آراء

كيف هي الحياة مع اضطراب القلق المرضي؟

« أرى أن الحياة ثقيلة بكل مشاعرها ومواقفها».

بقلم وفاء خيري

«أتذكر مقولة كافكا حين قال: «لا أعرف كيف تعيشون بدون قلق، ماذا تفعلون طوال اليوم؟!»». الصورة: Shutterstock.

أكتب هذا المقال وأنا أشعر بالقلق، قلق من ألا أستطيع أن أوفي بموعد تسليمه، وقلق من ألا أجد شيئًا أكتبه حتى نهايته، وهذا القلق لن ينتهي بمجرد انتهائي من كتابة المقال، بل سينتهي بعد نشره. هذا الشعور لا يحدث فقط عند كتابتي مع سكة، بل عندما أكتب أي مقال مع أي جهة أو أشرع في مهمة عمل أو دراسة. أسلمها وأشعر بقلق لا يتوقف حتى أحصل على النتيجة النهائية، مما يجعلني أفقد الكثير من لحظات حياتي فقط في القلق والانتظار. والقلق الذي أقصده هنا عزيزي القارىء ليس القلق الخفيف الذي تشعر به حينما تذهب إلى امتحان أو تنتظر نتيجة شيئًا ما، بل قلق كقلق من ارتكب جريمة شنعاء وينتظر حكم القاضي عليه. إن كنت تشعر أني أُبالغ بما أقول فحتمًا أنت لا تعرف شيئًا عما يعنيه اضطراب القلق المرضي.

 يُعرف اضطراب القلق المرضي وفقًا للرابطة الأمريكية لعلم النفس بأنه شعور مزمن بالقلق والشد العصبي ربما تُصاحبه تغيرات جسدية كضربات القلب السريعة أو زيادة ضغط الدم، كما يُعد واحد من أبرز الاضطرابات النفسية الشائعة في العالم حسب مصادر تُشير إلى أن واحد من بين كل ثلاثة عشر شخص مصاب بالقلق المرضي حول العالم. ولا يوجد لدينا في العالم العربي إحصائيات واضحة بشأن هذا المرض.

لا أعرف تحديدًا متى بدأت رحلتي مع هذا الاضطراب أو متى بدأ وعيي وإدراكي بهذه المشكلة، ولكني مؤخرًا بدأت أقرأ كثيرًا عن الأمر ووجدت أن ما يحدث لي ليس طبيعيًا بأي شكل من الأشكال. 

«حين يتصل علي رقمًا غريبًا أو حين اتصل بأي شخص لأخبره عن أمر غايةً في العادية، لا أقلق بل أشعر بألم في معدتي تزداد حدته مع دقات الهاتف المتتابعة».

سأذكر على سبيل المثال لا الحصر، بعض المواقف التي أشعر فيها بقلق مبالغ فيه بلا سبب، فقط لأثبت أن القلق أصبح جزءًا أصيلًا من حياتي وروتيني. فمثلًا عندما أتصفح بريدي الإلكتروني وأجد رسالة واردة، من أي شخص، أشعر برجفة تسري في جسدي ولا أطمئن إلا بعد أن أتأكد من محتوى الرسالة، بالرغم من أن الأمر عادي جدًا ويحدث طوال الوقت إلا أنني لا أشعر به إلا هكذا. كذلك حين يتصل علي رقمًا غريبًا أو حين اتصل بأي شخص لأخبره عن أمر غايةً في العادية، لا أقلق بل أشعر بألم في معدتي تزداد حدته مع دقات الهاتف المتتابعة.

 لا يرتبط شعوري بالقلق بشيء محدد كالعمل مثلًا أو الدراسة، لا، الأمر أكبر من ذلك ولدي تاريخ طويل معه. وأنا شخصيًا لا أعرف كيف تضخمت كل هذه المشاعر مرة واحدة وأنتجت كل ما أعايشه الآن مع اضطراب القلق المرضي، الذي قرأت عنه كثيرًا وشخصت نفسي به، لأن الذهاب إلى الطبيب النفسي في مكان كالذي أنتمي إليه أمر أكثر تعقيدًا.  

إن قدم أحدهم لدي معروفًا صغيرًا أشعر بامتنان لا حدود له وأتعامل مع هذا الشخص وكأنه أنقذ حياتي

لا ينتهي الأمر عند بضعة مواقف أو بشكل استثنائي الأمر روتيني ويومي وأشبه بالسوس الذي ينخر في العظام ولا يجد من يوقفه؛ ففي صباحات أخرى أستيقظ من النوم إن كان لدي موعد مثلًا، وأشعر بغصة بلا سبب، وكأن هناك منبه في داخلي يُذكرني بأن أقلق وأستعد جيدًا لأي حدث أنا مُقبله عليه خلال اليوم، حتى وإن كان هذا الحدث هو لقاء صديقة للترفيه عن نفسي وليس مقابلة عمل. أما إن كان لدي موعد سفر فأظل متوترة وأشعر بالغصة كل صباح قبل الموعد بأسبوع على الأقل حتى أسافر إلى المكان المحدد، وأنا في غنى عن الحديث عما يسببه لي السفر من غصة وآلام نفسية طوال الطريق، أحمل مشقتها وحدي في كل مرة.

 حين أخرج من المنزل أقلق من احتمالية نسياني لشيء ما، وارتعب من فكرة أنني قد أرغب في دخول الحمام ولا أجد حمامًا في أي مكان، خاصةً أثناء السفر، فأدخل دورة مياه منزلنا عدة مرات قبل أن أرحل، وأغادر وأنا أفكر مليًا في الشيء الذي ربما أكون نسيته، وكيف سأتصرف إن حدث ونسيت شيئًا فعليًا. في الطريق وأنا أستقل سيارة أتخيل هاتفي يقع في الشارع ولا أعرف كيف سأتصرف في هذا المأزق. ولا يقف هذا التفكير في السيارات فقط، بل حتى عند عجلات المترو أتخيل طوال الوقت أن هاتفي أو شيئًا مهما قد أفلت مني وستسحقه عجلات القطار وأنا مذعورة. الأمر لا ينتهي هنا بل حينما أتأمل المارة من شرفة منزلنا أفكر فيما سيقع مني ويسحب قلبي معه!

قد يعجبك أيضًا:

 بمشاعر وأفكار كهذه في الحياة اليومية العادية، لا بد أن تقودكم لتخيل كيف أكون حين أستعد لمقابلة عمل أو منحة، إذ لا أكف عن شرب المياة باستمرار وطوال الوقت، وأدخل الحمام كثيرًا جدًا، والارتباك والتوتر يبدون على كل ملامحي قبل وأثناء المقابلة، وقد أنسى شيئًا أريد قوله بسبب خوفي من الموقف، والأسوأ من ذلك إن لم أشعر بالقلق؛ أقلق! وأشعر بأن هناك خطب ما في، ولا بد أن أستعيد توازني بتوتري مرة أخرى! 

حين أجلس مع صديقاتي قد تضايقني جملة بسيطة جدًا، قيلت بتلقائية، وغالبًا لا تحمل أي معنى. قد أشعر بالغصة بسبب تذكري لموقف حدث منذ سنوات ولم أبل فيه جيدًا، بل ربما أحزن لساعات طويلة لمجرد تذكري لهذا الموقف البعيد الذي لا أثر له في الوقت الحاضر. أشعر بالقلق من أشياء غير منطقية أو حقيقية وأدرك أنني أبالغ حين أكون موضوعية فيما أفعله.

«إن لم أشعر بالقلق؛ أقلق! وأشعر بأن هناك خطب ما في، ولا بد أن أستعيد توازني بتوتري مرة أخرى! ».

الأمر يرتبط كذلك بمشاعري تجاه الناس والأشياء، كل مشاعري مبالغ فيها بقدر لا أستطيع تحمله، ولم أدرك ذلك إلا بعد أن نبهتني إحدى صديقاتي، مثلًا إن قَدم أحدهم لي معروفًا صغيرًا أشعر بامتنان لا حدود له وأتعامل مع هذا الشخص وكأنه أنقذ حياتي، وكذلك الأمر عندما أغضب أو أحزن أشعر بكل شيء بطريقة مبالغ فيها وغير مبررة. كذلك حين أحصل على درجة سيئة في الامتحان لا أشعر بالحزن بل أشعر بالعار كما أشعر بعدم الاستحقاق لأي شيء في حياتي، وقد يستمر ذلك الشعور لأيام كثيرة. ولوقت قريب لم أكن أدرك أن كل تلك المشاعر مبالغ فيها؛ بل كنت أشعر بها بشكل عادي وكأنها طبيعية وأظن أن الجميع يشعر مثلي تمامًا ولهذا أرى أن الحياة ثقيلة بكل مشاعرها ومواقفها. 

وصل الأمر إلى أن أمي كانت تذهب إلى عملها وتبكي من حالتي من فرط ما أرهقتها بما أشعر

بجانب كل ما ذكرت هناك موقف رئيسي وجوهري تعرضت فيه لأسوأ تجاربي  مع القلق، والذي حَدث حين كنت في الثانوية العامة، التي تحظى باهتمام مبالغ فيه إعلاميًا في مصر. كانت شهادة الثانوية العامة في وقتي  عام واحد فقط، ولكن هذا العام أهلكني وأخذ كثيرًا من صحتي النفسية.

 كُنت طالبة مجتهدة طوال حياتي ولكن ذلك لم يكن كافيًا لألا أقلق وألا أصاب بنوبات هلع، كما حدث لي حينها. قبل الامتحانات النهائية بحوالي ٣ أشهر بدأت حالة الانهيار. كان مبرري أن الوقت  كان غير كافي لأراجع وأذاكر من جديد كل الدروس والمناهج المفروضة علي. ذات مساء عُدت من أحد الدروس الخاصًة وبدأت في البكاء المُر. لم يفهم أحدًا ممن في المنزل شيئًا ولم يستوعبوا أن قلقي من الامتحانات هو السبب فيما يحدث لي، ولكنهم تأكدوا من ذلك بعد أن حولت الثلاثة أشهر المتبقية لي في السنة إلى جحيم. انقطعت عن الطعام تمامًا لحوالي أربعة أيام أو أكثر، ولم أفعل أي شيء سوى البكاء المرير، والمذاكرة، والصلاة. كنت أشعر بثقل ما يحدث لو أني لن أستطيع تخطى هذه المرحلة. تدريجيًا ساءت حالتي وتدهور مستواي، أصبحت أبكي لكل مُعلمي وأشعر أني لن أحظى بمجموع يؤهلني لدخول أي كلية حتى، رغم أني كنت متفوقة بشهادة الجميع ورغم أن أحدًا لم يضغط على ويقول لي «ذاكري» حتى. وصل الأمر إلى أن أمي كانت تذهب إلى عملها وتبكي من حالتي من فرط ما أرهقتها بما أشعر، رغم أني لم أكن أبدًا فتاة سيئة بأي شكل من الأشكال. حتى عندما حاولوا إخراجي من المنزل للترفيه عن نفسي تقيأت من فرط قلقي وخوفي ومن فكرة أني لا أستحق كل هذا الاهتمام لأني لن أحصل على نتيجة جيدة في الأخير. كنت أشعر بأن الوقت يجري وأن عقارب الساعة تطاردني، حرفيًا كنت أشعر بذلك، كنت أرغب في أن أتناول دواءًا مهدئًا ولم يوافق والداي على ذلك حينها. انتهت الامتحانات وأبليت جيدًا وحصلت على المرتبة الثانية على مدرستي في الشعبة الأدبية بمجموع ٩٥،٦ %. أدركت متأخرًا جدًا أن ما حدث كان قلقًا مرضيًا ولا يمكن أن يكون خوفًا طبيعيًا بأي حال من الأحوال.   

«لا يتوقف قلقي عند حياتي الحالية بل يمتد ليشمل مستقبلي الذي أشعر معه وكأني في سباق وكأن شخصًا يطارني وعلي أن أسبقه بأميال حتى أكون بأمان».  

بخلاف هذا الموقف الفظيع هناك مواقف شبه يومية أشعر فيها بالذعر، عندما يتشاجر أهلي في المنزل مثلًا، أو أسمع صوت أي صراخ في أي مكان، حتى وإن لم أكن أنا المقصودة من الشجار، أُصاب بالتشنج ، وأفقد سيطرتي على كل أعصابي حينها، ولا أعرف كيف أتصرف إلى أن ينتهي الموقف. خلال نومي وبعد نهار مليء بالسعادة، أشعر بالذعر فجأة، وبدون أي مقدمات، فأستيقظ من النوم مرعوبة، دون أي سبب وجيه لذلك، هذا يحدث لي باستمرار على مدار السنوات الماضية.   

لا يتوقف قلقي عند حياتي الحالية بل يمتد ليشمل مستقبلي الذي أشعر معه وكأني في سباق وكأن شخصًا يطارني وعلي أن أسبقه بأميال حتى أكون بأمان. في العادة أشعر بأني لابد أن أنجز شيئًا طوال الوقت وبدون أن يطلب مني أحد ذلك، أشعر بأن عمري يجري وأن عقارب الساعة تطير، وأنه من المطلوب مني أن أُحقق أكبر قدر ممكن من الإنجازات طوال الوقت، ولكن حتى بعد الإنجاز لا  أفرح بالقدر المطلوب، بل أفرح لدقائق وألهث لأبحث عن الهدف التالي، وهذا ما يجعلني منهكة طوال الوقت، ولا أعرف كيف سأواصل بقية حياتي بهذه الحالة. 

 أتخيل أن السؤال الذي يدور في ذهنك الآن قارئي العزيز هو: ماذا عن العلاج لكل هذا العناء؟ بصراحة لم أفكر في ذلك منذ مدة طويلة، والسبب الرئيسي أن لا أحد في البيئة التي أنتمي لها يؤمن بأهمية أو فاعلية العلاج النفسي، والأمر الثاني أن لا أحد ينتبه لما أعانيه مع نفسي من الأساس، بالإضافة إلى أني أعيش في مدينة نائية لا يوجد بها أي شكل من أشكال الطب النفسي، وهذه مشكلة كثيرين في عالمنا العربي؛ كثيرون يعانون دون أن يعرف عنهم أحد شيئًا أو دون أن يدركوا حتى أن بهم خطبًا ما، ولكني أضع في خطتي القادمة أن أبحث عن العلاج الذي يمكن أن يخفف من حدة الألم الذي لم أسرد عنه سوى القليل! وأتذكر مقولة كافكا حين قال: «لا أعرف كيف تعيشون بدون قلق، ماذا تفعلون طوال اليوم؟!». 


وفاء خيري صحفية مصرية مهتمة بالمجالات الثقافية وقضايا المرأة، تكتب في عدد من المنصات العربية المتنوعة. حياتها لا تخرج عن الكتابة والقراءة، فحين لا تكتب، حتمًا سيكون رأسها بين دفتي كتاب.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.