آراء عدد الحُب

لماذا لم يرثِ الشعراء العرب زوجاتهم كما رثوا خلفاءهم؟

«هل يحبّ العربيُّ معشوقته أكثر من زوجته؟»

بقلم د. دلال البارود

زوجان من قبيلة عدوان في آخر القرن ١٩ ميلادي أو مطلع القرن ٢٠ ميلادي. الصورة: مكتبة الكونغرس.

مازال الرثاء من أنبل وأجلّ الأغراض الشعرية التي ازدحمت بها دفاف دواوين الشعر العربي منذ أول بيت نبس به راثٍ إلى يومنا هذا، حيث يعبر هذا الفن النبيل عن مآثر الراحلين، ودويّ فقدهم، وفجيعة تلاشيهم من الحياة، يفجّر فيه الشاعر عيون دموعه، ويبكي ما مات فيه إثر موت أعزائه. وقد شاع أن يكون للملوك وذوي الثقل في العلم والدين والتأثير نصيب الأسد من المراثي التي خلّدت محاسنهم، وعبرت بها أبواب التاريخ. وبعيدًا عن أصحاب الحظوة، فقد احتفلت المرثيات كذلك بالمهمّشين الذين خَطوا على شرايين الشعراء فاغرورقت كلماتهم حزنًا على فراقهم، فقد رثى ابن الرومي واسطة عقده، ابنه في مرثية شهيرة، ورثى المتنبي جدّته، لكننا إن أردنا أن ننفض الغبار عن مرثيات في أزواج الشعراء، سنرى أننا أمام إنتاج فقير جدًا، ودراسات أشد فقرًا، لماذا لم يرثِ الشعراء العرب زوجاتهم وأمهات أبنائهم كما رثوا خلفاءهم؟

ما يدعو للاستغراب فعلاً أن مكتبة الشعر العربي تزهو بزخم افتتان العربي بمحبوبته شعرًا، وبكائه دمًا على فراقها وصعوبة لقياها، وتسلّيه بذكرياته الشحيحة معها طول عمره، فهل يحبّ العربيُّ معشوقته أكثر من زوجته؟ أم أن رماد العِشرة خبا أي فتيل عشق بين الزوجين؟ هذا التساؤل لا ينفي أن هناك شعراء سطّروا ألمع القصائد في رثاء زوجاتهم، أشهرهم نزار قبّاني الذي فُجع بوفاة زوجته بلقيس غدرًا إثر تفجير في بيروت راح ضحيّته الكثير. أفرد قبّاني ديوانَ قصيدة كاملا أسماه «بلقيس»، يقول في أحد مقاطعه: 

 بلقيسُ..

 كانت أجمل الملكات في تاريخ بابلْ

بلقيسُ.. 

كانت أطول النخلات في أرض العراقْ

كانت إذا تمشي

ترافقها طواويسٌ

وتتبعها أيائلْ

بلقيسُ يا وجعي

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأناملْ

هل يا تُرى

من بعد شَعرك سوف ترتفع السّنابلْ؟


يمضي نزار في وجعه لتمتد بلقيس من زوجة إلى قضية سياسية، حتى ينثر الملح على جرح ممتد من فؤاده إلى جسد الوطن العربي ككلّ، فيقول: 

حتى العيون الخضرُ..

يأكلها العربْ

حتى الضفائر والخواتمُ

والأساور والمرايا واللّعبْ

حتّى النجوم تخاف من وطني

ولا أدري السببْ

ليس مفاجئًا تصاعد نبرة الشاعر المحترقة من رثاء زوجته إلى هجاء العرب أجمع نظرًا للمأساة التي قضت نحبها بلقيس بسببها، بالإضافة إلى رمزية المرأة لدى نزار قبّاني سياقًا وموضوعًا وصوتًا، حيث يمثل كيانها الأرض التي عقّها أبناؤها في شعره، وشعلة تمرّده على أعراف المجتمع، إذ طالما كان نزار ظاهرة تمرّد عاطفية وجسديّة على قيود المجتمع التي تصادر الحب كما تصادر الحشيش، حسب تعبيره في إحدى المقابلات الصحفية، قد لا يكون نزار الرّاثي الوحيد لزوجته، لكنّه قد يمسي الأوفى في مسار الرثاء من جرير، الذي يكبره قرونًا. 

يقول جرير في أبياته الخالدة التي رثا بها زوجته: 

لَولا الحَياءُ لَعادَني اِستِعبــــــارُوَلَزُرتُ قَبرَكِ وَالحَبيبُ يُزارُ
وَلَقَد نَظَرتُ وَما تَمَتُّعُ نَـــــظرَةٍفي اللَحدِ حَيثُ تَمَكَّنَ المِحفارُ
فَجَزاكِ رَبُّكِ في عَشيرِكِ نَظرَةًوَسَقى صَداكِ مُجَلجِلٌ مِدرارُ
وَلَّهتِ قَلبي إِذ عَلَتني كَبـــــــرَةٌوَذَوُو التَمائِمِ مِن بَنيكِ صِغارُ

بجزالة الذي يغرف من بحر، ينثر جرير لآلئ عبراته في استذكار خِلال زوجته، حُبًا ووفاءً ومعروفًا، ولكنّنا نُصدم بعدها أن رثاءه ما كان إلا حلية في مقدّمته كي يعكف على ندّه الفرزدق، مطلقًا عليه أعيرة التعيير والهجاء، مستغلاً شمائل زوجته الراحلة امتيازًا يرفع شأونه ويخسف شأن نظيره حيث يقول: 

أَفَأُمَّ حَزرَةَ يا فَرَزدَقُ عِـــــبتُمغَضِبَ المَليكُ عَلَيكُمُ القَهّــــارُ
كانَت إِذا هَجَرَ الحَليلُ فِراشَهاخُزِنَ الحَديثُ وَعَفَّتِ الأَسرارُ
لَيسَت كَأُمِّكَ إِذ يَعَضُّ بِقُرطِهاقَينٌ وَلَيسَ عَلى القُرونِ خِمارُ

ومن هنا تحوّل الرثاء سلاحَ تقريع يُفضح به الفرزدق وأهله، ولكن، رغم انحراف النية الحسنة، يمكننا أن نمنح جريرًا حسنة وضع اليد على الجرح، أو بالأحرى، السؤال الذي رمناه في البداية، لماذا لا يجهش الشاعر زوجته في قصيدته؟ حيث يقول لنا في مستهلّ قصيدته «لولا الحياء» العبارة التي من شأنها أن تحطم سدّ السؤال. 

أظنّ أن أي امرأة عربيّة، تدرك يقينًا ماذا يعني أن تستسقي المحبوبة قطرة غزل من رجل يحبّها، فالصحراء التي سكنها العرب، تجاوزت المكان لتسكن أرواحهم، وكما تشحّ الفلاة بالمطر، فإن التعبير الفطري عن المشاعر يكاد يجرح شفاه الرجل قبل أن يتفوّه به، ليس لفقر في عاطفته، ولا عجز في لغته، بل من أجل عقيدة الرجولة التي فُطم عليها منذ صغره، التي تحرمه من البكاء، لأن الرجل في ثقافتنا لا يبكي، ولأن العواطف حكر على النساء، والرجل الذي يسرّ بعواطفه لامرأة، يمنحها مقود ذاته، ذلك أن الحب ضعف، وكلّ ما هو ضعف لا يليق أبدا برجل. فلولا الحياء، لنثر جرير عبراته، بل ولزار قبرها، لكنّ الحياء، الذي يكبّل رجولته، يمنعه!

وهذا ما يستدعي التعاطف حقيقة مع الرجل، الرجل الذي يحمل على أكتافه إرثًا ثقيلاً من العُقَد التي يحاول التحرّر منها ما استطاع. أليست قاسية؟ تلك الثقافة التي تثقل كاهل الرجل بأمور، إن نظرنا لها مليّا، لوجدنا أنها لا تمتّ له بأي صلة، سوى أنها إرث ذكوريٌّ يشقى به الرجل، وتذوق المرأة ويلاته ألفًا. فما علاقة وهن الرجولة بكلمة رقيقة؟ وأين المصيبة في ذرف دمعة؟ وكيف يُهتك جبروته في إسراره بمشاعره لامرأة يحبّها؟ ولماذا يصبح من يحب «خروفًا»  يُقاد ولا يملك من أمره شيئا؟ ما علاقة كل هذا بالتأثير على الرجولة؟ وكيف يُعيّر الرجل لمجرد كونه إنسانا، يحس؟ 

حتى في حال تحرّر الرجل من هذا الجبل، فمن يحرّر أقرانه ومجتمعه من التنمر الذي سيمارس عليه في كل المجالس، ووسمه بنقص الفحولة وضعف الشخصية وقلة الحيلة حين عبّر يومًا في العلن عن مشاعره إزاء امرأة، فكيف إذن برثائها؟

لا يشكل النبي محمد صلى الله عليه وسلّم رمزا دينيًا فحسب، بل أخلاقيًا وإنسانيًا في ثقافة العرب، فحين أتت المنية ابنه إبراهيم، قبّله وشمّه، ثم ذرفت عيناه فسأله عبدالرحمن بن عوف: «وأنت يا رسول الله؟“ مستنكرًا، فأجابه:« يا ابن عوف، إنها رحمة، ثمّ أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

على سبيل الأمل، سنغيّر السؤال، متى سنقرأ لشاعرٍ يتغزل بزوجته حية قبل أن يرثيَها ميتة؟ حينما نكون على استعداد لمواجهة إرثنا المثخن بالذكورية، والقدرة على تفكيك ذواتنا وثقافتنا التي تراكمت على مقدّسات وخرافات لا منطق لها، تلك الأوهام التي فرضت على الرجل كبت مشاعره، وعلى المرأة الرضا بشظف العاطفة شعورًا وتعبيرًا، تلك المعايير التي لا أساس لها في ترتيب ما يجب أن يكون عليه الرجل، وما يجب أن تكون عليه المرأة متناسين تمامًا ما يجب أن يكون عليه الإنسان!

إذن، قبل أن نسأل لماذا ومتى يرثي الشاعر زوجته، علينا أن نسأل أولا لماذا يكتم العربي عاطفته حياء؟ ولا يفيض بها رحمة؟

هذه كتب وقصائد جديرة بالذكر، لمن يود الاستزادة: 

  • قصائد علي بن أبي طالب في رثاء زوجته فاطمة عليها السلام.
  • رثاء الشيخ خليفة بن سعيد آل مكتوم لزوجته، وقد غنيت القصيدة بعدها بأصوات المطربين الإماراتيين: جابر جاسم وميحد حمد. 
  • ديوان رثاء الزوجات من الشعر السومري إلى قصيدة النثر للمؤلف الشاعر العراقي محمد مظلوم، وهو من منشورات الجمل. 

د. دلال البارود شاعرة وباحثة في مجال الأدب المقارن.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.