آراء عدد الفلكلور

كيف علمني سامري نجد التعامل مع المآسي

«الطريقة المثلى للتعامل مع المآسي هي بالترويح».

بقلم ابن دخيِّل

اشتُق لفظ السامري من السمر، والسمرة في اللغة هي: الأُحدوثَةُ بالليل، وهو فن غنائي يُقَدم في مختلف المناسبات لغرض التسلية، وانتشر هذا الفن بين أهل الخليج عبر الزمن.

علمني سامري نجد -بعد تأمله- أن الطريقة المثلى للتعامل مع المآسي هي بالترويح.

لطالما حُذرت صغيرًا من سماع أو حضور السامري، خاصة ليلًا أو في المناطق النائية؛ لارتباطه بالجن والمس، فولَّد هذا عندي تخوفًا من مظاهر السامري جميعها، وحتى لو قررت التمرد والتشجع لمشاهدته، ما إن أرى الرجل يستنزل ينزل الرعب علي، و«الاستنزال» هو حين يتلبَّس الجن بأحد الحضور ويبدأ بالرقص بشكل هستيري ويفقد كل السيطرة بأطرافه، فيجب حينها على الحضور أن يسحبوه بعيدًا، حتى لا يفقدوه للأبد.

ولكن، بعد سنين ونمو اهتمامي بالتراث والفلكلور والموسيقى، قررت العودة لتأمل السامري وأشكاله، فلاحظت في قصائد السامري أن غالبها -إن لم يكن كلها- تروي معاناة كبيرة، ففي قصيدة لمحسن الهزاني -وهو أول من وزن السامري شعرًا- يقول الشاعر:

من ناظري دمعي على الخد مسكوب

ومن الحوادث شاب راسي وأنا شاب

لا لذ لي زادٍ ولا حلو مشروب

ولا لموق العين طيب الكرى طاب

لا شك ما يجري على العبد مكتوب

طول الزمان وكل شي له أسباب

وهذه الأبيات الثلاثة من مطلع القصيدة تَصِفُ أثر فن السامري على النفس، فهي وصف للمأساة الشخصية -التي غالبًا ما ترتبط بالحبيب- وتصف الحالة النفسية للفرد، حتى يصل إلى الرضا الذاتي. ونرى ذلك في قصيدة لمحمد بن لعبون، والذي أعتبره الأب الروحي لفن السامري:

يا ذا الحمام اللي سجع بلحون

وش بك على عيني تبكّيها

ذكرتني عصر مضى وفنون

قبلك دروب الغي ناسيها

أهلي يلوموني ولا يدرون

والنار تحرق رجل واطيها

لا تطري الفرقا على المحزون

ما أداني الفرقا وطاريها

فهو يعاتب الحمام الساجع، كون الحمام أليف، وكل أليف مع أليفه، فيتذكر الشاعر محبوبته البعيدة ويبكي على ذكرى فراقها.

وهناك كذلك قصيدة نورة الحوشان التي ما زلنا نردد بيتها الأخير حتى يومنا هذا في الخليج، والتي تقول فيها:

يا عين هلي صافي الدمع هليه

واليا قضى صافيه هاتي سريبه

يا عين شوفي زرع خلك وراعيه

هذي معاويده وهذا قليبه

فيما مضى لا مال رايه نماليه

واليوم جيتهم علينا صعيبه

إن مرني بالدرب ما أقدر أحاكيه

مصيبة يا كبرها من مصيبة

الي يبينا عيت النفس تبغيه

والي نبيه عيا البخت لا يجيبه

فهي تحكي موقفها حين قابلت طليقها الذي لا يزال قلبها متعلقًا به في مزرعته، وتخاطب عينها لاستذكار ما مضى من حُب، حتى تختم بشوقها لعودة زوجها ورفض المضي مع غيره.

يمارس السامري في مناسبات عدة وأوقات عدة، والهدف واحد: التسلية، فبعد استيعاب وقع تلك الكلمات على النفس، فبلا شك سيستنزل من يستطرب لها.

لكل شخص منا حرب يخوضها مع ذاته، والكثير منا يقرر خوض حروبه منفردًا، وحبسها في صدره، حتى تأتي فرصة كبرى لاستخراج المآسي المقموعة، وتنفجر بشكل هستيري.

والفنون عامة مريحة للنفس، ويوصى بها للعلاج النفسي. والفلكلور والفنون الشعبية لا تخرج من هذا السياق، فالسامري في نظري أسلوب تعبير عن معاناة وترويح عن النفس، فيبدأ الشخص فيها متحمسًا، ويخرج منهمكًا مسلى، وهكذا علمني السامري كيف أتعامل مع مشاكلي النفسية، عبر الترويح لا عبر الكبح.



   ابن دخيّل سعودي مهتم بالتراث الثقافي، ويدرس إدارة موارد التراث في جامعة الملك سعود بالرياض. يسمي نفسه فتى الصحراء نسبة لصحاري نجد التي علمته الصلابة والصبر. ولد وترعرع في الرياض مثل أجداده من قبله. أحب الماضي والتاريخ فعمل للغد والمستقبل.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.