ثقافة وفن عدد الحُب

مشعوذون يعدون زبائنهم الحب والزواج في زمن الإنترنت

مسائل القلب والحُب من أبرز الخدمات التي يوفرها« الشيوخ الروحانيون»

English

بقلم عائشة القحطاني

الصورة: Shutterstock.

لا زلت أذكر تلك الليلة التي كنت أستمع فيها إلى مقابلة على قناة عربية مع امرأة لجأت إلى السحر لتتزوج من رجل أحلامها. تشرح السيدة قصتها قائلة بأنها أعجبت بشخص متزوج وكانت تريده أن يطلق زوجته ويتزوجها، وبما أنه لم يفتح لها أي مجال للتعارف، لجأت إلى «شيخ روحاني» الذي وعدها أن يجلبه لها حتى ولو كان مغرمًا بزوجته وأنجب منها أطفالًا. بعدها، تزوجت المرأة من الرجل وأنجبت منه أطفالًا ولكنها سرعان ما بدأت أن تشعر بأن زوجها مسلوب الإرادة وأنه معها رغمًا عنه ولا يحبها حقًا. لا بد أنكم تتساءلون ماذا كان الهدف من إجراء مقابلة معها. كانت السيدة يائسة وترغب في أن يبادلها زوجها شعور حقيقي، وأنه يريدها وليس معها رغمًا عنه. اندهشت المذيعة واندهش المستمعون من قصتها وشعورها بأنها الضحية في هذه الحالة، وتساءلوا كيف لها أن تشعر بأنها الضحية وقد ساهمت في هدم بيت زوجها؟

قصة السيدة ليست بجديدة. لطالما لجأ الناس للسحر والشعوذة عند شعورهم بأنه لا يوجد حل غير ذلك لمشاكلهم المستعصية في نظرهم. مارس الناس السحر لآلاف السنين، واشتهرت به بعض البلدان كالمغرب، وإندونيسيا، وتانزانيا، والهند، ومصر ودول جنوب أمريكا وغيرها من الدول حول العالم. يلجأ الناس للسحر والشعوذة في مسائل مختلفة تتعلق بالصحة، والانتقام، وطلب العمل، والوفرة المالية، ولفك السحر، وإبطال أثر الحسد. لكن مسائل القلب والحب لربما تكون من أشهر «الحلول» التي يوفرها المشعوذين.

في عصر ليس بقديم كانت الناس تلجأ للمشعوذين أو «الشيوخ الروحانيين» في منازلهم، والتي لطالما صورها الإعلام والأفلام السينمائية كأماكن مظلمة، وموحشة، ومخيفة. ولكن الوضع اختلف كثيرًا في عصرنا هذا، فليس علينا حتى مغادرة منزلنا للجوء إليهم ولكنهم هم من يلجؤون إلينا ويسوقون لبضاعتهم كما يسوق لها التجار على مواقع التواصل الاجتماعي.

حدثتني زميلتي قبل عامين عن طلبات الإضافة الكثيرة التي تصلها عبر تطبيق «انستقرام» من قبل شيوخ روحانيون يسطرون على صفحاتهم أهم الخدمات التي يقدمونها من جلب الحبيب إلى إرجاع الطليق إلى طليقته. لم تكن زميلتي متزوجة حينها وقالت مازحة ما إذا كان استشعروا بذلك وأرادوا مساعدتها. كنت أتوقع أن زميلتي كانت تبالغ بقولها حينما أخبرتني بأنها تصلها طلب إضافات شبه يومية،  ولكن سرعان ما حدث الأمر لي كذلك. من أم فلان إلى أبي فلان، «الشيوخ الروحانيين» -الذين لا يستخدمون اسمهم الكامل في العادة- يقدمون خدماتهم عن طريق صفحات صممت بطريقة احترافية، وتضم رابط لموقعهم الإلكتروني، والذي يوفر معلومات أكثر وطريقة دفع إلكترونية وسرية. 

الشيخة الروحانية أم فلان (اسم مستعار) توفر خدماتها عبر موقعها الإلكتروني، والذي صمم بطريقة عصرية واحترافية توفر للزبائن التواصل معها مباشرة عبر تطبيق المحادثة «واتس آب» أو من خلال مكالمة عبر تطبيق «فيس تايم». تصف أم فلان نفسها بأنها «عالمة روحانية» تختص بالعلوم النورانية وتمارس علم يتوافق مع الشريعة الإسلامية (حسب قولها). من الخدمات والعلاجات الروحانية التي تقدمها هي «جلب الحبيب خلال ساعة مع إثبات البرهان»، وفك السحر، وتهذيب الزوج. تثق أم فلان بعملها جدًا وتطلب من الزبون أن يدفع لها فقط بعد حصوله على النتيجة المضمونة.  تترواح أسعار الخدمات من مئات إلى آلاف الدولارات حسب المشكلة وخبرة المشعوذ أو الشيخ الروحاني.

أما الشيخ الفلكي الروحاني أبو فلان، فهو نشيط عبر منصة تويتر ولديه آلاف المتابعين. يفتخر الشيخ بمعالجته لجميع أنواع السحر، والحسد، وتسهيل زواج العانس، وحل جميع مشاكل تعطيل الزواج، ويوفر خدماته عبر تطبيق «واتس آب» و«إيمو»، ويشارك متابعيه قصص نجاح الأشخاص الذين تعالجوا معه.

لربما نتفهم لجوء الناس في العصور القديمة للسحر والشعوذة خاصة حين يكون المجتمع جاهل وغير ملم بكثير من الأمور، ولكن لماذا يلجؤون إليها الآن وقد توفرت حلول وفرص كثيرة لمسائل مختلفة كالعلاج من الأمراض؟  ولماذا يلجأ الناس للسحر والشعوذة في مسائل الحب؟ 

في دول فقيرة كهايتي، قد تكون الأسباب متعلقة بالمادة. يلجأ بعض الناس للشعوذة للعلاج من الأمراض كونها رخيصة في السعر مقارنة بالعلاج الطبي الحديث، خاصة فيما يتعلّق بالأمراض العقلية والمستعصية.

وفيما يتعلق بمسائل الحب، فقد تكون الثقافة المجتمعية سبب رئيسي في التشجيع على ذلك. كشفت دراسة ميدانية متعلقة بالسحر والشعوذة أجريت من قبل قسم البحوث والدراسات التابع لإدارة مراكز التنمية الأسرية في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة ، الإمارات العربية المتحدة عام ٢٠١٤ أن ٩٢.٧ في المائة من عينة البحث لا تمانع اللجوء إلى السحر والشعوذة كوسيلة لعلاج الأمراض المستعصية. كما واعترف عدد من أفراد عينة الدراسة باللجوء إلى السحر للعثور على الحب وجذب الزواج وحل المشكلات الزوجية. وحول الأسباب التي تدفع الناس إلى اللجوء إلى السحر في المقام الأول، فإن الثقافة المجتمعية جاءت بنسبة ٨٤ في المائة. المعتقدات الثقافية، مثل أن السحر يمكن أن يساعد في حل القضايا، تحظى بشعبية في بعض الثقافات العربية، وبين بعض المجتمعات داخلها.

أما بالنسبة للأشخاص الذين يلجؤون للمشعوذين والشيوخ الروحانيين لاستقطاب شخص معين أو تفريقهم من أزواجهم، يرجح الدكتور جاستن توماس، بروفيسور علم النفس في جامعة زايد في أبو ظبي، الأسباب وراء ذلك إلى “«مرض العشق» والوصول لمرحلة من العشق الذي قد يؤدي إلى الاضطرابات النفسية. ويضيف أنه في بعض الحالات قد يتجاوز العشق الحدود الصحية ويتحول إلى الهوس. ويضيف الدكتور جاستن أن اللجوء إلى إلحاق الأذى بالناس عبر هذه الوسيلة قد يوفر سبيل للنجاة للمتسببين إذا وصل أمر اتهامهم إلى القضاة، إذ قد يلومون حالتهم النفسية.

في مقابلة مع صحيفة البيان الإماراتية أرجع الدكتور عبداللطيف العزعزي، خبير أسري وتربوي، الأسباب وراء قيام الناس باللجوء إلى المشعوذين إلى استعجال الأشخاص في الحصول على النتائج السريعة وشعورهم باليأس آملين في أن اللجوء إلى هؤلاء الأشخاص قد يساعدهم في الحصول على مبتغاهم.

يتبين أن اليأس، والحب، واستعجال النتائج هي من أبرز الأسباب خلف لجوء الأشخاص إلى المشعوذين والشيوخ الروحانيين. فمثلًا كيف كانت ستتغير حياة السيدة التي تحدثت عنها في بداية المقال لو أنها قابلت شخصًا آخر وعاشت معه قصة حب حقيقية يتبادل فيها الطرفان المشاعر الصادقة من دون تلاعب أو شعوذة؟.يدفعنا هذا الأمر إلى التساؤل ما إذا كان سيحصل الأشخاص على كل ما يتمنونه إذا ما صبروا قليلاً أو اقتنعوا أن هناك ما يكفي الجميع في العالم وأن الحياة لا تقتصر على شخص أو شيء معين.


عائشة القحطاني كاتبة وصحفية سعودية. 

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.