آراء عدد الحُب

أعظم قصة حُب عربية: البدوي وجمله

العلاقة بين الاثنين تتجاوز كل الروابط الأخرى التي قد تربط الإنسان بالحيوان

English

بقلم غادة المهنا أبالخيل

صورة بعنوان «بدوي على جمله». أُخذت الصورة بين ١٩١٠-١٩٤٦ ميلادي . الصورة: مكتبة الكونغرس.

وإِنِّي لأُمْضِي الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ..بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَلُوحُ وتَغْتَـدِي

 أَمُـوْنٍ كَأَلْوَاحِ الإِرَانِ نَصَأْتُهَـا..عَلَى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُـدِ

 جُـمَالِيَّةٍ وَجْنَاءَ تَرْدَى كَأَنَّهَـا..سَفَنَّجَـةٌ تَبْـرِي لأزْعَرَ أرْبَـدِ

 تُبَارِي عِتَاقاً نَاجِيَاتٍ وأَتْبَعَـتْ..وظِيْفـاً وظِيْفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعْبَّـدِ

– طرفة بن العبد

عندما يفكر المرء في بدوي عربي، لا يسعه إلا أن يفكر في رفيقه الأنيق الذي يقف بجانبه: الجمل. العلاقة بين الاثنين هي علاقة تتجاوز كل الروابط الأخرى التي قد تربط الإنسان بالحيوان. إنها قصة يمكن إرجاعها إلى آلاف السنين، وهي محفورة بعمق في ذكريات أسلافنا وقد أصبحت خالدة.

إن الحُب بين البدوي وجمله هو حب فريد من نوعه بدأ منذ آلاف السنين في قلب شبه الجزيرة العربية، وهو مؤلف من رابط نما من حرارة الشمس الحارقة واتساع الصحراء حيث يتألم النوعان- الإنسان والإبل- ويبتهجان معًا، كنفس واحدة.

اعتمد كل منهما على الآخر بطرق مختلفة. نقلت الجمال البدو عبر الأراضي وحملت الكثير من حمولتهم. واطعمت النوق الكثير من حليبها ووفرت للبدو المأوى من شعرها، والذي كان يتم نسجه في البطانيات والخيام. وبما أن حياة البدو كانت تتمحور حول التنقل، فإن الأرض لم تكن لها قيمة بالنسبة لهم، ولكن الجمال كانت مقياسًا للثروة. في المقابل، اعتنى أهالي البادية بالإبل بإطعامها وإرضاع صغارها؛ بالتمسك بجانبهم طوال حياتهم وإعطائهم الاهتمام الذي يستحقونه.

نوع رائع من العلاقة، كلاهما يعبر عنها بطريقته الخاصة؛ فالجمل الذي يحب صاحبه يتذكر صوته حتى بعد مرور سنوات عديدة، وسوف يندفع إلى جانب صاحبه بمجرد رؤيته، وسيفرك رأسه على جسده كتعبيرًا عن حبه له. في حين أن البدوي يعبر عن حبه للحيوان من خلال أفعاله، والأهم من ذلك من خلال كلماته ، كما فعل الشاعر لبيد بن ربيعة في معلقته، التي امتدح رجل عجوز جمله العجوز فيها:

بِطَلِيحِ أَسْفَـارٍ تَرَكْنَ بَقِيَّـةً.. مِنْهَا فَأَحْنَقَ صُلْبُهَا وسَنَامُهَا

فَإِذَا تَغَالَى لَحْمُهَا وَتَحَسَّرَتْ.. وَتَقَطَّعَتْ بَعْدَ الكَلالِ خِدَامُهَا

فَلَهَا هِبَابٌ فِي الزِّمَامِ كَأَنَّهَا.. صَهْبَاءُ خَفَّ مَعَ الجَنُوبِ جَهَامُهَا

صورة بعنوان «بدوي على جمله». أُخذت الصورة بين ١٩٢٥-١٩٤٦ ميلادي . الصورة: مكتبة الكونغرس.

ولا يمكننا الثناء على الإبل بما فيه الكفاية، لأن وجودها متجذر بعمق في حياة العرب وروحهم بكل الطرق التي يمكن تخيلها، فالإبل مخلصة جدًا لصاحبها لدرجة أنها دافعت عنه بشدة في أوقات الحرب وآذت من أساء إليه. وهذا الأمر لم يمر دون أن يلاحظه أحد؛ فأصبحت الإبل أداة يستخدمها الشعراء لوصف أعمق مشاعرهم، فاستخدمت كأمثلة مجازية، كما كتبت الخنساء، واصفة نفسها بأنها جمل فقدت طفلها عندما رثت أخيها:

وَما عَجولٌ عَلى بَوٍّ تُطيفُ بِهِا..لَها حَنينانِ إِعلانٌ وَإِسرارُ

تَرتَعُ ما رَتَعَت حَتّى إِذا اِدَّكَرَت..فَإِنَّما هِيَ إِقبالٌ وَإِدبارُ

يمكن القول حقًا أن الرابطة ذات أهمية قصوى للهوية العربية لأنه لا توجد مرحلة في حياة الجمل، ولا لحظة نمو، فلتت من اهتمامهم. فهناك مجموعة كاملة من المفردات لوصف الإبل: على سبيل المثال تسمى الإبل الحمراء «الأصايل»، وتسمى الأغمق منها «المجاهيم»، والناقة التي مات صغيرها فتشتاق إليه تسمى «الخلوج»، والأنثى التي تفوق سائرها في كل شيء تسمى «الفاهية». لم يحظ أي حيوان آخر بهذا الاهتمام، لأن اسمها الثمين عطاء الله.

ولذا عندما يفكر المرء في هذه العلاقة وكيف توراثتها الأجيال ، يتساءل المرء كيف ستنمو أكثر وتزدهر في المستقبل. نعم، الزمن قد تغير والحياة البدوية كما نعلم جميعًا أصبحت نادرة، ومع ذلك، لا بد من القول إن هذه الرابطة القديمة الجميلة بين الإنسان والجمال والتي كانت تتجاوز كل جوانب الحياة لا يمكن نسيانها ولا ينبغي كسرها. لأنه ما هو مستحق لهذه الحيوانات المهيبة التي كانت بجانب أسلافنا لقرون، وعاشوا معهم كل لحظة سعيدة وحزينة، أصبح في النهاية جزءًا لا يتجزأ من هويتنا وتاريخنا.


غادة المهنا أبالخيل سعودية متخصصة في مجال الإعلام والسياسة ولديها خلفية قانونية. تقطن غادة حاليًا في برلين.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذا المقال تُرجم من اللغة الإنجليزية.