ثقافة وفن

أبواب: ذكريات رمضانية

تفتح هذه الأحاديث أبوابًا شيقة يدعونا إليها صاحب الذكرى بكل لطف إلى حميمية العائلة وعاداتها التي تميزها عن غيرها. سواء كان افتراضيًا أو حتى كحديث عابر، تذكرنا هذه العادات الخاصة على قربنا من بعضنا البعض رغم الأميال التي تقف بيننا، وتشعرنا بالامتنان لهذه الأحاديث التي ترسخ في الذاكرة، لعل وعسى نؤثر في بعضنا البعض، فأجهز الشاي في ليلة القدر كعائلة دانيا وأصلي جامعة كعائلة ندى.

بقلم مريم الشحي

الصورة: Shutterstock.

رمضان، بعاداته وتقاليده المختلفة حول العالم، يذكرنا بجمال التفاصيل التي تزيد الشهر جمالية وروحانية. سواء كان صلاة جماعة مع الأهل، تجهيزات لمائدة الإفطار، أو تعليق الفوانيس حول المنزل، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تميز رمضان عن غيره من الشهور. ولأن رمضان قد اختلف عما كان بسبب الاحترازات الوقائية، سنحت لنا الفرصة للتعرف على رمضان بعضنا البعض وتفاصيله الصغيرة. هنا مقتطفات مما يحدث خلف أبواب مليئة بالحب، وبالروحانية، وبدفء العائلة. 

بدأت أولًا باسترجاع ذكريات كل رمضان قضيته برفقة عائلتي، سواء كان في إمارة أبو ظبي أو إمارة رأس الخيمة، فوجدت أن تفاصيلًا صغيرة هي جديرة بوصف رمضان في منزلنا. نقدس في منزلنا الاستعدادات لرمضان، ففي شهر شعبان الذي يسبق شهر رمضان، تبدأ عائلتي بوضع لوائح طعام للثلاثون يومًا القادمة، ودعوني لا أنسى اجتماعاتنا التي لا تنتهي، والتي فيها نلف رقائق السمبوسة التي يرجع أصلها للهند، و اصابع المسخن التي تعلمتها أمي من صديقتها الفلسطينية، والكبة التي تعرفنا عليها عن طريق برنامج منال العالم، والمطبق السعودي الشهير، والكفتة التركية، وأصابع الجبن (أو ما نسميه أصابع الريم لجمالية شكلها). فبعد ساعات وأيام من العمل الجماعي، تصبح كل هذه الوصفات اللذيذة « مفرزنات» تنتظر حتفها ما أن نرى هلال رمضان. 

ورغم إن التجهيزات المسبقة كانت تنتمي لمنزلنا فقط، تدخلني دانيا، ذات الواحد والعشرون عامًا منزلها في الأردن، فتخبرني عن تجهيزات عائلتها التي تذكرني بالتفاصيل التي تجمعنا رغم اختلاف بلدنا الأم. ففي الأيام التي تسبق رمضان، تجتمع عائلة دانيا في منزل جدتها لتجهيز أكلات مختلفة مثل القطايف و السمبوسة، ويعين لكل فرد من أفراد الأسرة مهمة خاصة في ما تصفه: «شاق ولكن ممتع، يزيد من طاقتنا للاستمرار والعطاء، ويقربنا من بعضنا البعض خصوصًا أنني أنسب هذه الأكلات لرمضان، للعائلة، وللتجهيزات التي نقوم بها معاً».

ترجعني دانيا لذكرى جميلة أصبحت جزءًا أساسيًا من رمضاننا.  فبعد العمل الجماعي الممتع، يحين دور الزينة الرمضانية التي تقدسها عائلتي بشكل كبير. أذهب وأخوتي مع أمي لشراء زينة رمضانية (من فوانيس، وإضاءات، ونجوم، وعبارات جميلة) ويحين دور المبتكر فينا، فنعلقها في أرجاء المنزل؛ بقرب كرسي جدتي، وعند المائدة الجميلة، وعند مدخل منزلنا. هذه الزينة ورغم وجودها بكثرة في معظم المنازل، إلا أنها رمز للألفة بيننا، فدائمًا نستقبل الشهر الفضيل بالزينة ونودعه داعين المولى عز وجل أن نعلق ذات الزينة العام القادم، لا فاقدين ولا مفقودين. 

ولأن أساس رمضان تقربنا من الله عز وجل، ومن أنفسنا، ومن عائلاتنا، تستقبلني ندى أيضًا، ذات الواحد والعشرون عاماً، في منزل جدتها في مصر، فتخبرني عن رمضانها الذي تقضيه مع عائلتها في منزل جدتها (والدة أمها) رحمها الله. ولأن منزل الجدة الجامع للعائلة المكونة من أربعة أشخاص مكان مريح ودافئ لدرجة أن والدها يرتدي ملابس نومٍ مريحة هناك (وهو ما لم تتعود عليه)، تشعر ندى بالانتماء لهذه اللحظات التي تجتمع فيها العائلة. وعن ذكرياتها مع جدتها، تخبرني ندى أن جدتها تنتمي لفلسطين حتى في أكلاتها: «أكلتي المفضلة هي المقلوبة التي تطبخها جدتي -رحمها الله- وهي صائمة. جدتي بارعة جدًا في الطبخ، أبرع من أمي حتى!».

 وتخبرني غاية، ذات الثماني عشرة عاماً من الإمارات العربية المتحدة أن: «رمضان غالي جدًا على قلبي. إنه الوقت الذي أنقي فيه روحي وجسدي لعام سابق وقادم. روحانية هذا الشهر تحثني على الفكر والتدبر في ديننا الذي تصرف انتباهنا عنه الدنيا. عادة ما أقضي كل ثانية أستطيع فيها بقراءة القرآن حتى أختمه قبل نهاية الشهر. والرائع أنني أستمر في تعلم دروس جديدة وفهم قصص من القرآن بشكل أعمق حتى لو كنت قد قرأتها مرات عديدة من قبل. هناك طعام محدد لدينا عادة في المائدة نادرًا ما نأكله من رمضان (السمبوسة، والفريد، واللبن بالنعناع ، إلخ). على الرغم من تدهور جدول نومنا، إلا أنني أجد الكثير من البركة في الوقت بين الساعة الرابعة مساءً وحتى السادسة مساءً، ومن الثانية فجرًا وحتى الخامسة صباحًا. صلاة التراويح شيء لا يمكن أن يقابله شيء في رمضان، من جوهرها الديني والروحي إلى جوهرها الاجتماعي، حيث عادة ما أرى أفراد الأسرة والأقارب والأصدقاء الذين لم أرهم منذ فترة طويلة». 

الصلاة باب مفتوح لنا في كل وقت وحين، فيد الله ممدودة وعفوه لا ينضب ولا ينتهي. كل من سمحوا لي بأن أطلع على رمضانهم حدثوني عن قيمة الصلاة لديهم، وخصوصًا صلاة الجماعة. 

تحدثني صديقة لي من الإمارات أيضًا، بشغف عن ركن خصصوه في منزلهم للصلاة، خصوصاً بعد اغلاق المساجد في العام الماضي بسبب الجائحة. في هذا الركن الجميل، رتبت والدتها سجادات الصلاة، والمصاحف، وجعلته يبدو كمسجد مصغرٍ، لتسد (ولو بقليل) فجوة الشوق لمساجد الله. وما أجمل مشاركة هذا الركن مع أفراد العائلة، خصوصًا لصلاة التراويح التي تصليها مع والدتها وإخوتها كل يوم، ويتناوب كل منهم على أخذ دور الإمام، فهذا ما تفعله والدتها لتحثهم على تلاوة القرآن بصوت عالٍ.  

ندى أيضًا تخبرني عن صلاة التراويح التي تصليها وعائلتها خلف والدها في المنزل، كفعلٍ قرب العائلة رغم أنف الجائحة التي أغلقت المساجد: «يشعرني هذا العمل الجماعي بالحب والأمان، وبدفء العائلة، وبديننا الذي يقربنا من بعضنا البعض بطرق جميلة جدًا، خصوصًا أن والديَّ كلاهما يعملان فلا أقضي وقتًا مطولًا معهما». 

وفي الأيام الأخيرة من رمضان، وخصوصًا في الليلة التي يتوقع أهل دانيا أنها تكون ليلة القدر (الليلة المقدسة عند المسلمين في شهر رمضان، لأن القرآن الكريم نزل فيها، ولأن أفضالها عظيمة) تبيت عائلتها في منزل عمتها لتناول الإفطار أولًا، ويليه صلاة جماعية، ودعاء، وتقرب من الله.تقول: «إنها ليلة مميزة وقريبة جدًا من قلبي، خصوصًا لأننا نبيت كلنا في منزل واحد، و نصلي سويًا، ونعد الحلويات والشاي لليلة طويلة أمامنا. أحب هذه العادة جدًا لأننا نجتمع لسبب سامٍ، يقربنا لأنفسنا أولًا ولبعضنا البعض».

في التحدث مع من حولنا والتعرف عليهم تفكر في التفاصيل التي تزيد رمضان روحانية على روحانيته، وتذكرني بآية ١٣ من سورة الحجرات (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).  تفتح هذه الأحاديث أبوابًا شيقة يدعونا إليها صاحب الذكرى بكل لطف إلى حميمية العائلة وعاداتها التي تميزها عن غيرها. سواء كان افتراضيًا أو حتى كحديث عابر، تذكرنا هذه العادات الخاصة على قربنا من بعضنا البعض رغم الأميال التي تقف بيننا، وتشعرنا بالامتنان لهذه الأحاديث التي ترسخ في الذاكرة، لعل وعسى نؤثر في بعضنا البعض، فأجهز الشاي في ليلة القدر كعائلة دانيا وأصلي جامعة كعائلة ندى.  تشوِّق هذه الأحاديث أرواحنا بشدة أيضاً لعودة شهر رمضان السنة القادمة. أعاده الله علينا وعليكم بألف خير، أو كما ينشدون في فن التوحيش والابتهال في وداع الشهر الفضيل: «لا أوحش الله منك يا رمضان يا شهر الصيام».


مريم الشحي كاتبة إماراتية تدرس العلوم السياسية والأدب- فرع الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك أبوظبي. «ابنة جبال رأس الخيمة»، ولكن، كونها ولدت وعاشت في أبوظبي، دائما تجد نفسها بين البحار والجبال. مؤدية في مسرحيات، عرض موسيقي، ومحررة لمجلة عربية، هي شغوفة بالمشهد الثقافي/الفني، حيث استثمرت طاقاتها في أشكال مختلفة من التعبير عن الذات. هي حاليًا متدربة في سكة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.