آراء

لماذا أفضل الكتابة بالإنجليزية وأنا عربية

لست هاجرة لهويتي العربية، بل أحتفي بها.

English

بقلم آمنة الهرمودي

الصورة: Canva.

هذه المقالة مترجمة من الإنجليزية.

لم أبدأ بتعلَّم اللغة العربية حتى سن الخامسة، وحتى عندئذ كان ذلك بدافع الضرورة؛ فحين كنت في الخامسة من العمر، كنت لا أزال طفلةً وحيدةً لأبوين عاملين، لذلك كثيرًا ما كنت أُترك بمفردي، إمَّا بصحبة مربيتي أو تلفازي الوفيّ، وكان كلاهما ينطقان باللغة الإنجليزية. وفي حين أنَّ أقربائي كانوا يتحدثون الإنجليزية، كانوا يفضّلون مضايقتي باللغة العربية عن رداءة لغتي العربية. من هنا بدأ صراعي، الذي لا يزال موجودًا حتى يومنا هذا: لم أكن قط أستطيع أن أتذكر ما إذا كان غرض ما مذكرًا أم مؤنثًا، ومازال تذكير وتأنيث أطراف الجسد يختلط عليَّ حتى اليوم. ثم شيئًا فشيئًا – وبخطى واثقة – بدأت أكتسب بعض الحيل المفيدة، كأن أعرف أنَّ الشمس مؤنثة لأنَّ أشعتها كخصل الشعر، وأنَّ القمر مذكر لأنَّه أصلع الرأس، وهكذا. لكن مهما حاولت، كان أقربائي يتعلمون العربية بسلاسة تامة، في حين لم أستطع أنا التقدم عليهم قط؛ وحتى عندما كنت أشعر أنَّني تمرنت بما يكفي لأصبح بنفس مستواهم، لم يعترفوا قط بأنَّني أصبحت مساويةً لهم.

لذا عوضًا عن ذلك، استثمرت كل جهدي في اللغة الإنجليزية؛ اللغة التي لم تسخر مني قط، على عكس ما حدث تاليًا: فعندما التحقت بالمدرسة، صار اعتمادي على اللغة الإنجليزية مصدر تسليةً لزميلاتي. وكلما أشادت بي معلمتي، سخرن مني زميلاتي، وسرعان ما أدركت أنَّني لم أكوَّن صداقات قط، ومن ثم بدأ حبي للغة الإنجليزية: بدأ ذلك في الصف الثاني الابتدائي، وفيه كانت فترة الاستراحة هي الوقت الذي يستمتع فيه المتنمرون باتخاذي محط سخريتهم. لهذا، بدلاً من الخروج، كنت أبقى في الصف، بعد أن أتوسل لمعلمتي لتسمح لي بذلك. وهناك، كنت أُنهي فروض المطالعة المدرسية، التي كانت عبارة عن روايات قصيرة كنت أقرأها كلها بكل سهولة. وقد لاحظت معلمتي – الأستاذة آنيت – ذلك وبدأت تكلفني بقراءة المزيد من الروايات. وبعد مرور شهر، كنت قد أنهيت المستوى الثاني من الروايات القصيرة. منذ ذلك الوقت فصاعدًا، صارت الوحدة سمة حياتي المدرسية، لكن هذا لم يكن يهمني، طالما كان بإمكاني أن أجد مكانًا هادئًا أختبئ فيه برفقة رواية «العملاق الودود الضخم» أو شخصية «ماوكلي». وهكذا، بدأت أنسى الحاجة الملحّة لتعلم اللغة العربية أكثر، وهربت إلى العوالم التي تُصوّرها لي الحروف اللاتينية.

«استثمرت كل جهدي في اللغة الإنجليزية؛ اللغة التي لم تسخر مني قط»

 بمرور الوقت، تحسنت لغتي العربية، حتى إنَّني عندما وصلت للمرحلة الثانوية، كانت المعلمات يطلبن مني أن ألقي الخطب، بل وأتلو القرآن الكريم، في الطابور الصباحي الأسبوعي. لكنَّ لغتي العربية لم تصبح ممتازة كلغتي الإنجليزية قط، ولم أكن أبذل قصارى جهدي في تعلمّها قط. أتذكر بوضوح كم كنت متقدمةً في اللغة الإنجليزية مقارنةً بنظرائي، إلى حد أنَّ إحدى المعلمات أجلستني أمامها وطالبتني بأن أخبرها عمَن كتب مقالاً بدلاً منيَّ، ظنًا منها أنَّني نسخته. وفي السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، عرضت إحدى معلماتي مقالي على الصف باعتباره مثالاً ممتازًا. ومع كل ذلك، لم تفعل هذه الإطراءات شيئًا كي تبدد الهمهمات من وراء ظهري والمجاملات الكاذبة من زملائي لكي أساعدهم في الغش. مرة أخرى، عدت للغة الإنجليزية المخلصة دائمًا من خلال الروايات والكتابة في مذكراتي. 

آمنة الهرمودي والآنسة آنيت. الصورة: آمنة الهرمودي.

وعندما كانت اختيارات الجامعة تلوح في الأفق القريب، وقع اختياري على جامعة أمريكية ليست لا تدرس اللغة العربية على الإطلاق. تلك الجامعة هي مَن تقبلتني كما أنا وسمحت لي بأن أدرس الأدب والكتابة الإبداعية باللغة الإنجليزية اللذين أحبهما كتخصص أكاديمي؛ ولكم شعرت بالرضى لأنَّني كنت أكتب وأقرأ وأتحدث باللغة الإنجليزية طوال اليوم في كل يوم! مضى عهد التعليقات الساخرة والتهكمات؛ ليحل محلها أناس يقدّرون موهبتي ويشاركونني حُب القراءة والكتابة ، ولا سيما الأساتذة الجامعيين الذين أثنوا عليَّ ودفعوني للأمام ودعموني في خططي لنشر أعمالي باللغة الإنجليزية.

قد يعجبك أيضًا:

حتى مع دخولي هذا العالم الجديد – بأبوابه العديدة المفتوحة بانتظاري –  ظل هناك صوت صغير ينتقدني في عقلي الباطن؛ لقد تحولت أصوات المتنمرين عليَّ وأفراد عائلتي إلى صوت سلبي يتردد في ذهني، ويذكرني دائمًا بأنَّني أخالف شيئًا ما، أخالف تيار المحيط الذي هو عروبتي. كنت على علم بجمال اللغة العربية (فأنا أحفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم)، ولكن في الوقت نفسه، كيف لي أن أقاوم جاذبية اللغة الإنجليزية ووعدها بالإخلاص؟ كيف لي أن أنكر كل ما أريد أن أكونه؟ صحيح أنَّني امرأة عربية إماراتية، لكنَّ لمَ لا أستطيع أن أكون كذلك، وفي الوقت نفسه أكتب وأتحدث باللغة الإنجليزية؟

لقد سخرت مني اللغة العربية، حين كانت تظهر في الأغاني الشهيرة ولم أكن أفهم بعض كلماتها، وحين كان أفراد أسرتي يتهكمون على أخطائي النحوية. أمَّا اللغة الإنجليزية، فقد احتوتني بصدر رحب: كنت أستطيع فهم كلمات الأغاني والقصائد الشعرية والمسرحيات والروايات وغيرها الكثير، ولربما أمكنني يومًا ما أن أكون بنفس مستوى الكتَّاب الذين أقرأ لهم، وأن أحظى بالتقدير العالمي. نعم، صحيح أنَّ لغتي الأم واللغة الأولى لبلادي هي العربية، لكن ألا يمكنني كتابة قصتنا – قصة العرب – باللغة الإنجليزية؟ القصة التي رأيتها محرَّفة مرات لا تُحصى، القصة التي أعشق عيشها، وفي الوقت نفسه لا أراها مُعبَّر عنها بما يكفي في كثير من الأحيان؛ قصة العرب – تقاليدنا، وأسلوب حياتنا، وكفاحاتنا – التي تتضمن تفاصيلنا كعرب، لكنَّها تعرض تجارب إنسانية لها صدى لدى الجميع. 

«نعم، صحيح أنَّ لغتي الأم واللغة الأولى لبلادي هي العربية، لكن ألا يمكنني كتابة قصتنا – قصة العرب – باللغة الإنجليزية؟»

لقد أدركت أنَّ هذا النوع من القصص هو ما أريد معرفة المزيد عنه ومشاركته من خلال كتاباتي: أردت أن أنقل قصص التجارب الإنسانية – بلمساتها العربية الرقيقة الجميلة – من خلال اللغة الإنجليزية، وألا أترك فرصة لأن تتعرض معانيها للإضافة أو الاستبدال. لقد كان بعض الأستاذة في مساقاتي الجامعية يكلفوننا بقراءة نصوص عربية مُترجمة. كلها أنارت بصيرتي، حيث بدأت أخيرًا أفهم وأتعلم أكثر عن هويتي العربية من خلال الترجمة. ولكن سرعان ما عرفت أنَّ للترجمة عيوبها، وأنَّ بعض روائع الأدب العربي لم تُترجم بعد، وحتى المُترجمة منها تبدلت معانيها ودخلت عالم اللغة الإنجليزية، بتاريخه وثقافته الخاصة. وعلى الأرجح، عندما تتم ترجمة هذا المقال للغة العربية، ستكون بعض معانيه وتعبيراته المنتقاة بعناية قد تبدلت أو ضاعت وسط بحر جديد من المعاني والدلالات التي تقدمه الكلمات العربية؛ ففي النهاية، عالم اللغة العربية هو عالم يضم كلمات وعبارات تشير إلى التقاليد القرآنية وتاريخ العرب وثقافتهم، فكل لغة لها سياقها وعالمها الخاص. إذن، لمَ لا أبدأ من العالم المقصود من البداية؟ إن فعلت ذلك، سيصبح بإمكاني أن أوجد السياق والتاريخ في حد ذاتهما، إلى جانب أي مفاهيم أو أفكار أو معلومات أرغب للقارئ أن يعرفها ويصل إليها، دون أن أنتظر من شخص آخر أن يتصيد الأخطاء ويختار جوانب العروبة التي يريد إظهارها. لست أنسى أنَّ اسمي كُتب باللغة العربية أولاً، ولا أنَّني أقول «السلام عليكم» قبل أن أقول «Hello» («مرحبًا» باللغة الإنجليزية). إنَّني أريد من خلال اللغة الإنجليزية أن أدفع بقصصي التي تركز على العرب نحو القمة، تمامًا كما فعل عُمر سيف غباش في كتابه «رسائل إلى شاب مسلم» Letters to a Young Muslim، الذي يُسلط الضوء على الاختلافات العديدة التي تكوّن الإنسانية – كالدين والعرق – ومع أنَّ هناك قدرًا غير محدود من التجارب الإنسانية المشتركة. إنَّني أريد لقصص العرب أن تصبح عالمية ومتاحة قدر الإمكان وسط قرَّاء شكسبير وغيره من المؤلفين الذين يكتبون باللغة الإنجليزية؛ فلماذا نُخفي  قصص العرب بين طيَّات التعقيد؟

«في العالم العربي، هناك وصمة عار تحيط بتعلم لغة أخرى والاعتماد عليها باعتبار أن ذلك يُعد هجرًا..ليس ثمة هجر، بل هي إعادة اكتشاف»

إنَّ اللغة الإنجليزية باتت في عصرنا هذا لغةً شبه عالمية، تظهر في مجال الترفيه كالأفلام والمجالات الرسمية كجوازات السفر، وهو ما أثار في الدول العربية العديدة مخاوف مما إذا كنَّا نهجر تقاليدنا بتقبّلنا اللغة الإنجليزية بصدر رحب. ففي العالم العربي، هناك وصمة عار تحيط بتعلم لغة أخرى والاعتماد عليها باعتبار أن ذلك يُعد هجرًا؛ ولعل هذا قد نتج عن مشاعر متبقية من الاستعمار، أو من جراء مشاعر نزعة الاستعلاء الإنسانية بهدف إخفاء الفشل. أنا نفسي كنت هدفًا لمزاعم الهجر هذه في مرات عديدة، حينما كان فرد من أفراد عائلتي أو أستاذ من أساتذتي يغضب من والديَّ لأنَّي لست ملمة باللغة العربية، لغة القرآن. وردًا على هذا، أقول: لَم لا يمكنني أن أكون عربية باللغة الإنجليزية؟ أريد أن أكتب عن الساعات المضنية التي أقضيها في اختيار أقمشة الجلابيات. أريد أن أكتب عن تعلَّمي كيفية الصلاة مع جدتي، وارتدائي إسدال صلاة أزرق اللون أكبر من مقاسي بكثير. أريد أن أكتب عن مدى امتناني للتفاصيل العربية البسيطة، من شعار الدولة الذي يعتلي جواز سفري إلى الأرز المتبّل الذي آكله يوميًا. أريد أن أكتب عنها لأًخرجها للوجود، لأبني بها جسرًا يربط بين عالم اللغة الإنجليزية وعالم اللغة العربية، حتى يتسنى للجميع الاطلاع على هذه القصص الثمينة. ليس ثمة هجر، بل هي إعادة اكتشاف.

مازالت عائلتي تسخر مني لأنَّ لغتي العربية بحاجة للتحسين، ولا يفهمون ما الذي سأفعله بشهادة في الأدب الإنجليزي والكتابة الإبداعية؛ لكنَّها ستساعدني على مشاركة عالمي العربي – دون الحاجة إلى ترجمة – بحيث يكون متاحًا أمام أي قارئ يدفعه الفضول، وعلى نقل القصص بأسلوب بليغ دون أن أخشى من تعرض صورة العرب للتغيير، سواءً خلال العملية ذاتها أو من جراء أي أجندة سياسية، وعلى جعل تلك القصص أن تعتلي الرف ذاته بجوار كتب جي كي رولينج وجهومبا لاهيري . لست أهجر هويتي، بل أحتفي بها!


آمنة الهرمودي كاتبة إماراتية شغوفة بكتابة القصص الإماراتية المخفية. فازت بالمركز الثاني في جائزة الإبداع السنوي لمؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون (ADMAF) في عام ٢٠١٩ عن قصتها القصيرة «ترانزيت» التي شاركت في كتابتها. تم نشر أعمالها في المجلة الأدبية لجامعة نيويورك أبوظبي «طريق المطار »، والمجلة الأدبية لجامعة نيويورك «بريو»، والمجلة الأدبية «بوست سكريبت» التي تتخذ من باريس مقرًا لها. تتدرب آمنة حاليًا في سكة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.