ثقافة وفن

كيف تحافظ مبادرة «معمار مسقط» على تاريخ مسقط المعماري

«نحن نؤمن بضرورة توثيق كل التراث المعماري، باعتباره يروي تاريخ البلاد».

English

بقلم فريق سكة

ستارز سينما في مسقط ((تم بناء المبنى في عام ١٩٧٢). الصورة: معمار مسقط.

لمَّا كان الطراز المعماري في دول الخليج العربي ينضح بالثراء والتنوع – ما بين أبراج شاهقة في جدة القديمة وأبنية حديثة متلألئة في الإمارات العربية المتحدة وقلاع تاريخية حصينة في عُمان – تولدت رغبة في وضع عدد أكبر من المبادرات الوطنية لحماية الأبنية المعلمية البارزة في عدد من دول الخليج؛ مما أدى إلى ظهور جهود فردية في السنوات الأخيرة لنشر الوعي بضرورة الحفاظ على الأبنية والمنشآت ذات القيمة المعمارية والتاريخية، وتوثيقها وتوثيق تاريخها، في وجه جهود التحديث والتغييرات المتواصلة في المنطقة بأسرها؛ والتي منها على سبيل المثال جهود الشيخ سلطان بن سعود القاسمي في الشارقة.

أمَّا في سلطنة عُمان (وهي دولة تشتهر بمعمارها، الذي يمزج ما بين التراث والحداثة)، فقد ظهرت على الساحة مؤخرًا الزميلتان رونق الإسماعيلي وعائشة الخليلي، ومبادرتهما «معمار مسقط» على موقع انستقرام. تأسست مبادرة «معمار مسقط» منذ أقل من العام على يد رونق (٢٢ عامًا) وعائشة (٢٥ عامًا) – كلتاهما مهندستان معماريتان عُمانيتان – وهي عبارة عن مبادرة مخصصة لتوثيق والحفاظ على التراث المعماري الحديث في العاصمة العُمانية مسقط، من خلال تلك المنصة الخاصة بالتواصل الاجتماعي.

تحدثنا مع هاتين الشابتين عن السبب الذي ألهمهما ببدء مبادرة «معمار مسقط»، وعن سر اختيارهما لوسائل التواصل الاجتماعي لتوثيق معمار مسقط والحفاظ عليه، وما هي الأبنية التي يجدر بنا أن نوليها اهتمامنا في العاصمة العُمانية، وما هي أهدافهما التوسعية لمبادرتهما المتنامية في المستقبل.

ما هي القصة وراء مبادرة «معمار مسقط»؟ وما هي أهدافها؟

رونق الإسماعيلي: شاركت في تأسيس «معمار مسقط» في الثاني من ديسمبر من عام ٢٠٢٠، بهدف تسليط الضوء على المباني المنسية في سلطنة عُمان، والتي بُنيت أو أُنشئت بين عام ١٩٧٠ و١٩٩٩ ؛ إذ لاحظت أنا وشريكتي – بعد بحث أجريناه – قلة عدد المنشورات والوثائق التي تتناول التراث المعماري العُماني الحديث؛ خاصةً وأنَّنا بالتأكيد لم ننتقل من العيش في البيوت الطينية التقليدية إلى المنازل المعاصرة التي نعيش فيها الآن مباشرةً، بل لابد وأن كانت هناك مرحلة انتقالية بينهما. عندها، تولدت فكرة «معمار مسقط»، حيث قررنا توثيق تراث عُمان المعماري الحديث المنسي بالصور، وتثقيف الناس عنه قدر الإمكان؛ فنحن نؤمن بضرورة توثيق كل التراث المعماري، باعتباره يروي تاريخ البلاد.

«معمار مسقط» موجود حاليًا على تطبيق انستقرام فقط، فمَن يلتقط الصور لحسابكما على التطبيق؟

رونق الإسماعيلي: أنا وعائشة نتولى سويًا التوثيق البصري بالصور لحسابنا على موقع انستقرام، لكن كل واحدة منَّا لها دور مختلف عن الأخرى: فعندما نذهب في الزيارات الميدانية، تلتقط عائشة الصور خصيصًا لخاصية «الفيد» على انستقرام، وتستخدم كاميرتها الخاصة لالتقاط صور الأبنية من زوايا جمالية، بحيث تستعرض تفاصيل لا ينتبه لها معظم الناس على وجه الخصوص.أمَّا أنا، فأقوم بدور تصوير مقاطع الفيديو والصور ونشرها في «ستوري» المبادرة على الموقع، والذي نهدف من خلاله إلى منح المشاهد شعورًا أعمق بالمبنى الذي نغطيه، وإعطائه فكرة عن طبيعة الجو العام للمبنى ولمحيطه.

سوق العباية في مطرح. الصورة: معمار مسقط.

لماذا قررتما اللجوء لوسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا انستقرام، لتوثيق معمار مسقط والمحافظة عليه؟

عائشة الخليلي: لأنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تُعتبر بمثابة منصة إعلامية حرة تصل إلى جمهورنا المُستهدف (الشباب المهنيين) مباشرةً، لكنَّ سر اختيارنا موقع انستقرام ليكون هو منصتنا الإعلامية هو أنَّه الشكل الأكثر شيوعًا ورواجًا لمشاركة الأخبار أو أي معلومات، وللترويج للشركات الجديدة، وما إلى ذلك.. هذا فضلاً عن كونه منصة بصرية، وهذا أمر مهم بالنسبة لنا لأنَّ محور تركيزنا الأساسي هو على الصور ومقاطع الفيديو، بالإضافة إلى أنَّ الموقع يسمح لنا بالتفاعل مع أناس مختلفين حول موضوع المحافظة على المعمار، وقد تعلمنا الكثير جدًا من جمهورنا بفضل ذلك.

لماذا التركيز على معمار مسقط بالذات؟ ولماذا تعتقدان أنَّه يستحق الاهتمام به أكثر من بقية مناطق عُمان، مثلاً؟

عائشة الخليلي: هذا لأنَّني ورونق وُلدنا وترعرعنا في مسقط، لذا فقد كان من المهم بالنسبة لنا أن نستكشف مدينتنا أولًا، وأن نكتشف كنوزها الثمينة المخفية عن الأنظار، حيث إنَّ ذلك يعيد إلى أذهاننا ذكرياتنا عن كل الأماكن التي كان آبائنا وجدودنا يصطحبونا لزيارتها في طفولتنا.

الأهم من هذا أنَّ مسقط هي عاصمة سلطنة عُمان، وبالتالي فإنَّ تطورها المعماري يُعد أكثر تنوعًا وتطورًا بكثير مقارنًة بباقي المدن العُمانية بكل تأكيد، كما أنَّها تُعد في نظر البعض جزءًا من ولادة سلطنة عُمان من جديد خلال أوائل عصر النهضة، عندما اعتلى السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله العرش؛ مما يعني أنَّ هذه الأبنية تعرض جزءًا كبيرًا من تاريخنا، ومن جهود سلطاننا الراحل – رحمه الله – للانتقال بسلطنة عُمان من الوضع الاقتصادي غير الموات الذي كانت فيه إلى ما هي عليه الآن. ولهذا، فإنَّ هذه الأبنية تستحق أكبر قدر من الاهتمام، خاصةً وأنَّ بعضها قد هُدم بالفعل؛ ولكن هدمها يعني ببساطة هدم جزء كبير من تاريخنا.

إنَّنا نرى أنَّ أول خطوة للتشجيع على المحافظة على أي شيء هي ببساطة البدء بتوثيقه بجميع الأشكال؛ نتمنى أن تحظى جهودنا بهذه المبادرة بالاعتراف والتقدير، وأن تساعد في إحداث فارق ما.

فندق الانتركونتيننتال (تم بناؤه في عام ١٩٧٧). الصورة: معمار مسقط.

برأيكِ، ما الذي يمكن فعله غير ذلك لتسليط الضوء عليها؟

عائشة الخليلي: ربما سيكون من المُجدي أكثر أن يتم تدريس فكرة المحافظة على تلك الأبنية في المناهج الدراسية بالمدارس والجامعات، أو كدراسة بحثية يتم تمويلها بمنحة من الدولة، بالإضافة إلى سنّ قوانين للمحافظة على تلك المباني، لحمايتها من الهدم.

ما الذي يميّز معمار مسقط عن بقية المدن الأخرى بدول الخليج، على سبيل المثال؟

عائشة الخليلي: أنَّ مسقط حافظت على نسيجها الحضري التاريخي إلى حد كبير مقارنةً بمدن وبلدان أخرى. والفضل في ذلك يرجع للسلطان قابوس – رحمه الله – الذي فرض، وأنفذ قوانين، وتشريعات للبناء ألزمت المهندسين المعماريين آنذاك بتضمين بعض من المقومات المعمارية العُمانية التراثية في تصاميمهم، من قبيل الأقواس والشرفات المُفرّجة.

عمارة في الخوير (تم بناؤها في ثمانينات القرن الماضي) . الصورة: معمار مسقط.
مبنى في روي. الصورة: معمار مسقط.

ما الذي يجعل تسليط الضوء عليها مهمًا، برأيِك؟

رونق الإسماعيلي: بكل بساطة، لأنَّها تُعتبر تذكارًا من الماضي؛ فهي تشكّل جزءًا كبيرًا من تاريخنا، وبالتالي تستحق منَّا المحافظة عليها، والتعلّم منها أيضًا في تصاميمنا للمباني في المستقبل. وكذلك، من أجل الأجيال القادمة التي ستعيش لتشهد مستقبل عُمان الرائع وتطوراته، حيث سيكون من المهم أن تتمكن تلك الأجيال من رؤية التسلسل الزمني لذلك التطوَّر من خلال هذه المباني.

ما الذي تبحثان عنه في المباني، والمنازل، والمنشآت التي تقومان بتوثيقها؟

عائشة الخليلي: نحن نقوم عادةً بالتجوّل سيرًا على الأقدام في جانب معين من جوانب المدينة، ونبحث عن أي مباني تلفت الأنظار، أو أي منشآت تذكارية، ونبحث أيضًا عن أي سمات بصرية أو عناصر جذابة ومثيرة للاهتمام تميّزها.

بيت البيعة في مدينة السلطان قابوس. الصورة: معمار مسقط.

هل تستمدان الأفكار من المبادرات التوثيقية الأخرى التي يقوم بها الأفراد والجهات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأيها أكثر إلهامًا لكما؟

رونق الإسماعيلي: نحن نتفرد بطريقتنا الخاصة في التوثيق والتصوير بلا شك، ولكن إليك بعض الأفراد العرب المفضلين لنا، الذين نعتبرهم مصدر إلهام لنا [وحساباتهم على انستقرام]: ضياء مراد (@diamrad)، وحسين الموسوي (@Hugraphy)، والشيخ سلطان القاسمي (@architectureofsharjah).

ما هي المباني أو المنشآت المفضلة إليكِ في مسقط، أو التي تعتقدين أنَّها تستحق اهتمامًا أكبر من الناس؟ ولماذا؟

رونق الإسماعيلي: بنك الإسكان العُماني في روي، وحرم جامعة السلطان قابوس، والمباني الموجودة في منطقة روي المركزية للأعمال، بالإضافة إلى العديد من المباني الحكومية في مسقط. والسبب في هذا هو أنَّنا شهدنا تناغمًا وانسجامًا رائعًا بين المعمار التراثي والحديث في تلك الفترة الزمنية بتلك الأبنية، حيث اشتق المهندسون المعماريون بعناية عناصر من المعمار التراثي العُماني، ومزجوها بنجاح مع الطراز والأساليب المعمارية الحديثة للأبنية؛ بحيث لا نفقد هويتنا المعمارية كدولة إسلامية، وحتى نحافظ عليها لئلا نصبح «معولمين» مثل العديد من الدول الأخرى.

متحف الطفل(تم بناؤه في عام ١٩٩٠). الصورة: معمار مسقط.

المهندسون المعماريون العُمانيون (وغير العمانيين) المفضلين لكما هم

رونق الإسماعيلي: معاذ الألوسي (الذي صمم بعض من المباني المفضلة لنا من تلك الفترة الزمنية)، وسلمى الدملوجي، وهي باحثة ومهندسة معمارية متخصصة في المحافظة على المباني الشعبية المحلية.

ما الذي يجعل أي بناء، أو منشأة، أو منزل جدير بالملاحظة، برأيكِ؟

رونق الإسماعيلي: هناك دائمًا شيء ما يمكننا تعلمه من تلك المباني – كتصميماتها الفريدة من نوعها، على سبيل المثال – والتي تميل إلى أن يكون لها دور بالغ الأهمية في وظيفة البناء بوجه عام.

مسجد السيد حمد بن حمود في الحيل (تم بناؤه في ثمانينات القرن الماضي). الصورة: معمار مسقط.

ستطلقان موقعًا إلكترونيًا قريبًا، فكيف سيختلف الموقع الإلكتروني عن صفحتكما على انستقرام؟

عائشة الخليلي: امتلاك موقع على شبكة الإنترنت سيشكّل نهجًا أكثر رسمية بالنسبة لمبادرة «معمار مسقط»؛ حيث سنضيف إليه معلومات أكثر من مجرد صور فنية بسيطة. كما أنَّنا سنتمكن من إخبار جمهورنا عن المعمار الحديث في عُمان، حيث إنَّنا مقيدون في فعل ذلك على منصتنا الإعلامية الحالية.

سيكون هذا الموقع مخصصًا لمبادرة «معمار مسقط»، وسننشر فيه في المستقبل منشوراتنا، وتحديثاتنا، وكتيباتنا الرقمية، ومتجرنا الالكتروني، وما إلى ذلك.

المستشفى السلطاني (تم بناؤه في ثمانينات القرن الماضي). الصورة: معمار مسقط.

ما هي أهدافكما للمستقبل؟

رونق الإسماعيلي: في جعبتنا العديد والعديد من الخطط: أولها التوسّع في جهود التوثيق بحيث تشمل المبادرة مناطق أخرى من عُمان، وربما مناطق في دول مجلس التعاون الخليجي أيضًا. كما أنَّنا ننوي تنظيم معارض فنية، ونشر منشورات، والقيام بجولات للتصوير وجلسات بحثية. بالإضافة إلى أنَّنا نأمل بأن تتاح لنا فرصة العمل على تجديد المباني ودمجها في نمط حياتنا الحديث، لا سيما وأنَّه من المعروف أنَّ الأبنية الأكثر استدامة هي المباني الموجودة حاليًا.


إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال تُرجم من الإنجليزية.