ثقافة وفن عدد الفلكلور

التأثير الإفريقي على الموسيقى الخليجية

كيف ساهم الخليجيون من أصول إفريقية في فنون المنطقة؟

ِEnglish

بقلم شريفة الهنائي

نُشرت النسخة الأصلية لهذا المقال على سكة في فبراير ٢٠١٨ باللغة الإنجليزية.

هيمن الراقصون، والمطربون، والموسيقيون الخليجيون من أصول إفريقية على صناعة الموسيقى الخليجية منذ بداية ظهورها في القرن العشرين. الصورة: الأرشيف الوطني في أبوظبي.

إذا كنت من مرتادي المهرجانات التراثية أو الاحتفالات الوطنية لبلدان الخليج العربي، إذن فمن المؤكد أنك شاهدت «الليوه»، إحدى الرقصات التقليدية المنتشرة في المنطقة، والتي تُؤدّى فيها منذ أكثر من قرن.

تبدأ الرقصة بالعزف على آلة السرناي، حيث تُعزف فرديًّا لبضع دقائق، ثم يبدأ الرجال واحدًا تلو الآخر بتكوين دائرة حول العازف والالتفاف حوله بشكل دائري في اتجاه عقارب الساعة. يتقدم الراقصون خطوتين للأمام، ثم يعودون خطوتين للخلف، ثم يتقدمون خطوتين للأمام، ثم يعودون خطوتين للخلف، وهكذا، بينما يغنون على ألحان الموسيقى. ويقال إن سبب تسمية الرقصة بـ «الليوه» هو الحركة الدائرية التي يؤديها الراقصون.

إن الكلمات التي يغنونها أثناء تأدية رقصة «الليوه» تكون مفهومة أحيانًا وغير مفهومة في أحيان أخرى، ومن أشهر الأناشيد التراثية التي تُغنّى في المنطقة هي:

«فيروز الغالي ساروا يبيعونه

يا الله بهبوب الغربي إن شاء الله يردونه».

إن غالبية المشاركين بالرقصة هم راقصون خليجيون من أصول إفريقية، أو كما يسميهم بعض الباحثين (Gulfricans). في الحقيقة، لقد هيمن الراقصون، والمطربون، والموسيقيون الخليجيون من أصول إفريقية على صناعة الموسيقى الخليجية منذ بداية ظهورها في القرن العشرين، وأمثلة على هؤلاء: المطربة الكويتية عايشة المرطة، والمطربة السعودية عتاب، وبعض أفراد الفرقة الكويتية «ميامي». 

إذن، ما هو السبب وراء هذه الهيمنة؟ ومن هو الفيروز الذي يغني عنه مطربو الليوه؟ ولماذا هو مهم للغاية؟ لمعرفة الإجابة، يجب أن نرجع قليلًا في الزمن. 

العلاقة التاريخية بين منطقة الخليج العربي وإفريقيا

مدينة دبي قديمًا. الصورة: الأرشيف الوطني في أبوظبي.

على الرغم من وجود بحر يفصل بين القارتين إلا أن العلاقة بين الخليج العربي والقارة الإفريقية قديمة قدم الزمن. وعبر آلاف السنين سافر العرب إلى إفريقيا من أجل التجارة وتحسين مستوى المعيشة، والعكس صحيح أيضًا، حيث اختلفت العوامل المؤثرة في هذه العلاقة من فترة لأخرى.

كانت تجارة الرق هي المحرك الرئيسي للتجارة في منتصف القرن التاسع عشر وفي الربع الأول من القرن العشرين. «مع ارتفاع الطلب العالمي على شراء التمور واللآلئ، ارتفع الطلب على الرق، وأتى غالبيتهم  من شرق إفريقيا»، كما ذكر ماثيو هوبر في كتابه «عبيد سيد واحد: العولمة والرقيق في جزيرة العرب في عصر الإمبراطورية». وأضاف: «ونتيجة لذلك، زاد انتقال الأفارقة إلى الخليج إلى حد كبير في تلك الفترة حتى مثلوا خُمس تعداد سكان شبه الجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين». 

عمل الكثير من الرجال الإفريقيون في صناعة والتنقيب عن اللآلئ في فصل الصيف، وفي الزراعة والصيد ورعاية الأغنام في فصل الشتاء.الصورة: الأرشيف الوطني في أبوظبي.

عمل الكثير من الرجال الإفريقيون في صناعة والتنقيب عن اللآلئ في فصل الصيف، وفي الزراعة والصيد ورعاية الأغنام في فصل الشتاء. واستطاعوا الاندماج في  المجتمع الخليجي والتمكن من اللغة العربية واللهجات الخليجية، واعتنق غير المسلمين منهم الدين الإسلامي. وفي مطلع القرن العشرين، وصف الرحالة والضباط البريطانيون حالة التجانس بين المجتمع الخليجي في المدن الساحلية، مثل دبي، فقالوا إنهم لم  يروا أن الإفريقيين وأحفادهم اختلفوا عن الخليجيين في الملبس أو طريقة الكلام . 

الموسيقى كشكل من أشكال التواصل مع إفريقيا

وعلى رغم اندماجهم في المجتمع، ظل الإفريقيون متمسكين بأهم عنصر يميزهم عن غيرهم، بخلاف لون البشرة وهو: الموسيقى، كما قالت الدكتورة الإماراتية عائشة بالخير، الحاصلة على درجة الدكتوراه في التاريخ الاجتماعي لمدينة دبي، حيث كانت التجربة الخليجية أحد أهم مجالات بحثها، خصوصًا التجربة «الإفريقية – الإماراتية» كما أسمَتها، فقد أمضت سنوات عديدة في بحث وتوثيق تاريخ الإماراتيين من أصول إفريقية وتجربتهم، ونشرت أكثر من أربع أوراق بحثية في هذا الموضوع وحده. 

 كانت الليوه أحد أنواع الفنون التي انتقلت من إفريقيا إلى الخليج العربي، وقالت الدكتورة بالخير: «ما زالت الرقصة تؤدّى بنفس طريقة البلدان الإفريقية، مثل تنزانيا وكينيا». وأضافت: «هناك نوع آخر من الرقص يسمى النوبان ونشأته الأصلية في النوبة». النوبان هي رقصة تتميز باستخدام الطنبورة والطبول لإصدار موسيقى يرقص عليها راقص المنيور (المنيور هو حزام مصنوع من حوافر الماعز أو الأغنام ويرتديه الراقص حول خصره ليصدر به صوت قعقعة أثناء الرقص)».

بالنسبة إلى الخليجيين من أصول إفريقية، فقد خدمت الموسيقى العديد من الأهداف، كما  قالت الدكتورة بالخير: «لقد أبقتهم على اتصال بأسلافهم»، إذ كانت الأغاني تؤدى غالبًا باللغات الإفريقية (اللغة السواحيلية في المقام الأول)، مما جعل بعض الأغاني غير مفهومة للمتحدثين باللغة العربية. وأضافت الدكتورة بالخير: «كما استخدموها للتعبير عن أنفسهم ومشاركة تجاربهم وثقافتهم»، وذكرت أنشودة الليوه التي ذكرتَها  في الأعلى كنموذج للتعريف بتواجدهم في المجتمع، فهي تحكي عن رجل يدعى فيروز تم بيعه كعبد، وأُخذ بعيدًا عن أحبابه». 

وتروي  الدكتورة بالخير أن من المثير للدهشة أن بعض الغواصين، عند عودتهم من  رحلة الغوص التي كانت تستغرق شهورًا، كانوا يذهبون مباشرة لمقر تواجد المجموعات الموسيقية، حتى قبل عودتهم إلى زوجاتهم وأبنائهم، وذلك لإشباع حنينهم إلى الموسيقى. والجدير بالذكر أن هذه الظاهرة لم تكن موجودة بين الغواصين من غير الأفارقة، كما نوهت الدكتورة بالخير. 

تنوع الثقافات ومشاركة الفنون 

ومع ذلك سمح الخليجيون من أصول إفريقية لغيرهم بمشاهدتهم ومشاركتهم أنواع الفنون المختلفة: «والغالبية العظمى أُعجبوا بالذوق الإفريقي في الموسيقى لأنها كانت احتفالية وترفيهية»، كما قالت الدكتورة بالخير. 

وعلى الرغم من ذلك، امتنع العديد من الخليجيين عن المشاركة في الرقص والغناء لأنه كان من العيب عند الكثير منهم أن يشارك الرجال والنساء الغناء أو الرقص بلا سبب أو هدف، أما بالنسبة للفنون الخليجية التقليدية فتتميز بطريقة الغناء «الأكابيلا» في المقام الأول، والتي يستخدمونها للتحفيز على إنجاز العمل، أو للتعبير عن الفخر بقبيلتهم،  أو للتعبير عن قوتهم في الحروب. ولكن، بالطبع تغيّر هذا الأمر في هذه الأيام. «ومن ناحية أخرى، كانت إفريقيا معروفة بإقامة حفل لكل مناسبة»،أضافت الدكتورة بالخير ضاحكة.

احتفال بالعيد الوطني في الإمارات العربية المتحدة. الصورة: الأرشيف الوطني في أبوظبي.

وكذلك، أشرك الخليجيون الخليجيين من أصول أفريقية في فنونهم الخاصة، بما في ذلك العيالة، واليولة، والرزفة في عُمان والإمارات العربية المتحدة. وشمل ذلك «النهمة» أيضًا، وهي نوع من أنواع الفنون والتي اشتهرت في المنطقة تاريخيًا، خاصة في مواسم الغوص وصيد اللؤلؤ. 

أما النهام فهو المطرب الذي كان  موجود على سطح السفينة، وكان عمله الوحيد هو الغناء يومًا بعد يوم على سطح السفينة لتحفيز البحارة والغواصين عند شعورهم بالتعب واليأس، ومنحهم الأمل في أيام الإبحار العصيبة، كما شرحت  الدكتورة بالخير. لذا كان النهامون يُختارون على أساس هويتهم الإفريقية؛ وذلك بسبب أصواتهم القوية والعميقة، وأضافت الدكتورة بالخير أنه: «كان من متطلبات عمل النهامين الغناء بلغة أخرى (العربية) غير لغتهم الأصلية، ولكنهم استطاعوا وضع نكهتهم الخاصة ومشاعرهم الرائعة في هذه الأغاني. لذا كان النهام يغني بذوق إفريقي وبكلمات خليجية». 

التراث الفني الخاص بالخليجيين من أصول إفريقية

لقد أضاف الخليجيون من أصول إفريقية الحيوية لأشكال الفنون في المنطقة، كما نوهت الدكتورة بالخير، عبر إيقاعهم المميز، واستخدامهم لآلات القرع الخماسي- وهي الآلات التي أحضروها معهم من إفريقيا، أو التي صنعوها واستخدموها (هي آلات معينة للقرع وطبول مستخدمة حتى اليوم)، ومن خلال الرقصات التي أدوها. وأضافت: «لقد طبَّعوا الغناء والرقص في المنطقة عبر ذلك». 

وفي ذلك الصدد قالت الدكتورة بالخير: «إن المطربين الرجال من الخليجيين من أصول إفريقية، وخصوصًا النساء في القرن العشرين مثل: عايشة المرطة في الكويت، وموزة سعيد في الإمارات، وموزة خميس في عُمان، وعتاب في المملكة العربية السعودية، قد تحدّين الزمن؛ إذ كان من غير المقبول أن تغني النساء أو يظهرن أمام الرجال والعالم  آنها. أما الآن فقد فتح هؤلاء الرواد الباب للمطربين الآخرين ليحذوا حذوهم». وتذكر: «إن الشائع هذه الأيام، هم الموسيقيون الشباب الذين يؤدون ويغنون الألحان والموسيقى الحديثة، مثل حسين الجسمي، وبلقيس فتحي».


شريفة الهنائي هي الشريكة المؤسسة لسكة والمحررة الإدارية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال مترجم من الإنجليزية.