آراء عدد الفلكلور

ماذا يعني أن أكون خليجية من أصول فارسية

«كوني خليجية من أصل فارسي بمثابة تجربة خصبة ومشوقة بالنسبة لي».

English

بقلم عالية

الصورة: مكتبة ماكجل عبر Unsplash.

بما أنَّني خليجية من أصل فارسي نشأت في الخليج، اعتدت المزج بين ثقافات مختلفة في حياتي اليومية؛ بمعنى أنَّني أتحدث اللغة الفارسية العامية مع أجدادي، وأرحب بضيوفنا وأتبادل الحديث معهم بالعربية، بينما أستخدم الإنجليزية للدردشة مع صديقاتي، والهندية لمناقشة الأمور مع العاملة المنزلية. وعندما يأتينا ضيوف، نقدم لهم مجموعة مختارة من المشروبات: القهوة وشاي الكرك والشاي الأحمر الذي يُقدّم مع مكعبات السكر، أو «الغند» مع سكر نبات مطعم بنكهة الزعفران. وفي أطول ليالي السنة، كنَّا نجتمع سويًا على أرضية «التالار» الرخامية الباردة في منزل أجدادي، ونقطع بطيخًا طازجًا إيذانًا ببداية الربيع. ولا شيء يضاهي الاستمتاع ببعض «الكشك» في فترة ما بعد الظهيرة الدافئة والتظاهر بأنَّها تلك الحلوى المستديرة القاسية التي في مسلسل الرسوم المتحركة المفضل لدي إد، إدد وإدي على قناة كرتون نتورك. ناهيك عن مقبلات رمضان المتنوعة ذات النكهات المميزة: بدءًا باللقيمات والباكورة المقرمشة إلى حساء «أبغوشت» مخملي القوام، كل ثقافة لها طبقها المميز الخاص على موائد ليالي رمضان والعيد. أتذكر أيضًا أنَّني كنت أستمع لأغاني المغني الإيراني «معين» في السيارة في طريقي إلى المدرسة كل صباح، وأتدرب على الجمل الفارسية في المساء لتحسين نطقي بها، وكنت أستمتع برقة اللغة وانسيابها بسلاسة من بين شفتيّ.

خلال كارثة تسونامي المحيط الهندي في عام ٢٠٠٤، مررت ذات مساء بغرفة المعيشة في منزل أجدادي، فكان الراشدون مجتمعين أمام شاشة التلفزيون لمشاهدة الأخبار، التي كانت تنقل تقريرًا عن الآثار التي خلّفها التسونامي على البلد المجاور عُمان. ولأنَّني كنت طفلةً حينئذ، فقد شعرت بالخوف والقلق من فكرة وجود بلد قريب جدًا منَّا يتعرض لمثل هذه الحادثة. في تلك الليلة، جمعتني أمي وجدتي – أنا وأخي – في غرفتنا لكي نخلد للنوم حتى نذهب للمدرسة في اليوم التالي، ولأنَّ والدتي أحسّت بتوتري في تلك الليلة، قررت أن تحكي لنا قصة قديمة قدم الزمن قبل النوم: جلست والدتي على حافة سريري اليمنى، وجلست جدتي على الحافة اليسرى، وبدأت كلتاهما تعيدان قصّ أبيات من حكاية «زانغور مانجور» الشعبية الشهيرة بالتناوب. كانت قد مرت سنوات منذ آخر مرة سمعت فيها هذه القصة، وأتذكر الابتسامة العريضة التي علت وجهي عندما غنت أمي أبيات الحكاية الشهيرة التي تحكي قصة عنزة وصغيريها «زانغور» و«مانجور»، حيث تترك العنزة صغيريها بالمنزل لشراء طعام من السوق، فإذا بذئب مكَّار يتسلل لمنزلها ويطرق الباب، فينخدع الصغيران معتقدين أنَّه أمهما، ويفتحان له الباب بكل سذاجة وبراءة، فينتهي بهما المطاف بأن يلتهمهما الذئب، وحين تعود العنزة إلى المنزل، تنصدم بالحادث المأساوي، وتطوف بمنازل جيرانها لتسأل عن الصغيرين، ولكنها ما إن تكتشف فعلة الذئب، حتى تشحذ قرنها وتتحداه في معركة، وهو بدوره يشحذ أسنانه ويتجه لملاقاتها، وفي النهاية تمنحها غريزة الأمومة قوة هائلة، فتبقر بطن الذئب مباشرة، وتفتحه وتحرر صغيريها بداخله.

أعلم أنَّ القصة تبدو شنيعة، لكنَّ كلماتها الجميلة المصحوبة بالأغاني الهزلية جعلتها ممتعة؛ فقد كنت أستلقي وأستمع إلى القصص المتوارثة حفيدةً عن ابنةً عن أمَّا عن جدةً، تلك القصص رسمت ملامح ذكريات طفولتي وشبابي. عندها فقط أدركت أنَّني وهبت فرصة العيش في عالمين مختلفين تمامًا في آن واحد، وكان الجمع بينهما بمثابة رحلة استثنائية مليئة باكتشاف الذات والنضج. لقد كان العيش في جزء من العالم يضم مجتمعًا يمتاز بالتنوع – فضلاً عن كوني خليجية من أصل فارسي – بمثابة تجربة خصبة ومشوقة بالنسبة لي. وبفضل تبادلنا أجزاء من عالمنا مع بعضنا البعض، نخلق جوًا مفعمًا بالودّ على مائدة العشاء.


عالية مهندسة مدنية وفنانة من مدينة أبوظبي تقطن حاليًا في أستراليا.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال تُرجم من الإنجليزية.