آراء

خارج عن المألوف: أن أكون صينية-جزائرية

الحياة ليست دائماً وردية.

English

بقلم ساره زحاف

الرسمة: موزة الزعابي.

«من أي بلد أنتِ؟»

على الرغم من أن هذا السؤال عادة ما يمثل بداية محادثة بريئة أو طريقة للتعرف على الطرف الآخر أكثر، إلا أنه غالباً ما يؤدي إلى أكثر من ذلك بالنسبة لي نظراً لخلفيتي العرقية.

«أنتِ صينية؟ أنتِ جزائرية؟ أنتِ مزيج من الإثنين؟ هذا مزيج فريد من نوعه! لم أقابل أي شخص بمثل هذه الخلفية من قبل».

«أنتِ نصف صينية ونصف جزائرية؟».

«أنتِ لا تبدين صينية».

«أنت لا تبدين جزائرية». 

«هل تجيدين الحديث بالماندرين؟ هل تتحدثين العربية؟ أي واحدة من اللغتين تفضلين؟»

لقد تلقيت نصيبي من الأسئلة التي تسألني عما إذا كنت «صينية حقاً» أم إذا كنت «جزائرية حقاً»، وهذا الاستجواب المتكرر يواجهه معظم الأشخاص الذين ينحدرون من خلفيات عرقية مزدوجة مثلي. الجواب البسيط على هذا السؤال هو «أشعر أنني كليهما: جزائرية وصينية».

بالطبع، هناك فوائد كثيرة لإنحداري من خلفية عرقية مزدوجة: لدي القدرة على اختبار ثقافتين مختلفتين بشكل مباشر في نفس الوقت، ولدي القدرة على التحدث بأربع لغات (الصينية، والعربية، والفرنسية، والإسبانية)، بالإضافة إلى قدرتي على السفر وتقضية إجازاتي السنوية في بلدين كل عام وتكوين صداقات جديدة في الجزائر والصين.

ومع ذلك، الأمور ليست دائماً بهذه الوردية. في النهاية، لطالما حسسني الآخرون في كلتا البلدين بأني غريبة، وأني لا أنتمي إليهم.

عندما أزور الجزائر، يصنفني الجزائريون كصينية. وعندما أزور الصين، يتم تصنيفي على أنني جزائرية أو أجنبية.

التقى والدايَّ في الإمارات العربية المتحدة، حيث وُلِدتُ وترعرعت، وعلى عكس الوضع في الصين أو الجزائر، لم أشعر يوماً بأنني مختلفة أو غريبة في الإمارات العربية المتحدة لأنني وجدت الكثير من الأشخاص الذين ينحدرون من خلفيات مزدوجة مثلي. لم أكن أدرك حتى أن خلفيتي كانت بمثابة أمر ذو أهمية، ولم أشكك قط في انتمائي للجزائر والصين..حتى صار عمري ١١ سنة.

قد يعجبك أيضاً:

في ذلك السن، انتقلنا أنا وعائلتي من الإمارات العربية المتحدة إلى الجزائر لتوسيع تجارتنا العائلية، وبقينا هناك لمدة خمس سنوات. ما زلت  أتذكر الصدمة الثقافية التي اختبرتها بعد استقرارنا في الجزائر، التي لا لم تكن تشبه الإمارات العربية المتحدة أبداً. ففي الجزائر، اضطررت إلى إكمال تعليمي الثانوي بأكمله باللغة الفرنسية – وهي لغة لم أكن أعرفها وقتها – ولاحظت أنني لا أشبه الجزائريين هناك. أتذكر المرة الأولى التي قدمت فيها نفسي «كصينية-جزائرية» لطلاب صفي. لم يرسخ في بال زملائي في الفصل من تلك الكلمتين إلا كلمة «صينية».

بعد فترة وجيزة، بدأ العديد من زملائي بتوجيه الشتائم العنصرية نحوي بسبب خلفيتي الثقافية المختلفة، وحقيقة أنني كنت أتحدث العربية والفرنسية المكسرة (نشأت مع اللغة الإنجليزية كلغتي الأم)، وعدم اتقاني للغتين، جعلني عرضة للمزيد من التنمر والاستجواب. وعلى مر السنين التي قضيناها في الجزائر، كنت أشعر باستمرار أنني غريبة عن مجتمعي لمجرد أنني لم أكن جزائرية  ١٠٠٪.

لم تكن الأمور مختلفة في الصين. على الرغم من أنني قضيت وقت أكثر هناك عندما كنت أصغر سناً، إلا أنني كنت لا أزال «أجنبية» في أعين الناس، وكان يسخر مني الغرباء وأفراد أسرتي على حد السواء بسبب لكنتي عندما كنت أتحدث بالماندرين. كنت دائماً أسمع «كيف لا يمكنك أن تتحدثي الماندرين بطلاقة؟ إنها لغتك الأم. كيف لا تفهمي اللغة؟» من أفراد أسرتي وغيرهم.

كل هذه الملاحظات المستمرة جعلتني أشعر أنني دخيلة. ولكن لماذا غالباً ما يعني أن تكون من خلفية مختلطة أن تكون دخيلاً؟

مع مرور الوقت، وبعدما فكرت أكثر وأكثر في تجاربي في كل من الجزائر والصين، قلت لنفسي: لماذا لا يمكنني أن أكون كليهما، صينية وجزائرية؟ لماذا علي أن أختار أحدهما أو الآخر؟ أن أكون جزائرية أكثر من أن أكون صينية، أو أن أكون صينية أكثر من أن أكون جزائرية؟ أن أُفضِّل دولة على الأخرى؟ أن أُفضِّل ثقافة ولغة على أخرى؟ لماذا يُصعِّب الكثير من الناس حياة الأشخاص الذين ينحدرون من خلفيات مزدوجة أو مختلطة مثلي، حتى نحس أننا لا ننتمي لأي مكان في نهاية المطاف؟ 

تعلمت أنه مهما حاولتُ، لن استطيع أن انسجم كلياً في أي من الثقافتين في أعين الناس، لكن هذا لا يعني أنني لا أنتمي لأي من الثقافتين. عندما عدت إلى الإمارات العربية المتحدة لمتابعة دراستي الجامعية، أدركت أن الاختلاط لا يعني أن أكون دخيلة. عودتي ذكرتني بالفترة التي قضيتها في الإمارات العربية المتحدة عندما كنت طفلة، عندما لم تكن خلفيتي أمر ذا أهمية كبيرة. مع وجود الكثير من الأشخاص القادمين من خلفيات عرقية وثقافية مختلفة ، فإن انحدارك من خلفية عرقية مزدوجة أو مختلطة لا يجعلك شخصاً غريباً هنا، إنما يجعلك جزءاً من مجتمع متنوع.

الآن، عندما أزور أي من الجزائر أو الصين ، أعلم أنني لا -ولم- أحتاج أبداً للحصول على موافقة الآخرين لأعتبر نفسي صينية وجزائرية بما فيه الكفاية. على الرغم من أنني قد لا أبدو مثل أفراد عائلتي الآخرين وأصدقائي الذين يأتون من خلفيات موحدة ويتحدثون لغاتهم الوطنية بطلاقة، إلا أنني ما زلت أستحق أن أكون جزءاً من المجتمعين الذين أحملهما في دمي وقلبي، بغض النظر عما يقوله الآخرون عني. أنا صينية وجزائرية، لست نصف أي منهما، ولست أحدهما أو الآخر، ولكن كلاهما معاً.


ساره زحاف كاتبة جزائرية-صينية، وطالبة تدرس العلاقات الدولية واللغة الإنجليزية في الجامعة الأمريكية في الشارقة. سارة شغوفة بالثقافة، والفنون، والأدب، وهي حالياً متدربة في سكة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.