آراء عدد الفلكلور

لهذا السبب أحب قصص الجِن

قصص الجن جزء من السمات المميزة لنا كعرب، فلماذا قد نتضايق منها؟

English

بقلم ليلى مصطفى

الصورة: Unsplash.

«احرصي على أن تكوني في المنزل قبل المغرب، اتفقنا؟ فكما تعلمين، الجن يخرجون عندئذ».

«لا تقضي وقتًا طويلاً في الحمام؛ سوف يراكِ الجن»

«لا تخطين إلى داخل ذلك المنزل بعد منتصف الليل، فالجن سيكونون في كل مكان!».

صحيح أنَّنا لا نستطيع رؤية الجن، إلا أنَّ قصصهم شكلت جزءًا من حياتنا على مر الأجيال. لكن بالنسبة لكثيرين منَّا في المنطقة العربية (وخارجها)، يعبّر الجن عن كل ما هو سيء وشرير في العالم، حيث تشكلت أفكارنا ومخاوفنا من الجن من قصص الرعب والحكايات التحذيرية التي تربينا عليها في صغرنا، سواء كانت حكايات أم الصبيان التي يُعتقد أنها جنية تخطف الأطفال الذين يتواجدون بمفردهم، أو خطاف رفاي، وهو جني يُعتقد أنه يُغرِق الناس في البحر. ولأنَّني مصرية نشأت في الإمارات العربية المتحدة، كانت الحكاية الشعبية التي سمعتها مرارًا وتكرارًا في طفولتي من أفراد عائلتي هي قصة الندّاهة، وهي أسطورة حديثة لـجنية تتمثل في صورة امرأة يُقال إنها تنادي الرجال لنهر النيل في مصر وتستدرجهم إلى حتفهم.

بعيدًا عن حقيقة أنَّ كل واحد منَّا قد سمع عن الجن من عائلاتنا وأصدقائنا، فإنَّ وجودهم أملى علينا جزءًا كبيرًا من حياتنا وحدد الطريقة التي نعيشها بها. عن نفسي، أعلم أنَّ وجود الجن لا يزال يملي علينا الطريقة التي نعيش بها أنا وصديقاتي حياتنا، فنحن مُجبرات على العودة إلى المنزل وعدم الخروج عند غروب الشمس، وهذا مجرد مثال من بين أمثلة كثيرة ولَّدت لدى بعضنا شعورًا بالاستياء.

بالطبع لا يمكنني لوم والدينا وعائلاتنا على تصديق مثل هذه القصص عن الجن لأنَّهم توارثوا هذه الحكايات الخرافية أبًا عن جد. وسواءً أعجبنا ذلك أم لا، فإنَّ قصص الرعب وحكايات السمر حول النيران هذه هي ما كوّنت شخصياتنا، وربطت بيننا بثقافة واحدة، وشكّلت جزءًا من تراثنا الشفهي. وإذا ما أخذنا ذلك بعين الاعتبار، سنجد أنَّ هذه القصص – جنبًا إلى جنب مع الفنون والموسيقى والأشكال الأخرى من التقاليد والموروثات الشفهية – هي جزء من السمات المميزة لنا كعرب، فلماذا قد نتضايق منها؟

صحيح أنَّه يمكن القول إن هذه الخرافات تتحكم في حياتنا وتضعها تحت رحمة بعض الأساطير، إلا أنَّ بوسعنا أيضًا أن نختار النظر إلى الجانب المشرق، وأن نلاحظ تأثيرها الإيجابي علينا كمجتمع عربي؛ بوسعنا التركيزعلى الطريقة التي تشكّل بها قصص الجن ثقافتنا وتوسع مداركنا وتفتح الأفق أمامنا للإبداع، وبوسعنا أيضًا أن نرى كيف تلهمنا هذه القصص كمبدعين وتجعلنا نصيغها للعرض في أفلام الرعب والقصص القصيرة والأفلام السينمائية وغيرها الكثير. أنا شخصيًا أشعر بالفخر عندما أرى حكايات الرعب الخاصة بنا معروضة في أفلام ومسلسلات مثل «ما وراء الطبيعة» على «نتلفيكس»، والمستوحى من سلسلة من القصص القصيرة للكاتب المصري الراحل أحمد خالد توفيق. وأشعر أيضًا بالسعادة عندما أقرأ أنَّ السائحين قطعوا مسافة طويلة لزيارة بيوتنا المسكونة وقصورنا المخيفة المزعومة، وأشعر بالفخر كلما رأيت مقالات وقصص مكتوبة عن العرب وثقافتنا.

بالطبع، يمكنني أيضًا تفهُّم سبب كره بعض الناس لرؤية قصص الجن تنتشر بين الناس ويتم تصويرها على أنَّها جزء من ثقافتنا؛ إذ إنَّها قد تجعل الناس ينظرون إلينا على أنَّنا مجتمع «رجعي»، ناهيك عن أنَّها تتحكم سلبًا في حياتنا، وهذا ليس بالأمر الهيّن. ومع ذلك، أعتقد أنَّ علينا أن نتفهم أنَّ حكايات الجن تشكل جزءًا كبيرًا من تراثنا الشعبي – بغض النظر عن مدى تأثيرها علينا – وبدونها، سنفقد جزء كبير من هويتنا. ولهذا السبب بالتحديد، أرى أنَّه يجب علينا أن نحتفي بأجدادنا والأجيال الماضية الذين نقلوا حكاياتهم إلينا، واستطاعوا التأثير في العالم وتشكيل المجتمع الزاخر بالثقافات الذي نحن عليه اليوم.


ليلى مصطفى كاتبة مصرية وطالبة أدب في الجامعة الأمريكية في الشارقة، تهتم بالفن، والثقافة، والمسرح، والأدب المعاصر.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال تُرجم من الإنجليزية.