آراء

هذا ما حدث عندما توقفت عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

شعرت بأصابعي تفتح هاتفي دون وعي مني وتتجه نحو تطبيق انستقرام. شعرت أيضًا بخيبة الأمل في قلبي عندما أدركت أصابعي أن التطبيق لم يعد موجودًا، وأنني حذفته لمصلحتي.

English

بقلم ليلى مصطفى

الصورة: Canva.

أربع ساعات. هذا هو الوقت الذي كنت أقضيه على وسائل التواصل الاجتماعي كل يوم، بين سناب شات وانستقرام وتويتر..بين المشاركات، والقصص، والتعليقات، والهاشتاغات.. كانت وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن دوامة تجرفني كل يوم.. حلقة مستمرة لا تنتهي أبدًا. في البداية، لم تزعجني «حفرة الأرانب» هذه التي لا تنتهي؛ في الواقع، جعلتني سعيدة. أحببت الشعور بالتواصل مع العالم، وأن أكون دائمًا على دراية بما كان يحدث فيه. استمتعت بوضع علامات الإعجاب لمشاركات أصدقائي، والشعور بالحماس عندما أكون أول من يعلّق عليها. اعتدت أن أشعر بالسعادة عندما تكون ردة فعلي مندهشة من صورهم على الرغم من أنني رأيت تلك الصورة نفسها وشجعتهم على نشرها قبل ذلك بـ ١٠ دقائق. ببساطة، كنت سعيدًة عندما كنت أستخدم وسائل التواصل الاجتماعي. لماذا؟ لأنها جعلتني أشعر بالاندماج، ولكي أكون صادقة، أحببت هذا الشعور.

لا أحد يحب أن يشعر بأنه غريب. لا أحد يحب الشعور بعدم معرفة شيء ما. كبشر، من الطبيعي أن نشعر بالفضول نحو الأمور التي تدور حولنا سواء كانت تخضنا بشكل مباشر أم لا، فكل شخص لديه شيء يهتم به ويثير فضوله. بالنسبة لي كنت أشعر بالفضول تجاه كل شيء، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي هي الأداة التي من خلالها أشبع هذا الفضول. من خلال منصة تويتر اطّلعت على آخر المستجدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كنت أعرف ما يجول في بال الكثيرين من خلال ضغطة واحدة على هاشتاغ معين. أما انستقرام وسناب شات، فقد جعلاني مطّلعة على حياة الآخرين وكان يمكنني من خلال خاصية الرسائل أن أتحدث مع أصدقائي بشكل افتراضي.

في ذلك الوقت، اعتقدت أنه بسبب امتلاكي حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يمكنني أن أشعر بالوحدة. بطريقة ما، أرضت وسائل التواصل الاجتماعي ال«فومو» (FOMO) الخاص بي، أو الخوف من فوات حدث ما أو شيء ما. اعتقدت أنه إذا شعرت بالوحدة، فستكون وسائل التواصل الاجتماعي هي التي ستنقذني من هذا الشعور.

ولكن في خلال السنوات القليلة الماضية، بدأت أشعر بالوحدة والحزن والركود، ولاحظت انخفاض في أدائي وإنتاجيتي. ولأن العالم يركز على إنتاجية الفرد، فالمقياس الوحيد الذي وضعته لنفسي ونجاحي في مواجهة ذلك هو مدى إنتاجيتي خلال يومي، وعندما رأيت أنني لم أكن منتجة، شعرت بأنني عديمة الفائدة. نتيجة لذلك، بدأت أتساءل عن هدفي وما كنت أفعله في الحياة. شعرت أن سبب حزني متجذر في نمط حياتي وروتيني اليومي. لذلك، قررت أن أدقق في كيفية قضائي لوقتي و الأنشطة التي كنت أقوم بها في سبيل التسلية. صُعقت عندما أدركت أن النشاط الأكثر استهلاكًا للوقت في يومي كان تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.

قد يعجبك أيضًا:

بعد اكتشافي لهذا الأمر، بدأت ملاحظة كيف تجعلني وسائل التواصل الاجتماعي أشعر؛ شككت أنها قد تكون السبب الرئيسي وراء قلّة إنتاجيتي ومزاجي المتعكر. بعد أيام قليلة استنتجت أن شكوكي كانت في محلها. لاحظت أنه في كل مرة كنت أفتح فيها تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، كان مزاجي يتعكّر، وكانت إنتاجيتي تقل. بالطبع، قد يقول البعض بأن قضاء الكثير من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي هو خطأي، وأنه يمكنني بسهولة ترك التطبيق في أي وقت وأن أستفيد من وقتي بدلاً من ذلك. لكنني لم أستطع فعل ذلك. لم أكن أدرك أنه بطريقة ما، على مر السنين التي كنت أستخدم فيها وسائل التواصل الاجتماعي، أني أصبحت مدمنة عليها. لم أستطع التوقف. لقد لاحظت هذا بشكل خاص بعد أن قررت أن أخوض تجربة لترك وسائل التواصل لمدة يوم واحد فقط. شعرت حينها أن أصابعي تفتح هاتفي دون وعي مني وتتجه نحو تطبيق انستقرام. شعرت أيضًا بخيبة الأمل عندما أدركت أصابعي أن التطبيق لم يعد موجودًا، وأنني حذفته لمصلحتي.

 كان يحاورني عقلي ويقنعني بأن أقلع عن هذا الأمر. «ماذا سيحصل؟» كان يسألني؛ «لقد قمتِ بحذف التطبيقات لعدد من الساعات وهذا أمر جيد. اتركي أمر إقلاعك عنها ليوم آخر».

بطبيعة الحال، كنت أستمع إلى عقلي لأنه، حسنًا، كيف يمكنني أن أجادل نفسي؟ ومع ذلك، بعد عدة محاولات للإقلاع عن والفشل في محاولاتي بعد بضع ساعات فقط، قررت التوقف عن المحاولة، وعدت إلى الحلقات التي لا تنتهي من قضاء ساعات طويلة جدًا على وسائل التواصل الاجتماعي، والشعور بالحزن وعدم الإنتاجية، والعودة إلى وسائل التواصل الاجتماعي مرة أخرى للراحة ومن ثم اكتشاف مستويات جديدة من الحزن بدلاً من ذلك. كان كل شيء كما هو٬ حتى شهر مضى.

مع بداية عام ٢٠٢١، وجدت نفسي أفعل نفس الشيء الذي كنت أفعله في بداية كل عام: وضع أهداف العام الجديدة. الجدير بالذكر أنه بحلول ذلك الوقت، كنت في أدنى مستوياتي على الإطلاق، عاطفياً وعقلياً. ونتيجة لذلك، قررت أن أبدأ العام بهدف جديد وإيجابي. قررت أأتحدى نفسي حقًا، فقد كان عامًا مليئًا بالتحديات. قررت ترك وسائل التواصل الاجتماعي لمدة أسبوع فقط لأرى ما إذا كان غيابها سيؤثر علي بشكل إيجابي.

كالعادة، كان يومي الأول فظيعًا. كانت أعراض الانسحاب التي عانيت منها في ذلك اليوم صادمة حقًا: الملل، الشعور بطول ساعات اليوم، تحركات اصابعي تجاه التطبيقات المحذوفة من دون أن أشعر بذلك.. وطبعاً لا ننسى المحادثات الداخلية التي كانت تدور بيني وبين نفسي، وتثبيط الإغراءات الذي كنت أقوم به؛ ومع ذلك، قررت التخلص من الإغراءات والتركيز على تحقيق الهدف الذي كنت قد وضعته: ترك وسائل التواصل الاجتماعي لمدة أسبوع على الأقل.

أثبتت الأيام القليلة التالية أنها أسهل قليلاً من الأولى. في الواقع، وجدت نفسي أشعر بتحسن مع مرور كل يوم خالٍ من وسائل التواصل الاجتماعي. وجدت نفسي أيضًا أمضي المزيد من الوقت في ممارسة الأشياء التي تسعدني. والأهم من ذلك، لم أكن منفصلة عن الحياة كما اعتقدت. في الواقع، كنت أكثر ارتباطًا بها – فبدلاً من مشاهدة  المشاركات التي لا معنى لها للأشخاص الذين لا أتحدث معهم حتى، بدأت في قضاء المزيد من الوقت مع الأشخاص الذين يحتلون مكانة في قلبي وعقلي في أرض الواقع. لازمت القراءة مرة أخرى – وهي عادة كنت قد استبدلتها سابقًا بوسائل التواصل الاجتماعي. ساعدني الإقلاع عن وسائل التواصل الاجتماعي لأن أعود إلى الشخص الذي كنت عليه قبل أن تحتل هذه الوسائل ٩٩٪ من حياتي.

والآن وبعد مضي أشهر على الأمر٬ لا أنوي أن أعود إلى ما كنت عليه في استخدام تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي. ما زلت أستمتع بفوائد الإقلاع عن هذه الوسائل على مستوى عقلي وجسدي وعاطفي. أشعر أنه كمجتمع، نادرًا ما نأخذ الوقت الكافي للتفكير في الطريقة التي تؤثر بها وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا. شخصيًا، وسائل التواصل الاجتماعي أثرت على بشكل سلبي، كانت تعيق قدراتي وتبطئ من إنتاجيتي.

 بالطبع، يختلف الوضع من شخص لآخر فهذه مجرد تجربتي الشخصية. هناك العديد من المقالات والدراسات التي يتم إجراؤها في الوقت الحاضر والتي تتحدث عن مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي وفوائد الإقلاع عن استخدامها، حتى لو كان ذلك لفترة زمنية قصيرة. أنا أحد الأشخاص الذين يشجعون هذه الخطوة، بعد أن اختبرت فوائدها بنفسي. لكن، مرة أخرى، الأمر يختلف من شخص لآخر؛ كما أنه يختلف باختلاف استخدامهم الفردي لهذه التطبيقات.

ما أريده فقط هو أن يأخذ الجميع فترة من التفكير. اسألوا أنفسكم، كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على حياتكم حقًا؟ ما هي فوائدها / واخطارها على صحتكم العقلية؟ هل وسائل التواصل الاجتماعي إضافة سهل إزالتها، أم أنها أصبحت ضرورة وإدمانًا لا يمكنكم العيش بدونها؟

فقط من خلال الإجابة على هذه الأسئلة، ستفهمون حقًا الفرق الشاسع الذي تتسبب فيه وسائل التواصل الاجتماعي في مجتمعنا كل يوم. عندها فقط ستفهمون أن وسائل التواصل الاجتماعي، بكل ميزاتها وتطبيقاتها الاجتماعية، هي أداة لعزل الأفراد واحتجازهم في دائرة من العلاقات الافتراضية. عندها فقط ستدركون المخاطر التي قد تؤدي إليها استخدامها والفرص التي تتاح لنا عندما نقلع عن استخدام هذه التطبيقات.


ليلى مصطفى كاتبة مصرية وطالبة أدب في الجامعة الأمريكية في الشارقة، تهتم بالفن، والثقافة، والمسرح، والأدب المعاصر.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال تُرجم من الإنجليزية.