ثقافة وفن عدد الحُب

إلى أي مدى تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقة بين الأزواج؟

هل تُشكل وسائل التواصل الاجتماعي خطرًا عامًا على علاقات الأزواج أم لا؟ وهل هي ضرورية ويجب التمسك بها أم يجب الابتعاد عنها تمامًا؟

بقلم وفاء خيري

الصورة: Shutterstock.

ذكرت إحدى الدراسات التي أعدتها جامعة بوسطن الأمريكية أن وسائل التواصل الاجتماعي تَضر بالعلاقات الزوجية أكثر مما يعتقد البعض، وأن انهيار الزواج قد يكون واحد من النتائج المحتملة للاستخدام الخاطئ لهذه المواقع؛ خاصة بسبب انهيار فكرة الخصوصية بين الأزواج، لسهولة وسرعة تعبير أحد الشريكين عن أي شيء بينهما على مواقع التواصل الاجتماعي. ولأننا في العالم العربي يوميًا في تزايد مستمر في استخدام هذه المواقع، وبسبب قلة الموضوعات المتخصصة في هذا الصدد قررت أن أستضيف رغده فيصل بَو، المعالجة النفسية الجنسية والإكلينيكية الحاصلة على ماجستير في العلاج النفسي من جامعة كولورادو دنفر، والمتخصصة في علاج الراشدين والعلاج الزواجي. أتحدث معها حول تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على العلاقة الحميمية بين الأزواج وتفاصيل أخرى. 

الخطر الحقيقي هو هشاشة وسوء العلاقات الزوجية نفسها، لا وسائل التواصل الاجتماعي

أول ما قد يبدر سؤاله من البعض هو هل تُشكل وسائل التواصل الاجتماعي خطرًا عامًا على علاقات الأزواج أم لا؟ وهل هي ضرورية ويجب التمسك بها أم يجب الابتعاد عنها تمامًا؟ تقول رغده أنها ترى أن الكثير يعتقدون أن وسائل التواصل الاجتماعي زودت إحتمالية الخيانة، ولكن السؤال المهم هو: ألم تكن توجد خيانة قبل اختراع وسائل التواصل الاجتماعي؟ بالطبع كانت موجودة، خاصة في العلاقات الهشة ولدى من يشعرون بالوحدة في زواجهم. كل ما في الأمر هو أن هذه الوسائل سَهلت فكرة أن يجد الزوج أو الزوجة شخص آخر، ولهذا الخطر الحقيقي هو هشاشة وسوء العلاقات الزوجية نفسها، لا وسائل التواصل الاجتماعي. كما ترى رغدة أن هناك خطر آخر في هذه العلاقات وهو« أن طرق التواصل بين الزوجين أصبحت غير حقيقية، فتم استبدال التواصل الحقيقي، بطرق أخرى مثل المراسلة عبر التطبيقات مثل «الواتس آب»،  أو تصريحات بين بعضهم البعض، أو مشاركة مشاعرهم عبر هذه الوسائل بدلًا من قولها بشكل حقيقي. ولذلك عدم المواجهة هي أساس سوء التواصل، وليست هذه المواقع».

الغيرة بين الأزواج أمر شائع، وقد يرى البعض أن صداقات الإنترنت مع الجنس الآخر يُمكن أن تُسبب الغيرة بين الأزواج أو تُسهل فكرة الخيانة، لكن الأمر ليس دائمًا بهذه البساطة. ترى رغده أننا «بدايةً يجب أن نُحدد ما هو مفهوم الصداقة على الإنترنت. هل هم زملاء عمل أو أقارب أم أشخاص غريبين تمامًا؟ من المهم كذلك تحديد ماهية الصداقة وما هي حدودها، وإن كان هناك اتفاق مسبق بين الطرفين بهذا الشأن. هل أتفق الزوجين على أن يكون لهم أصدقاء على الإنترنت؟ وما الذي تشمله هذه الصداقة؟ الكلام السطحي الظاهر لكل الناس أم أن هناك رسائل خاصة بين الطرفين بها تفاصيل إضافية؟ من المهم تحديد ذلك بين الأزواج». 

كما تؤكد على أنه بالرغم من أن الغيرة موجودة مع صداقات الإنترنت، إلا أنه قبل ذلك يجب أن نتذكر أن الأزواج قد يشعروا بالغيرة من زملاء العمل أو طرف آخر في الحياة الواقعية، بمعنى أن الغيرة موجودة أساسًا في العلاقات، ووسائل التواصل الاجتماعي هي محفز وليست عامل أساسي لها، «لذلك من المهم جدًا أن يكون هناك حوار مسبق بين الطرفين وتعريف الصداقة وما هي حدودها، وهل الثقة موجودة بين الزوجين أم لا؟ فكثيرًا ما أجد زوجين أو شريكين يتبادلون الأرقام السرية لحسابات بعضهم البعض على مواقع التواصل الاجتماعي بحجة الثقة والأمان، وهذه ليست ثقة، بل هو شك معمي. فالثقة هي مثلما ندعو الله للمطر وننتظر ونتيقن من أنه سيأتي، كذلك هي الثقة بين الأزواج، فأنا واثق/ة من أن شريكي لا يفعل شيء في غيابي، من دون أن يرى أي منا حسابات الآخر».

 بجانب ذلك تؤكد رغده على أنه من المهم تحديد مفهوم العلاقات/ الصداقة على الإنترنت وهل يتفق الطرفان على وجود هذه العلاقات مع الشريك أم لا. ويجب كذلك توضيح سؤال مهم، «لماذا يقضي شريكي وقت أطول على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل لأنه يجد توافق بها غير موجود في أرض الواقع؟ أم هل لأنه يشعر بالإهمال؟ من المهم كذلك أن نسأل هل الصداقة بين الزوجين موجودة؟ إذ أن وجود حسابات وقضاء وقت كبير عليها يدل على أن هناك خلل في العلاقة». وهي تقصد هنا من يقضوا وقت كبير على هذه المواقع، وليس من يستخدموها بشكل معتدل. 

قبل أن نفكر في تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على العلاقة الزوجية يجب أن نتأكد من مدى قوة العلاقة الزوجية من الأساس، لأن وجود علاقة حُب يقضى أحد أطرافها وقت طويل على هذه المواقع يدل على وجود خلل بينهما.

تجاربنا الفردية تختلف من شخص لآخر، ولا يجب أن نعمم التجارب الفردية على الجميع، لأن هذه التجارب قد تؤثر بشكل سلبي على العلاقات الحميمية بين الأزواج 

وفي صدد الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي من المهم ذِكر انتشار المجموعات المغلقة على «الفيس بوك» وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكن التحدث فيها بحرية عن موضوعات معينة، دون رقابة، فالنساء يمكن أن يشاركن قصصهن الخاصة وكذلك الرجال. ولكن هل هذا فعل صحيح؟ ألا يؤثر ذلك على توقعات وأفكار كل رجل وامرأة عن تجربتهم ومدى جمالها ونجاحها بين تجارب الآخرين؟

 تقول  رغده في هذا الصدد : «يجب التأكد من أن الفضفضة لا بد أن تكون مع المختصين فقط، إذ أن تجاربنا الفردية تختلف من شخص لآخر، ولا يجب أن نعمم التجارب الفردية على الجميع، لأن هذه التجارب قد تؤثر بشكل سلبي على العلاقات الحميمية بين لأزواج، بمعنى أن ما يحدث معنا ليس من الضروري أن يحدث مع غيرنا والعكس صحيح، وأن الطبيعي الذي يحدث معنا، ممكن ألا يكون طبيعي عند شخص آخر. لهذا يجب أن يكون هناك مختص ليُعرفنا ما هو الطبيعي وما هو الغير طبيعي، وكيف يمكننا أن نعبِّر بطريقتنا عما يحدث معنا».

المشاكل الزوجية لا تُحل على الإنترنت بل بين الأزواج فقط

بجانب الانفتاح على العالم وسهولة البحث عن حكايات أشخاص آخرين على الإنترنت، يميل الكثير من الأزواج إلى البوح على الإنترنت كنوع من محاولة لحل مشكلة ما أو مشاركة تجاربهم المختلفة، وتؤكد رغده أن «البوح على الإنترنت يعني خيانة، وهذا يؤثر على العلاقة الزوجية ويحدث شرخ وجرح يحتاج إلى بناء العلاقة الزوجية من جديد. لذلك هذه العلاقات غير مقبولة، وإن كانت لمجرد الفضفضة.. ولا بد من الحديث مع شخص مختص».

ومن الجدير بالذكر أن غياب التربية الجنسية في مجتمعاتنا جعل الناس تلجأ إلى «الجروبات» الخاطئة أو المقالات الغير متخصصة أو الأفلام الإباحية، أو الخبرات على المواقع، مما ينعكس بشكل سيء على العلاقات، خاصة عند الإقبال على الزواج، وهذا يسبب تخيلات وتوقعات غير حقيقية، من الشخص نفسه أو الشريك.

تقول رغده: «يمكن أن نَستفيد من الانترنت بزيارة المواقع العلمية التي تُقدم معلومات صحيحة فقط»، ولهذا  تنصح بعدم متابعة أي مجموعات على «الفيس بوك» لا يرد عليها أو يديرها طبيب مختص، وتؤكد على أن حسابات المختصين هي من تُحسن طرق التواصل بين الزوجين، لأن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين ولهذا يجب أن نضع حدود لذلك. 

 العلاقات يجب أن تكون مبنية على التفاهم والحب والتوافق وليست بالشكل وعمليات التجميل

مثلما قد تؤثرالصداقات على الإنترنت والمساحات المفتوحة للحديث مع أشخاص آخرين على العلاقات الزوجية، قد تؤثر الصور المفلترة والجمال المصطنع المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي عليها أيضًا، خصوصًا مع وجود برامج متخصصة للجمال المختلق والمتلاعب به مثل «سناب شات» أو فلاتر التصوير الموجودة علي وسائل التواصل الاجتماعي٬ بالإضافة إلى وجود مواقع ك «اونلي فانز» حيث تشارك الفتيات صورهن الخليعة مقابل اشتراك بمبلغ ما. تقول رغده: «مفهوم الجمال والصور المفبركة أمر موجود منذ وقت طويل، وانتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما هي إلا وسيلة جديدة. فالكثير من النساء يقارن جمالهن بجمال المشاهير كالممثلات وملكات الجمال وغيرهن من النساء؛ هذه وسيلة أحدث فقط. وعلى كل حال إن وُجدت مشكلة لدى أي من الزوجين بسبب ذلك، فهذا يَدُل على أن العلاقة مبنية على الجمال الخارجي فقط، ولذلك هذه العلاقات قابلة للانتهاء السريع، إذ أن العلاقات يجب أن تكون مبنية على التفاهم والحُب والتوافق، وليس على الشكل وعمليات التجميل». كما تشير إلى أنه إذا كان هناك أحد الشريكين ينجذب لهذه الصور أو يصدقها فهذا يعني أن مفهوم العلاقة الحميمة بالنسبة له أو لها هش وغير واقعي. 

وفي ظل الانفتاح في عالم الانترنت والعولمة، تزيد الحاجة إلى وجود التربية الجنسية والمزيد من الأخصائيين النفسيين، تقول رغد : «إننا بحاجة إلى وجود تربية جنسية من قبل الأطباء المتخصصين في الطب الجنسي، ممن يستطيعون اكتشاف أي مشكلة جنسية عضوية، ونحتاج كذلك إلى المعالجين النفسيين الجنسيين الذين يعالجون المشاكل الحميمة من الناحية النفسية وأثرها على الأزواج. ذلك بجانب أهمية المعلمين الجنسيين أيضًا، أي من يُعلموا الناس ويثقفوهم عن المعلومات الجنسية الصحيحة، لأن الثقافة الجنسية مثلها مثل أي علم تحتاج إلى تدريس وشرح، ومجرد قراءة كتب متخصصة فيها لا يجعل مني متخصص كفء لشرحها للآخرين». ذلك لأن التربية الغير صحيحة تؤثر بردة فعل عكسية على فهم الأشخاص للعلاقات الحميمة.ومن المهم أيضًا التوعية عن التحرش والاغتصاب بشكل صحيح وواعي، لأن الفهم المغلوط لهذه المفاهيم وغيرها يؤثر على العلاقة الحميمة للأفراد على مدار حياتهم، سواء كانوا أطفال أو مراهقين أو مُقبلين على الزواج.


وفاء خيري صحفية مصرية مهتمة بالمجالات الثقافية وقضايا المرأة، تكتب في عدد من المنصات العربية المتنوعة. حياتها لا تخرج عن الكتابة والقراءة، فحين لا تكتب، حتمًا سيكون رأسها بين دفتي كتاب.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.