آراء

مريم الشحي: لماذا يستوطن الحب قصائدي وكتاباتي؟

بين مكتبتي التي تبتلع كتبًا رومانسية وقلمي الذي يأبى الكتابة في غير الحُب، أقف أنا، ومحاولات فهم كيف وصلت هنا، وأين سأكون وقلمي بعد بضعة سنوات، عندما أتحرر من قيود الحُب.

بقلم مريم الشحي

الصورة: Shutterstock.

أقف بين مكتبتي الممتلئة إلى حد الشبع وبين كتاباتي، فأرى أن الرومانسية تتربع في المنتصف، محتلة مساحة شاسعة بين الاثنين. أعود خطوة إلى الوراء وأفكر: لماذا كل كتاباتي وقصائدي يستوطنها الحُب؟ وكيف استوطنني الحُب إلى أن وصل لقلمي؟ أرجع خطوة أخرى (قبل الكتابة) وأرى مكتبتي التي تحتضن نزار قباني وأحلام مستغانمي وأثير عبد الله النشمي وبثينة العيسى وغيرهم. هنا، ينتابني شعور بأن كتاباتي وكتبي بينهم حبل قوي، وأنا في المنتصف بينهما، فأتساءل : إلى أي مدى يؤثر ما نقرأه على ما نكتبه؟

بداياتي الأدبية كانت في صفوف محاضرات آخر سنة جامعية. كانت والدتي حامل بي في الأشهر الأخيرة وهي تؤدي امتحاناتها الجامعية، وتحفظ دروسها بكل شغف،  لأحفظ معها مرارًا وتكرارًا. تعلمت النطق قبل كل من حولي، خصوصًا لأني لم أتم الرابعة قبل بدء السنة الدراسية ولأن والدتي لم تكن تعمل آنذاك، فلحسن حظي، تعلمت القراءة والكتابة ورددت «طائر النورس حلِّق حلِّق» قبل أن أدخل المدرسة. تعلمت القرآن واللغة والرياضيات، وكل ما يمكن تعلمه في سن الثالثة، حتى تفوقت على جميع أقراني في كل صف دراسي. كبرت على صوت والدي وهو يردد «الأماكن كلها مشتاقة لك» لمحمد عبده، وعلى رقصات أمي وهي تدندن «زيديني عشقًا زيديني» التي غناها القيصر كاظم الساهر. ولأن أمي كبرت بين أحضان روايات عبير وقصائد شهرزاد ونزار القباني ومانع سعيد العتيبة، كنت أختلس نظرة بين الفينة والأخرى على كتبها التي ملأت بيتنا، وبيت جدتي. أسترجع أيضاً تعلقي باللغة العربية بدءًا من «عمي منصور النجار» ، وانتهاءً بحلمي الذي ما زال بأن أحفظ ألفية ابن مالك.

قد يعجبك أيضًا:

ما زلت أتذكر أول رواية سمحت لي أمي بأن أبتاعها – «أحببتك أكثر مما ينبغي» لأثير عبد الله النشمي- بعد تحذير لطيف بأن لا أدع الروايات الرومنسية تأسرني في عالمها وتخدعني بكلماتها المعسولة، خصوصًا أنني كنت عاطفية جدًا ومتلهفة للخوض في عالم الحب وأنا على مشارف المراهقة. أما أبي، فكان يخشى علي من الكتب. كان يحرص بأن يصطحبني إلى المكتبة ليتمكن من تفحص العنوان، والغلاف، والصفحات الأولى والأخيرة، لأحصل على «لا» بعد أن أختار روايات أحلام مستغانمي بين كل الكتب. كان يخاف على من أحلام مستغانمي.. ويخاف علي من الحب أيضاً.. كل « لا» زادتني فضولاً على فضولي، وكل «لا» دفعتني للغوص في بحر الممنوعات، فكما يقولون: «كل ممنوع مرغوب».

كبرت في أحضان الكتب الرومانسية منذ بداية مراهقتي، فامتلأت رفوفي بكتب نزار قباني وفاروق جويدة وبدر شاكر السياب وروايات أثير النشمي ومحمد السالم والممنوعة المرغوبة التي كبرت عشرين سنة بعد كل كتاب لها: أحلام مستغانمي. ولم أكتف إلى هذا الحد؛ قرأت القصائد الممنوعة والمحظورة، و الكتب التي طُبع عليها «يمنع بيعه للرجال»، أو التي اشتهرت لأن هيئة رقابة النشر رفضتها. انغمست أيضًا في روايات أجنبية مثل التي يكتبها جون غرين و مسرحيات شيكسبير وحتی الأفلام التي اقتبست من روايات مثل «ذا نوتبوك». كان الحُب مستوطني الأوحد، وكنت أنا دولة مراهقة ترضخ لكمية الحب التي قرأت عنها منذ سن الثاني عشرة. قائمة الكتب التي كنت أبحث عنها دائماً كانت نادرة وتوجد في مصر أو العراق فقط، ومقارنة بأصدقائي، كان ذوقي شاذًا عما كانوا يقرأونه من روايات تليق بمراهقات في أول سنواتهن. لم أعرف أي أحد يقرأ لأحلام مستغانمي، ولم أجد أيضاً أي شخص يفهم ما أعنيه عندما أقول «الأسود يليق بك».

كتبت أول قصيدة لي في سن الخامس عشرة والتي عنوانها « أسنمضي يومًا؟» وأبدأ فيها:

وتركتكُ، على الرغم من قلبي.. فَقل لي بِربك كيف سنمضي؟

أنا وقلبي، الذي نَسيته بجانب قلبك..

أبى أن يكتفي من حبك..

فَقُلْ لي بِرَبِّك كيف سَنَمْضي، أنا وقلبي..

بربي، ما الذي كنت أعرفه عن الحُب؟ ولماذا الحُب في أول قصيدة أفكر في كتاباتها، وأنا التي قرأت للمتنبي وحسان بن ثابت وأبي فراس الحمداني وغيرهم؟ لماذا أسلك درب القباني ومستغانمي وأغني الأطلال «يا فؤادي لا تسل أين الهوى» في سن يغني فيه رفاقي غير ذلك؟

بعد القصيدة الأولى، كتبت أكثر من ٥٠ قصيدة وأكاد أجزم أن أكثر من ٤٠ قصيدة منها عن الحب. استوطنني الحب إلى أن استولى على قلمي، فكتبت قصائد ذات عناوين تشبه « ياحزن ياحبيبي الأولي» و « مريم في الريف الفرنسي» وغيرهم.. وكتبت مقالات بعنوانين تشبه «كيف يكتب العاصي قصيدة» و «حديث مع زيتونة عن السلام» وأنا ما زلت في عمر يُعد بالأصابع..أستيقظ كل يوم على بيت يتربع الحائط أعلى رأسي، «هل يولد الشعراء من رحم الشقاء»، التي أحفظ قصيدتها ، قصيدة بلقيس، ظهرًا وبطنًا، وأتأمل لساعات قبر الراحلة بلقيس (زوجة القباني) الذي أصبح أسير حائطي. الحب يحوطني من فوقي ومن تحتي، عن يميني وعن شمالي..

بين مكتبتي التي تبتلع كتباً رومانسية وقلمي الذي يأبى الكتابة في غير الحُب، أقف أنا، ومحاولات فهم كيف وصلت هنا، وأين سأكون وقلمي بعد بضعة سنوات، عندما أتحرر من قيود الحُب. تلتقي الكتب التي تربيت في أحضانها وقصائدي التي (ربما) تخرج من رحم الشقاء، فيهمسان لي عن علاقة سرية جمعت بينهما لسنوات طويلة، دون علم مني ورغم أنفي. أتأمل مطولًا العلاقة التي حدثت وأفكر في كل ما لم أقرأه، وما لم أكتب عنه.. ورغم أنف تلك الفكرة، أبتسم، لأن القراءة والكتابة في الحُب أعطتني تاريخًا طويل الأمد مع الأدب.. الحُب طريق عرّفني على كل الطرق، على مختلف الكتابات، على دراسة الأدب والكتابة الإبداعية في الجامعة..على الحب ذاته.. ربما يعتقد من يقرأ لي الآن أن الحب أمكنني من العيش والبقاء، وأنا ممتنة لأن هذه الفكرة جميلة إلى أبعد حد.. وإلى أبعد حبّ.


مريم الشحي هي كاتبة إماراتية تدرس العلوم السياسية والأدب- فرع الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك أبوظبي. «ابنة جبال رأس الخيمة»، ولكن، كونها ولدت وعاشت في أبوظبي، دائما تجد نفسها بين البحار والجبال. مؤدية في مسرحيات، عرض موسيقي، ومحررة لمجلة عربية، هي شغوفة بالمشهد الثقافي/الفني، حيث استثمرت طاقاتها في أشكال مختلفة من التعبير عن الذات. هي حاليًا متدربة في سكة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.