ناس عدد الفلكلور

مروة الهنائي تنقل الثقافة العُمانية من خلال فنون غير تقليدية

تتحدث مريم الشحي مع الفنانة التي تبني جسورًا بين الحضارات العُمانية والهندية من خلال فنها الغير تقليدي.

English

بقلم مريم الشحي 

«السيف والمرأة العُمانية» للفنانة العُمانية مروة الهنائي.

إذا تمعنَّا في كلمة «فن»، فإن صورًا مختلفةً وأشكالًا هندسية سترسم في أذهاننا، بألوانٍ لا تشبه التي يتخيلها الجالس على يسارك. ورغم أن معظم ما نتخيله قد يكون لوحة في متحف أو بروازًا معلقًا على الحائط، إلا أن الفن غير التقليدي يتطلب جسرًا لكي يوصلنا إليه، خصوصًا عندما يجمع بين عراقة الماضي العُماني وأصالة حاضره. هنا يأتي فن مروة الهنائي ليرسم لنا جسرًا إلى الغير معتاد. 

مروة الهنائي هي فنانة عُمانية درست الملتيميديا (تقنية الوسائط المتعددة)، وهي عضو في بيت الفن التشكيلي العُماني منذ عام ٢٠٢٠. مروة شغوفة بالفن الماذوباني وأصبحت معروفة به في المجتمع الفني في عُمان.

بدايات تقليدية

«المها العربي» للفنانة العُمانية مروة الهنائي.

كحرف لا تستغني عنها كثير من النساء في العالم العربي، ويعلمنها الفتيات في العطل المدرسية أو فترة العصيرة قبل المغرب، بدأت مروة مسيرتها الفنية بالأشغال اليدوية من تعلمها «الخياطة، وحياكة الصوف والمكرميات، وصناعة الزهور والسراميك»، وزارت أيضًا مرات عديدة جمعية المرأة الريفية مع والدتها وأختها التوأم، حيث كانت تتدرب على هذه الفنون التقليدية كي لا تكون جاهلة بالفنون السائدة عند الفتيات. كانت هذه البداية التي عرَّفت مروة على قدرات يديها الصغيرتين، وصقلت في نفسها «شيئًا من عالم الفنون». كلما كبرت يدا مروة، زاد شغفها بالفن، حتى أنها تخصصت في الملتميديا لتكمل رحلتها في التعرف على فنون مختلفة عن تلك التقليدية كالفنون البصرية.

مروة تلتقي بالفن الماذوباني

قصتها مع الفن الماذوباني بدأت كصدفة لا تنساها، فبعدما تخرجت من الجامعة استمرت في البحث في الفنون البصرية، إلى جانب البحث عن وظيفة تخدم شغفها بالفن من خلال نشر أعمالها الفنية على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي أثناء تلك الرحلة الفنية، صادفت مروة منشورًا يحتوي على زخرفة هندسية، فجرّتها أناملها إلى محاكاته والبحث مطولًا عن الزخارف والزخارف الإسلامية، فوجدت فن «الماندالا» والذي يرجع موطنه إلى منطقة التبت، ويعنى برسم أشكال هندسية تصف الكون الميتافزيقي، فهو الذي أخذها في رحلة أخرى لاكتشاف عالم الفلكلور الهندي المرسوم، فتعرفت على الفن الماذوباني والوارلي الذي رسمته نساء في الهند على جدران منازلهن ليصورن الحياة الطبيعية في الهند.

«فنجان قهوة الصباح» للفنانة العُمانية مروة الهنائي.

لماذا الماذوباني؟ سؤال تردد على ذهني مرارًا، وخصوصًا أنني تعرفت عليه من خلال مروة التي تصفه بشغف كـ: «فن يحكي قصة تكون داخل إطار مزخرف، وكل عنصر من عناصر القصة المرسومة يحتوي على زخارف، والمساحة الغير مزخرفة لا تُقبل في العمل. الشخصيات يجب أن تكون ذوات أعين كبيرة أو منفوخة وأنف حاد (مثلما وضحت لي إحدى الممارسات لهذا الفن) ولا نبخل في الألوان. هذا الفن لا يهتم بالتفاصيل الدقيقة في رسم الشخصية ويكتفي بما يدل على ملامحها».

قد يعجبك أيضًا:

وعن سؤالي كيف يدمج الفن الذي تقدمه بين الحضارة الهندية والعُمانية، تجيب مروة: «أظهر فيما أقدمه الحضارة العربية والإسلامية قبل العُمانية -والتي هي جزء منها- في محاولة مني للتعبير عن أننا قوة ثقافية واحدة أقدمها للعالم بأسلوب هندي»، فترسم «النساء بالحجاب والرجال بملابس هادية الألوان»، وتبتعد «عما يخالف منهج الأرض التي تنتمي إليها سواء في المعتقدات أو العادات». تنهي مروة إجابتها عن العلاقة بين الحضارتين بقولها إنه :«عندما يُرى العمل الفني، يُقال إنه يحكي عن الحضارة في بلاد العرب والمسلمين».

إضافة إلى ذلك، ترسم مروة من خلال فنها جسرًا بين الحضارة الهندية والعُمانية الذي تجمع بينهما «علاقة تاريخية  تشهد لها السواحل بين الأرضين، وأثرها باقٍ إلى اليوم، ومثال ظاهر على ذلك في ملابس النساء حيث تعتمد الكثير من النساء في عُمان منذ القدم وحتى اليوم على انتقاء الزري والأقمشة الهندية لتشكيل أزيائهن العُمانية». هذا الجسر الفني أكبر من أن تمحوه ممحاة أو تغيره ريشة؛ فهو، كما تصف بشغف واضح على كلماتها: «أسلوب ولغة فنية- غير معتاد عليها – أشارك بها مع الفنانين العُمانيين المخضرمين والمحترفين والهواة، في نقل الأخبار عن عُمان».

«الدلة النزوانية» للفنانة العُمانية مروة الهنائي.

ورغم أن ما جذبها للفنون الهندية هو: «عفويتها وتزاحم محتوياتها وعدم تناسق ألوانها وكأنها في فوضى.. فكل جزء مرسوم فيه مستقل بذاته، وله قصته الخاصة، ولكنه في الوقت نفسه خاضع لحكم قطعة فنية واحدة»، إلا أنها ترسم بطابعها الخاص، جامعةً بين ماضي الفولكور وحداثة فنها. فمثلًا، تُبرز مروة رموز البيئة الطبيعية، والمقتنيات التراثية كالمبخرة والمندوس والدلة، اللذان يحكيان عراقة الماضي العُماني والحاضر الفني. وللمرأة العُمانية حصة كبيرة من أعمالها، وتقول في ذلك الصدد: «المرأة العمانية هي هويتي وصفتي كإنسانة، وعندما أفتح عيني أرى جدتي تتمثل لي في جميع النساء العُمانيات الجميلات والأمهات والعالمات القائدات والشجاعات عبر العصور، فأبَيت إلا أن أرسمها في أبهى صورة».

كثيرًا ما تتناول أعمال مروة الهنائي الفنية المرأة العُمانية. انقروا على كل صورة لرؤيتها بحجم أكبر.

رسم الأمل خلال أزمة كوفيد١٩

ورغم أنف جائحة كوفيد التي أثرت في جميع القطاعات حول العالم، إلا أن يدا مروة لم توضعا جانبًا. استثمرت مروة طاقاتها في المعارض التي وبسبب الجائحة استطاعت أن تشارك في أول معرض خارجي (مهرجان فاس الإلكتروني لفن الخط العربي والزخرفة والمنمنمات). وشاركت أيضًا بلوح فن الماندالا في معارض افتراضية أخرى مثل «ظل قلم وريشة نوفمبرية» في ٢٠٢٠. رغم أن الجائحة وقفت في طريق قطاعات عدة، إلا أنها أيضًا صبت في صالح المبدعين مثل مروة الذين لا يتوقفون عن الاكتشاف، والحلم.

«تصور لعُمان المستقبل» للفنانة العُمانية مروة الهنائي.

وفي نصيحة إلى فناني اليوم، تنظر مروة إلى تأثير الفن الماذوباني عليها وتجربتها مع الاكتشاف فتقول إن: “الفنان يحتاج أن يكون مطّلعًا على الفنون البصرية وأن يغذي نفسه أدبيًّا وحياته اجتماعيًا وعاطفيًا، وأن يسد الفجوة غير المملوءة، وأن يسير عكس التيار الذي يسلكه زملاؤه في الفن، لأنه إن لم يفعل ذلك فلن يضيف إلى المتاحف الفنية شيئًأ فريدًا، ولن يُخرِج لعمله صوتًا رنانًا يلفت إليه الجمهور قبل أن يراه، ولن يزيد في ثقافتهم شيئًا. أتحدث في ذلك عن تجربة، كان تأثير الماذوباني على متابعيَّ أكثر من تأثير الماندالا، لأن الأخيرة ليست غريبة على المجتمع، فهناك كثيرون ممن أتقنوا «الكار» فمل الناس من التكرار-وأنا منهم- أما الماذوباني فقد شد الانتباه لغرابته، وتطورت عند البعض ثقافتهم البصرية والمعلوماتية، مما دفعني إلى التطور والاستمرار”.

تعمل مروة اليوم على خطتها الخمسية التي ستكون ترجمة حول حضارتنا العربية والإسلامية إلى عدد من لغات الفن المرسومة، بما في ذلك من «فن الوارلي».

لتصفح المزيد من أعمال مروة الهنائي، تفضلوا بزيارة صفحتها على انستقرام.


مريم الشحي كاتبة إماراتية تدرس العلوم السياسية والأدب- فرع الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك أبوظبي. «ابنة جبال رأس الخيمة»، ولكن، كونها ولدت وعاشت في أبوظبي، دائما تجد نفسها بين البحار والجبال. مؤدية في مسرحيات، عرض موسيقي، ومحررة لمجلة عربية، هي شغوفة بالمشهد الثقافي/الفني، حيث استثمرت طاقاتها في أشكال مختلفة من التعبير عن الذات. هي حاليًا متدربة في سكة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها