا: «لا سيما وأنَّ شبكة الإنترنت تعمل على إتاحة إمكانية الوصول، كما تعلمين؛ فقد أتاحت للناس من خارج أبو ظبي فرصة «التواجد» والمشاركة – مما ساعد مجتمع الشعر على الإحساس بالمزيد من الاتصال والترابط. لقد سمحت لنا الفعاليات الافتراضية بإزاحة الستار عن شعرائنا الاستعراضيين هنا أمام جمهور عالمي، والتعاون مع الشعراء وجمعيات الشعراء من جميع أنحاء العالم؛ حتى إنَّ قنوات إعلامية عالمية – مثل «سي إن إن» و«يورو نيوز» – سلطت الضوء على كيف احتفظنا بمرونتنا بأن كيّفنا فعاليتنا مع الفضاء الافتراضي. وهكذا، استفاد المجتمع الأوسع نطاقًا من حصوله على الشعبية والشعور بالاتصال والترابط، خاصةً وأنَّ معظم فترة العام ونصف العام الماضية تطلبت منَّا ممارسة التباعد الاجتماعي بسبب جائحة فيروس كورونا (كوفيد-١٩)».

وفي هذا الصدد، أضافت مثاني بدورها بأنَّه – رغم جمال الأمسيات الشعرية في الماضي – وجد بعض الناس أنَّ الأمسيات الشعرية عبر الإنترنت تمنحهم شعورًا بالإنجاز، يمكَّنهم من مشاركة قصائدهم الشعرية مع الآخرين. هذا إلى جانب شعور العديدين بالإلهام من أشعار الآخرين. كما قالت موضحةً إنَّ بعض الشعراء استمتعوا بالوقت الإضافي، الذي أمهلهم فرصة للتفكير في قصائدهم، وبالتالي فضَّلوا إلقاء الشعر افتراضيًا أكثر.

ويبقى الحنين إلى الماضي

أمسية شعرية افتراضية لمجموعة «بلانك سبيس».

رغم المزايا التي أضافتها الأمسيات الشعرية الافتراضية، يبقى هناك بعض الأسى عند التفكير في مدى تغيّر الأمور: فبعد أن التقيت بمنظّميّ الأمسيات الشعرية، أدركت أنَّه – حتى هما أيضًا – كان لديهما شعور بالحنين إلى الماضي.

فمثاني، مثلاً، أعربت عن شعور عدد من الشعراء بالإحباط من عدم إقامة الأمسيات الشعرية الفعلية، مما أثّر سلبًا في قدرتهم على التعبير عن أنفسهم.

إضافةً إلى أنَّ غياب أجواء الأمسيات الشعرية الحقيقية – التي يكون الجمهور فيها أكثر انخراطًا وتشجيعًا بكثير – يخلّف بكل تأكيد شعورًا بأنَّ هناك شيء ما مفقود؛ فبدون القدرة على التواصل مباشرةً مع الجمهور، يفقد شعراء «زووم» اتصالهم ومشاعرهم، بالمقارنةً بالأمسيات الشعرية الحقيقية، وهو ما علّق دوريان عليه بقوله: «أعتقد أنَّ الكل يفضّل الأمسيات الفعلية على الافتراضية. صحيح أنَّ فريق الإنتاج بمركز الفنون في جامعة نيويورك أبو ظبي قد قام بعمل مذهل في تكييف الفعاليات الافتراضية بحيث تكون نسخةً من التجربة الفعلية، إلا أنَّ إقامة سهرة شعرية مفتوحة في مكان فعلي (مثل مقرّنا The Marketplace بجامعة نيويورك أبو ظبي) لا تُضاهى».

وتابع قائلاً: «وجود جمهور مادي ملموس، وسماع رد فعله على العروض الاستعراضية ورؤيته في آن واحد، يقدم لنا ردود أفعال فورية ذات أهمية بالغة للفنانين، تساعدهم على معرفة المقاطع التي تلاقي صدى من الحضور أكثر من غيرها في قصائدهم أو أغانيهم. كما أنَّ فرقعة الأصابع (وهي طريقة شهيرة لإظهار الدعم للشعر) والتصفيق يساعد فعلاً على إضفاء الحيوية والأجواء الإيجابية على أي أمسية شعرية. بل وحتى أنا كمقدم للأمسيات، أحصل على متعتي من ابتسامات وضحكات الجمهور أثناء تقديمي للعرض. ولا شك أنَّ الأمسيات الفعلية تنطوي على عنصر اجتماعي أيضًا؛ فهي تمثّل فرصة لاصطحاب الزوج أو الزوجة إلى موعد عاطفي غير تقليدي، أو لاصطحاب الأبناء إلى فعالية اجتماعية وتعليمية إيجابية، وهي أيضًا فرصة للالتقاء بالأصدقاء، أو حتى أيضًا فرصة لإقامة صداقات جديدة مع الغرباء».

الفعاليات الافتراضية ومستقبل الشعر

صحيح أنَّ الحنين إلى الأمسيات الشعرية الفعلية لا يزال باقيًا، إلا أنَّ الأمسيات الشعرية الافتراضية التي تنظمها كلٌ من «روف توب ريثمز» و«بلانك سبيس» قد عملت على جمع الناس سويًا بلا شك، وأعطتهم ملاذًا آمنًا في ظل أوقات الوحدة والعُزلة التي نعيشها.

إنَّ الأمسيات الشعرية الافتراضية تفسح المجال للحفاظ على روح الكلمة المنطوقة والسرد القصصي، وتوفر متنفسًا ضروريًا بشدة، يتم فيه سماع أصواتهم وتقديرها، ويُقدم لهم فيه الأمل والدعم. إنَّها تعمل على توفير إحساس بالانتماء، وتشجّع المواهب الجديدة، وتقدم للمجتمع ساحة تتيح له للتعبير عن ذاته. هناك أمور نفتقدها جميعًا من الأيام الخوالي بكل تأكيد، ولكن لعل الأمسيات الشعرية الافتراضية هي منقذة الأمسيات الشعرية، على الأقل في الوقت الراهن.


إيمان طاهر صحفية مستقلة ومتدربة في مجلة سكة. تشمل اهتماماتها الفن، والثقافة، والمجتمع، والبيئة في دبي

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها

هذا المقال تُرجم من الانجليزية