آراء

إلى يدوه والعالم أجمع: أنا مشخصة بالأنوروكسيا

«كنت أستيقظ في منتصف الليل لأتأكد من حجم خصري»

English

بقلم مريم الشحي

*يدوه: مصطلح يُستخدم في بعض المناطق الخليجية ويعني «الجَدة».

تحذير:  هذا المقال يتناول تجربة شخصية مع الأنوروكسيا قد تكون غير لائقة للبعض.

تنويه: هذا المقال عبارة عن رأي شخصي وتجربة شخصية لشخص غير مختص ، ولا يُغني المقال عن اللجوء للمساعدة الطبية، والنفسية، واتباع نصائح المختصين. 

الصورة: Canva.

لازمني لقب «الصحية» بين أفراد عائلتي منذ سنوات الطفولة الأولى، فكنت دائمًا أفضّل تناول الفواكه على الحلويات منذ أن كان عمري ٥ سنوات، والرياضة على التبضع في سن المراهقة، وعاهدت نفسي ألاّ أتناول الوجبات السريعة رغم أنف مغريات الحياة. كنت نباتية لشهر في عام ٢٠١٩، وتوقفت عن تناول الأرز منذ سنتان (ولكم أن تتخيلوا صعوبة الأمر لعربية مثلي)، وأختار الجرجير عوضًا عن البطاطا المقلية، وتتربّع الكينوا في المرتبة الأولى عندي.

أنا متعلقة بلقب «الصحية» الذي داومني منذ نعومة أظافري، لذلك فرضت على نفسي خلال السنوات الماضية قوانين صارمة تضع خطًا أحمرًا  عريضًا بين «نعم» و «لا»، تحديت من خلالها نطاق (ونقاط) قوتي وإمكانياتي؛ تحديات أرغمتني على إعادة هيكلة مفهومي مع الطعام وعلاقتي مع جسدي.

ستقولون أنها حياة مثالية لأنها خالية من مغريات الحياة، أليس كذلك؟ ولكن الوضع لم يكن كذلك عندما أصبحت صحتي ضحية الأمر.

«كل شيء كان تحدٍ بالنسبة لأثبت لنفسي مدى تحملي وقدرتي على ضبط ما استهلكه»

ضحكت بشدة في المرة الأولى التي سمعت فيها عن مصطلح « Freshman 15»  في ٢٠١٩، وهو مصطلح أمريكي يُستخدم للإشارة إلى عدد الرطلات (١٥) التي عادة ما يكسبها الطالب خلال سنته الأولى في الجامعة. ضحكتي تلك (التي لا تزال تتردد على مسمعي) كانت ضحكة مُغلَّفة بالتوتر، خانقةً قدرتي على استيعاب ١٥ رطل (ما يعادل ٧ كيلوغرامات تقريبًا ) التي قد أكسبها. كطبيعة حالتي، وضعت هذا التحدي على رأس قائمة التحديات، معطية له الأهمية الأولى والأخيرة. كل شيء كان تحدٍ بالنسبة لي لأثبت لنفسي مدى تحملي وقدرتي على ضبط ما كنت أستهلكه، فكيف كنت سأسمح لمريم أن تعيق طريقها ب ٧ كيلوغرامات؟ 

ورغم أن كل التحديات التي سبقت هذا التحدي كانت ممتعة، كان جسدي يصغي بلا وعي منه، متأثرًا بالأفكار التي غذتها التحديات واحدة تلو الأخرى، إلى أن انحدر إلى طريق الأكل المضطرب واضطراب الأكل بعد ذلك. بالنسبة لي، أجبرت الأنوروكسيا (التي عادة تُترجم  بطريقة خاطئة على أنها فقدان الشهية وهي أكبر من ذلك)- التي تسللت خلف هلعي الشديد من كسب ٧ كيلوغرامات- جسدي على تناول وجبة واحدة خلال اليوم. ونتيجة لذلك، كوّن جسدي ردة فعل تجاه مادة اللاكتوز، وأجبرني على مقاطعة الشخص الوحيد الذي كنت قد أدخلته عالم تناولي للطعام، وهي أخصائية التغذية، لأني كنت مرعبة من فكرة تناول ثلاث وجبات في اليوم، ووجبات خفيفة بحجم كف اليد.

جائحة كوفيد-١٩ كانت سببًا لتدهور حالتي. حين كنت عالقة في المنزل بين هاتفي النقال ومرآتي، قضيت الكثير من الوقت في رؤية صور لأجساد الرياضيين «الصحيين» وعارضات الأزياء بقاماتهن الطويلة على وسائل التواصل الإجتماعي،  وبدأت بمقارنة انعكاستي في المرآة بتلك الصور التي رسخت في ذهني. أصبحت أنتبه إلى أدق تفاصيل جسمي إلى أن شعرت بأني غير راضية عما أراه وألاحظه. كنت أستيقظ في منتصف الليل لأتأكد من حجم خصري، وإذا ما كانت عظام قفصي الصدري بارزة أم لا. تماريني الرياضية العادية تحولت إلى تمارين أمارسها كل يوم في السادسة صباحًا، بعد ليالٍ لم يغمض لي جفن فيها. كنت أعد وأحصي كل ما أتناوله: «١، ٢، ٣، ٤، ٥». المثير للاهتمام هنا أن الرقم ١ من أصل ٥ لم يكن يرمز إلى عدد السندويشات التي كنت أتناولها، بل لعدد حبات الطماطم الصغيرة التي تناولتها، أو رشفات الشاي التي كنت قد احتسيتها خلال اليوم!

 تحولت حياتي إلى لعبة أرقام: كنت أعد التمارين الرياضية القاسية التي أمارسها كل اليوم، وكمية الطعام التي كنت آكلها خلال يومي.

قد يُعجبك أيضًا:

قبل أن أصل إلى مرحلة من الوعي العالي (بعد سنة تقريبًا من عدة تشخيصات طبية بالأنوروكسيا)، كنت أستمتع بالأرقام التي أراها تنقص بشدة من على الميزان كل يوم. كنت أستمتع أيضًا بإجبار نفسي على ممارسة الرياضة لأكثر من ثلاث ساعات يوميًا، وبالتعليقات التي كنت أقرأها عن شكل جسمي، وبتغذية عقلي بكل التحديات والتعليقات التي أدخلتني عالمًا آخرًا وسط التغيرات التي داهمت العالم وفوضى الجائحة. لشهور عدة، كان هذا عاديًا جدًا؛ كنت معتادة على التحديات وكان هذا تحدٍ آخر بالنسبة لي.

كل هذا تغير عندما أدركت بأن شعري بدأ يتساقط بشدة.

«كنت مرعبة من فكرة تناول ثلاث وجبات في اليوم، ووجبات خفيفة بحجم كف اليد»

لطالما كان شعري كنزًا علمتني أمي الاهتمام به وكأنه نبتة أربيها، أغذيها بالحناء وأمطرها بالزيوت كل جمعة. كل جمعة بلا استثناء. الشعر الذي لا أسمح لأحد أن يراه، الذي يجب أن يُغطى لكيلا تدركه عين الحسد، والشعر الذي لن يُقص أبدًا.. الشعر الذي أصبح يتساقط أمام عيني، خصلة تلو خصلة، بعد ١٩ سنة من الحب والاهتمام التي لا يضاهيها شيء. هنا أدركت أن التحديات قد ضرّت صحتي، ولم تعد صحية ولا عادية أبدًا. أمام ذات المرآة التي لاحظت فيها أدق تفاصيل جسدي، بدأت أواجه نفسي رغم أنف صعوبة المواجهة. ورغم أني كنت قد شُخصت باضطراب الأكل لمدة سنة قبلها، مواجهة نفسي كان أول تحدٍ لي على ناصية قائمة التحديات الجديدة.  

ألزمتني فكرة المواجهة على أمور عدة، أولها الوقوف أمام ذات المرآة التي عكست صورة غير حقيقية عني، ثانيها قول: «أنا مشخصة بالأنوروكسيا» بصوتٍ عالٍ، وتصديق ما تلفظته. ورغم أني سمعت خمسة أطباء يشخصونني بهذا الاضطراب من قبل، إلا أنني لم أصدق ما قالوه.

ثالثًا، راجعت تصرفاتي التي أدت للسبع عشرة كيلوغرامات التي خسرتها، وبروز قفصي الصدري. لاحظت الأرقام التي كنت أكتبها كلما تناولت شيئًا، وكم مرة تفحصت وزني في اليوم، وكم مرة رفعت قميصي أمام المرآة. انتبهت أيضًا للتأكيدات السلبية التي غذتها التحديات، وأدركت أخيرًا كم كنت وحيدة حقًا في معاناتي.

كامرأة مشخصة باضطراب طعام، كان جسدي حائرًا في دوامة التجويع، ويواجه يوميًا جمل مثل: « أنتِ لا تستحقين الأكل لأنك لم تنهي عملك»، أو أي أسباب أخرى يخلقها عقلي. هذه الحرب المستمرة كانت تحدث في عزلة مع جسدي، دون علم من حولي من أهلي وأصدقائي.

بالنسبة لعائلة ليس لديها تاريخ اضطرابات في الأكل، شرح ما كنت أمر به كان حملًا ثقيلًا، أُزيح عن عاتقي ما أن شرحته.

وقفت أخيرًا للجملة الشائعة التي تضع الشيطان والمشاكل النفسية والجسدية في كفة واحدة، وسؤال: «لماذا تفسحين المجال للشيطان ليدمر عقلك؟ نحن نأكل ونشرب ونحمد الله على عطاياه، فلماذ لا تقطعين الدائرة؟»، وشرحت ما أمر به بقوة. ومن خلال ذلك تحررت أخيرًا من سلسلة الأكاذيب مثل «لقد أكلت بما فيه الكفاية»، و«أنا لست جائعة»، و«أنا لا أستحق الأكل»؛ جمل لازمتني كأعداء دون مرأى العالم.

فهم من حولي بما كنت أمر به ساعدني على محاربة معركتي الشخصية، خصوصًا لأنني لم أشعر بأني مضطرة للأكل أمامهم، ولأني لن أضطر لرسم ابتسامة كلما يدوه (جدتي) كانت تسألني لماذا لم ألمس أكلي. عوضًا عن تجنب هذه المحادثات، أدركت أنه يجب علينا خلق مساحة للحوار تشمل الجميع، بدءًا من أكبر أفراد العائلة لأصغرها.

«لماذا تفسحين المجال للشيطان ليدمر عقلك؟ نحن نأكل ونشرب ونحمد الله على عطاياه، فلماذا لا تقطعين الدائرة؟»

بدأت أيضًا رحلة التنقية التقنية، فتابعت مشاهير يروجون للوعي بالصحة النفسية والجسدية، وصحة المرأة الشاملة على منصة انستقرام. ورغم أن النظر إلى ذات المرآة دون عين ناقدة لم يكن سهلًا، لم أستسلم أمام صعوبة المحاولة وفشلها. كلما انتابتني حاجة ملحة لكتابة الخمس أشياء التي تناولتها خلال اليوم، أمسكت نفسي بصرامة. لقد قمت أيضًا بزيارة مريم المراهقة (المهووسة بالتحديات) لأتعلم من تجاربها وسلوكياتها الصحية مع الأكل. كانت تحب تحضير الوجبات، والرقص الشرقي، وشرب ليترات من الماء.. كنت أريد أن أكونها مجددًا.. مع توازن صحي لن يتحول لسلوك مضر، ولن يُصنف ضمن اضطرابات الأكل.

وأخيرًا وجدت تحدٍ جديد: التغلب على الأنوروكسيا!

مواجهة نفسي ومن حولي والوصول إلى مرحلة الوعي قادتني إلى بناء علاقة قوية مع جسدي. ورغم أن هذه العلاقة تمر بدرب غير مستقيم، إلا أنها بنت جسر تواصلٍ بيني وبين جسدي، لأعطيه كل الحب والاهتمام. يبدأ الأمر بملاحظة التفاصيل الصغيرة، وينتهي بحضن كبير نعطيه لجسد يستحق كل الحب والاهتمام. اليوم، قلبي ينبض بقوة وجسدي يرتجف، ولكنني رغم أنف ذلك سأنشر على صفحاتي على مواقع التواصل الاجتماعي مقالتي هذه عن اضطرابات الأكل، التي أقول فيها للمرة الأولى إلى يدوه وكل العالم: أنا مشخصة باضطراب في الأكل وأنا أحارب واحدًا اليوم. 

إذا كان لديك اضطراب في الأكل، أو شعرت أنك/أحداً تعرفه قد يُشخص بذلك، فلا تتردد في طلب المساعدة من الأطباء والمختصين. إنه جسدك، صديقك/عائلتك، وصحتك النفسية والجسدية. كن بخير.


مريم الشحي كاتبة إماراتية تدرس العلوم السياسية والأدب والكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك أبوظبي. ابنة جبال رأس الخيمة، ولدت ونشأت مريم في أبو ظبي, فوجدت نفسها تعيش في الأرض الواقعة بين البحار والجبال. مريم شغوفة  بالفنون والثقافة، وتستخدم قنوات مختلفة للتعبير عن ذاتها. شاركت مريم في مسرحيات وعرض غنائي، وهي محررة في مجلة عربية أيضًا. هي حاليًا متدربة في سكة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال تُرجم من الإنجليزية.