آراء

ماذا يعني أن تكون رجل نسوي في مجتمع عربي؟

حديث مع بعض هؤلاء عن سبب اتجاههم الفكري وعن العقبات التي يواجهونها عند التعبير عنه

بقلم وفاء خيري

الصورة: Canva.

قبل أن أبدأ كتابة هذا المقال بوقت قليل، كنت في جدال مع والدتي وأختي. كانت أختي تتحدث معنا حول قصة مسلسل عربي بطله رجل يشارك زوجته في أعمال المنزل مضطرًا حتى تَعب نفسيًا من كثرة الضغوطات وذهب للطبيب النفسي، كما ذَكرت نظرة المجتمع المنقوصة له؛ لأنه رجل ويقوم بالأعمال المنزلية! بعد أن ناقشت أمي في تطرف فكرة المسلسل وذكوريتها هاجمتني مرتابة وقالت لي أن «أفكارك مُخيفة ومتطرفة» لمجرد أني أرغب بشريك حياة يُقاسمني أعمال المنزل!

أفكار أمي لا تختلف كثيرًا عن أفكار الكثير، فهي ترى أن الرجل هو السيد وهو الأعلى مرتبة ولهذا يجب أن يُخدم لا أن يُعامل بشكل عادي أو يخدم نفسه حتى! وها نحن في هذا الصراع المجتمعي الذي يعلو صوته كل يوم، فكر نسوي يريد أن يحصل على حقه في الحياة وأشخاص يسحقون النساء ويقهرون كل تصرفاتهن يومًا بعد يوم. وسط كل ذلك يظهر بعض الرجال الِنسويين الداعمين للمرأة في المجتمع، فكيف هو حالهم؟ قررت النظر إلى هذه الجانب والتحدث مع بعض هؤلاء عن سبب اتجاههم الفكري وعن العقبات التي يواجهونها عند التعبير عنه.

قد يعجبك أيضًا:

 في وطننا العربي الذكوري يوجد قلة من الرجال النسويين، لأن المناخ العام في البلاد العربية يؤثر على الجميع، فينشأ الكثير من الأطفال منذ الصغر ولديهم أفكار واعتقادات تُحقر من شأن الأنثى وتُملي لهم أنهم الأفضل والأكثر استحقاقًا في كل شيء، ولما يحدث ذلك يجد كثيرين منطقية في الأفكار التي يقتنعون بها، عوضًا عن اعتبار المرأة هي الشرف والعار وأن مساواتهم بالنساء سيجعل النساء بلا حاكم ولا رادع ويضيع كل شيء، وهذا أمر كارثي. 

 يروي أحمد عرفات (٢١ عامًا)، مصري تربى في السعودية، «كنت شاب أعوج وذكوري ولكن تدريجيًا تغيرت أفكاري وعرفت أنها كلها أفكار مغلوطة وسامة ولهذا أصبحت أتبنى الفكر الحقوقي بعد مروري بعدة تجارب أدركت خلالها خطأي وغفلتي». يُرجع أحمد الفضل في ذلك لأسرته عمومًا ولوالدته خصيصًا، إذ لها فضل كبير في تكوينه الحالي ومن غيرها لم يكن ليصبح ما هو عليه الآن، بجانب أن أهله يحترمون الآراء المختلفة، ويتعاملون بمبدأ الحب والإنسانية ويؤمنون بحقوق كل البشر، ورغم ذلك لا يُصنف أحمد نفسه كشخص نسوي لأنه لا يحب فكرة الانتماء لفكر معين، ولكنه مؤيد جدًا للنسوية، لأنها حركة عادلة وتدعي للحق والعدالة بين الجنسين، كما يقول .

أرفض أن يكون شرفي عضو تناسلي لامرأة، وأرفض أن أمارس الوصاية تحت أي شكل من أشكال الحماية المجتمعية

هناك عدد من الرجال نشأوا في عائلات نسوية جعلت منهم نسويين أيضًا، وهناك من كبروا ولاحظوا ما يفعله النظام الأبوي بالنساء والرجال معًا وقرروا أن يخلعوا عباءة الذكورية من عليهم، لكل ما فيها من ظلم وتجبر على النساء بدون وجه حق. مُلهم ٢٠ عامًا من اليمن، يَقول «اهتمامي بحقوق المرأة سببها إيماني أن تَقدم المجتمعات لابد من أن تكون جماعية مثلما قال مصطفى حجازي «لا يمكن أن يتقدم مجتمع إلا بتقدم نسائه، فتَقدم النساء يساعد المجتمع بأكمله أن ينهض»».

 كما لا ينكر مُلهم فضل أهله على أفكاره، وخاصًة أبيه: «والدي إنسان يؤمن بحقوق المرأة وربانا على أن نكون متساوين بكل الحقوق والواجبات، لهذا فالامتيازات الذكورية امتيازات وهمية لا تُفيدني بشيء، بل تَصنع مني إنسان إتكالي تقوم حياته على قمع المرأة وتنغيص حياته»، ويضيف: «أرفض أن يكون شرفي عضو تناسلي لامرأة، وأرفض أن أمارس الوصاية على النساء تحت أي شكل من أشكال الحماية المجتمعية، فتقدمي المهني والنفسي والمجتمعي لا يمكن أن يكون إلا بتقدم الانثى».

أما أحمد عطا الله،٣٥ عامًا من مصر أيضًا، يقول: «لا أعتبر نفسي نسويًا أبدًا لأنني لم أعرف هذا المصطلح إلا في السنوات القليلة الماضية، لكني منذ وقت مبكر بدأت أشهد وألاحظ مظالم تمر على كل نساء مصر تقريبًا، وكنت دائمًا ما أشعر بالخوف بسبب هول ما يقع على النساء، خاصًة لأن هذه المظالم والأفعال الإجرامية كانت مُبررة من قبل المجتمع ..ثانيًا لأن المرأة ليست أقلية، لا في مصر أو الوطن العربي وبقمعها وقهرها نفقد عنصرًا فعالًا في الوطن والمجتمع؛ يشعر بعدم الأمان والاحتقار من قِبل الجميع. ومع الاستمرار في العنف ضد النساء ينمو شعور بالدونية ويتم تطبيع العنف حتى يتم التعامل معه بعادية واعتباره واقع لا مفر منه من قبل النساء وأنا ضد ذلك كله. لهذا أنا أؤيد المرأة لأني أرى  أن لكل مواطن أحقية في المعاملة بالتساوي .. كما أنه كلما تعاملنا مع النساء بتقدير كلما لاقينا نتيجة  لذلك ولكن ما يحدث الآن من عنف واغتصاب وتبرير للتحرش يؤدي إلى عواقب وخيمة تعود على الجميع بالأذى سواء كان بدنيًا أو نفسيًا كتطوير مشاعر الكراهية والعداء تجاه مجتمعهم وبلدهم، والتالي سنصبح مواطنين غير منتجين وبلا قيمة حقيقية ولهذا يجب على أي شخص عربي أن يصبح نسوي».

كما يضيف أننا لن نستطيع تخطي كل قيود المجتمع الذكوري سوى بالعقل والمنطق والحب والإنسانية. ولابد ألا نيأس أبدًا، لأن أمامنا تاريخ من الكفاح الطويل.

أول ردة فعل ألمسها على مناصرتي لحقوق المرأة أني « أرغب في جذب الفتيات حولي»، وكأن مسألة حقوق المرأة  لا تخصنا أصلًا 

أما محمد رشوان، ٢٨  عامًا مصري الجنسية فيقول: «أول ردة فعل ألمسها على مناصرتي لحقوق المرأة هي أني « أرغب في جذب الفتيات حولي»، وكأن مسألة حقوق المرأة  لا تخصنا أصلًا ، بينما في الواقع أن المرأة هي الزميلة والصديقة والحبيبة والأخت والزوجة والسيدة التي تركب المترو، ودورها في المجتمع يتقاطع في نقاط كثيرة معي كرجل. بجانب وجود خوف من معظم الرجال النسويين لأنهم لا يقوموا بدور الرجل الذكوري المعتاد «كالرجل الراعي/ الحامي ومحفظة النقود المتنقل والوصي» مما يعني جاذبية أقل وجرعة أنقص من الرجولة (حتى ولو في اللاوعي فقط)، ولهذا إن كان غرضي جذب النساء ففعليًا لن يكون ذلك مُغري لشريحة كبيرة من النساء.كما أن هناك ردود أفعال أخرى مثلما يسألني أحد «هل ترضى لزوجتك كذا أو كذا؟». ودائمًا ما يكون ردي بالطبع سأوافق إن كان هذا الشيء في نطاق مساحتها الشخصية،  وأن أي زوجين يتفاهمون مع بعضهم ويصلوا لمنطقة وسط يتقفون عليها وحدهم، كما يستحيل أن أستخدم عصا الذكورية الموجعة ضدها».

لكن على الرغم من وجود أسر نسوية تُربي أبنائها على المساواة واستبعاد الامتيازات الذكورية إلا أن المجتمع غالبًا ما يرى أن الرجل الذي يفعل ذلك هو رجل لديه غرض ما ويرغب في استغلال قضية النسوية لتحقيقه. يقول مُلهم (اسم مستعار): «عندما يسمع أي شخص بأفكاري النسوية، أول ما يُقال هو أني «ديوث» أو أني أفعل ذلك لكي أجذب الفتيات، وغيرها من المصطلحات الغبية. وحقيقًة لا يزعجني كلامهم لأنهم مدعين لا أكثر».

أرغب في التعامل كإنسان يُعامل إنسان، وليس كرجل (كُلي الصلاحيات والسلطات) مع امرأة (منعدمة الصلاحيات والسلطات)، لأن ذلك يُحملني أعباء أكبر مما أتخيل أو أطيق

أحد أغلب الصراعات الذكورية تجاه النسوية هي أن الكثير من الرجال الذكوريين يخافون من سحب امتيازاتهم، فالرجل هو السيد والأعلى مكانة وهو الآمر والناهي في الثقافة العربية الذكورية، هو ولي الأمر وهو من يصرف ويقرر عن نسائه قرارات حياتهن، ومساواة المرأة بالرجل تلغى وصاية الرجل على النساء. ولكن رغم أن الذكورية تحمل تفضيلًا للذكور إلا أنه تًثقل على الرجال في أشياء كثيرة أيضًا، فلا يستطيع الرجل التعبير عن مشاعره لأنه رجل، ولابد أن ينفق دائمًا لأنه رجل، حتى وإن لم يكن يقدر ماليًا على ذلك، لأن المال مرتبط بالسيادة والتفوق، ولأن الرجل متفوق فلابد من أن يكون لديه مال. 

وإلى جانب ذلك تربي الذكورية الرجال على أن يكون لهم نمط وقالب واحد، قد يكون ضد طبيعتهم وقدرتهم على التحمل، لهذا يقول محمد رشوان: «الحقيقة أني تعلمت أنه لا توجد امتيازات مجانية، وإن أعطاني شيء ما أية مميزات لابد وحتمًا سيٌعطيني أعباء أيضًا، مثل أي سلطة تمامًا. ولقد أصبحت نسوي لإني لا أحب أن أكون الجلاد أو المستبد لفئة ثانية لمجرد أنها أضعف مني، بدنيًا أو اجتماعيًا، أو لمجرد التأييد الاجتماعي، ولكن الدافع الأكبر لنسويتي حاليًا رغبتي في طرح الأعباء الذكورية عن كاهلي .لا أرغب في أن أتحمل أعباء رجولتي، أرغب في التعامل كإنسان يُعامل إنسان، وليس كرجل (كُلي الصلاحيات والسلطات) مع امرأة (منعدمة الصلاحيات والسلطات)، لأن ذلك يُحملني أعباء أكبر مما أتخيل أو أطيق..».

ويبدو أن الأفكار النسوية قد وصلت لمن هم في مقتبل عمرهم فيقول صقر (اسم مستعار) من اليمن (١٦ عامًا) أنه لا يجد أية مشكلة في أن تساويه المرأة في أي شيء، فهذا لن ينقص من حقوقه فقط المرأة هي من ستصعد لا أكثر. كما يشير أنه بدأ يفكر بالإتجاه النسوي والحقوقي بسبب واقعه في اليمن، الذي جعله يؤمن بأحقية كل إنسان في الحياة بالعيشة الكريمة والمساواة في أي مكان.


وفاء خيري صحفية مصرية مهتمة بالمجالات الثقافية وقضايا المرأة، تكتب في عدد من المنصات العربية المتنوعة. حياتها لا تخرج عن الكتابة والقراءة، فحين لا تكتب، حتمًا سيكون رأسها بين دفتي كتاب.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.