ثقافة وفن

ماذا تعرفون عن «المُعلَّقات لجيل الألفية»؟

نظرة على المجلد الذي يقدم القصائد بطريقة معاصرة لجيل جديد من القراء.

English

بقلم فريق سكة

المعلَّقات هي مجموعة من أفضل قصائد العصر الجاهلي، والتي تشكل لوحة لا مثيل لها عن  الحياة في شبه الجزيرة العربية في القرن السادس ميلادي. الصورة: Shutterstock.

كان عام ٢٠٢٠ عام الفقد، والتحديات، والاضطرابات بالنسبة للكثيرين حول العالم، ولكن يمكننا القول أنه كان عامًا جيدًا للأدب العربي على الأقل. مؤخرًا، أعلن مركز الملك عبد العزيز للثقافة العالمية (إثراء) عن إكمال مشروع «المعلقات لجيل الألفية» بعد أكثر من عام من العمل عليه بالتعاون مع مجلة «القافلة»، وهي مجلة ثقافية تابعة لشركة أرامكو في المملكة العربية السعودية. «المعلَّقات لجيل الألفية» هو مجلد ثري يقدم المُعلَّقات – وهي مجموعة من أفضل قصائد العصر الجاهلي، والتي تشكل لوحة لا مثيل لها عن  الحياة في شبه الجزيرة العربية في القرن السادس ميلادي – بطريقة جديدة لجيل جديد من القراء.

المعلّقات عبر التاريخ

على مر التاريخ ، كانت المعلقات محاطة بالغموض، من سبب تسميتها بذلك إلى العدد الصحيح للقصائد في المجموعة. يقال أن عاشق الأدب حماد الراوية هو الذي جمع المعلقات لأول مرة في القرن الثامن ميلادي، وأن المعلقات أخذت اسمها من تعليقها بخيوط على الكعبة المشرفة في العصر الجاهلي. تنص حكاية أخرى على أن الإسم مشتق من «العِلقُ» ، أي «النفيس» ، حيث تُعتبر المعلقات أنفس قصائد ذلك العصر. كما أن العدد المحدد للقصائد في المجموعة يمثل نقطة خلاف أخرى، حيث تراوحت الآراء من سبعة إلى عشرة قصائد، والتي تناولت موضوعات عالمية مثل الحب، والحرب، والحرية، ولعل أشهر هذه القصائد هي تلك التي ألفها امرئ القيس وعنترة بن شداد. وبالإضافة إلى ذلك ، في الآونة الأخيرة ، أصبح هناك قلق بشأن  ضياع معاني القصائد بعد أن أصبحت غامضة للكثير من للأجيال الجديدة من القراء، نظرًا لبلاغة اللغة العربية الفصحى والمصطلحات المستخدمة فيها التي لا يتقنها الكثيرون اليوم، بالإضافة لغياب سرد شامل للسياق الذي أُلفت فيه القصائد. فيأتي مجلد «معلقات جيل الألفية» كإجابة طال انتظارها لهذا القلق المتزايد.

الكتاب عن قرب

غلاف مجلد «المعلَّقات لجيل الألفية». الصورة: مجلد «المعلَّقات لجيل الألفية».

يقول الدكتور حاتم الزهراني، الشاعر، والمؤلف، والأكاديمي الذي عمل كمشرف على المحتوى والتواصل الدولي للمشروع، والذي يعمل بشكل دائم كمستشار للعلاقات الدولية في وزارة الثقافة السعودية: «فيما يتعلّق بكتابنا «المعلّقات لجيل الألفيّة»، فهو مجلد ثنائي اللغة (العربية والإنجليزية) يحتوي (لأول مرّة) على: المعلّقات العشر كاملةً بتحقيق لأبيات القصائد، وترجمات أصيلة لجميع القصائد إلى الإنجليزية، وشرح تفصيلي جديد بالعربية لأبيات القصائد، ومقدّمات ثرية لكل قصيدة توفّر خلفية عن الشاعر وإضاءات حول السياق التاريخي للقصيدة وأيضًا حول مميزاتها الفنيّة ورسالتها الإنسانية».  وكان الدكتور الزهراني واحدًا من عشر خبراء وأكاديميين من جميع أنحاء العالم الذين قاموا بالعمل على  الكتاب من تحقيق، وبحث، وترجمة، وكتابة، بالتعاون مع بعض من أعضاء فريقي إثراء والقافلة. 

يخبرنا الدكتور الزهراني أن الكتاب «يهدف إلى إعادة تقديم نصوص الشعر العربي الخالدة للأجيال الجديدة على اختلاف انتماءاتها اللغوية والثقافية، وعلى اختلاف حاجاتهم لقراءة هذه النصوص؛ سواء كانت للمتعة أو لأغراض الدراسة والبحث العلمي». ويضيف قائلاً: « وحين يتحقق ذلك، فهو يمنح دعوة للقارئ المعاصر إلى الدخول إلى مسرح المعلّقات، والاستمتاع بدهشتها بهدف استكشاف رسائلها الإنسانية، والاحتفاء بفرادتها الفنية، والإنصات إلى ما تقوله عن المبدعين الذين أنتجوها وعن الناس الذين عاصروا لحظات ابتكارها، في الوقت الذي تتحدث فيه عنّا نحن أبناءَ القرن الحادي والعشرين الذين ينتمون إلى تنوّعات غنيّة من الثقافات والألسنة». 

على الرغم من عنوانه، يشير الدكتور الزهراني إلى أن المجلد هو مصدر قيم لأولئك الذين لا ينتمون إلى جيل الألفية  أيضًا، وكذلك لأولئك الذين يتحدثون الإنجليزية، حيث يقول: «تقديم شرح عربي جديد يستجيب لحاجات القارئ المعاصر غير المتخصص فيما يخدم أهداف المتخصصين بوصفه مرجعاً علمياً. ومن هنا فكتابنا يعيد إحياء تقليد شرح الشعر العربي والاحتكاك بالنصوص بشكل مباشر بعد عقود طويلة من سيطرة النظرية على ممارسة قراءة الشِعر».

نظرة داخل «مجلد المعلَّقات لجيل الألفية». تظهر اللغتان العربية والإنجليزية بشكل متقابل على امتداد الكتاب. الصورة: مجلد «المعلقات لجيل الألفية».

يبلغ طول «المعلقات لجيل الألفية» حوالي ٥٠٠ صفحة، ويتميز المجلد بصفحاته ذات اللون الأرجواني والأسود، والمزينة برسومات ناعمة. وتظهر اللغتان العربية والإنجليزية بشكل متقابل على امتداد الكتاب: الصفحات الزوجية (الجزء الأيمن) باللغة العربية، والصفحات الفردية (الجزء الأيسر) باللغة الإنجليزية.  ويقول الدكتور الزهراني معلقًا على ذلك: «هذا يعطي النصوص بعدها العالمي حين يفتح أفق تلقّيها إلى سياق تداولي أوسع، فيما يحافظ على ميزتها المحليّة» .

قد يعجبك أيضاً:

كما ويوفر المجلد أيضًا شرح تفصيلي للوحات المعلّقات، ونبذة عن الشخصيات المذكورة في المعلّقة والمعنى المعاصر لبعض الكلمات حتى يتسنّى للقارئ استيعاب القصيدة بشكل كامل. يشرح الدكتور الزهراني قائلًا: «وفي قسم الشرح العربي للنصوص، كل معلّقة تنقسم إلى لوحات فنيّة منفصلة يصاغ شرحُها وتأويلها على حدة بناء على التميز النسبي لثيمات المعلقة. وفي كل لوحة، يصافحكم في الهامش الأيسر قسم «اللغة» لشرح معاني الكلمات، ومن ضمن ذلك ذكر المقابلات المعاصرة لأسماء المواقع الواردة في الأبيات، من مثل «الدخول» و«حومل» في البيت الأوّل لمعلقة امرئ القيس، وكذلك خلفية تعريفية مختصرة جداً عن الشخصيات الواردة في النص. وتحت الأبيات، يبدأ الشرح ويتفاوت طولاً وقصراً بناء على ما تقتضيه اللوحة، لينتهي وقد أدّى إلى إبراز الثيمة الرئيسية للوحة، وإسهام كل بيت في تشكيلها. وفي بداية اللوحة التالية، يربط الشرح بينها وبين اللوحة السابقة، وهكذا مع بقية اللوحات حتى نهاية المعلقة. أخيراً تأتي الخاتمة في أسطر قليلة لتربط أجزاء المعلقة ببعضها. بهذا ينجح الشرح في الجمع بين العمق ووضوح العرض، ليأخذكم من فقرة إلى أخرى بسلاسة منطقية وتدرّج تحليلي، وفي أسلوب يشعّ حيويةً تشبه حيوية المعلقات نفسها».

تقديم الثقافة العربية بصورة جديدة

والجدير بالذكر هنا أن المُعلَّقات جذبت اهتمام العلماء الغربيين منذ عقود. وعلى الرغم من الاهتمام، لا يوجد هناك جهد معروف لترجمة القصائد العشر وتجميعها في كتاب واحد. يقول الدكتور الذهراني: «بحسب معرفتنا ، يمثل كتابنا المرة الأولى التي تُرجمت فيها القصائد العشر وجُمِّعت في كتاب واحد»، وهذا  سيمثل بلا شك مورداً قيماً لدراسة الأدب العربي في العالم الغربي ، بالإضافة إلى دراسته في العالم العربي بالطبع. وكان هذا أحد أهم الأهداف خلف المشروع. يقول الدكتور الزهراني أنه بعد أن قضى أكثر من عقد في الولايات المتحدة، حيث درس الأدب العربي في جامعتي ييل و جورج تاون العريقتين، وحيث عمل لبعض الوقت في تدريس صفوف الشعر العربي أيضاً، أنه شعر بشكل مباشر الحاجة إلى تقديم الثقافة العربية بصورة جديدة تتجاوز الحدود اللغوية والثقافية.  ويضيف:  «جاءت فكرة هذا المشروع لتفتح نافذة نحو حلم كنت أظن تحقيقه أمراً بعيد المنال». 

بدايات شعرية 

يقول الدكتور حاتم الزهراني: «جاءت فكرة هذا المشروع لتفتح نافذة نحو حلم كنت أظن تحقيقه أمراً بعيد المنال» . الصورة: Shutterstock.

اهتمام الدكتور والشاعر الزهراني بالأدب العربي قديم جدًا، ويرجع إلى بدايات حياته، حيث نشأ في كنف عائلة سعودية تهوى الشعر. حين بدأ يهتم بالشعر، أصبح شعراء المعلّقات كطرفة بن العبد أساتذة صنعة بالنسبة له. ويضيف الدكتور الزهراني قائلًا: « في المرحلة الجامعية، تحولت العلاقة إلى قراءة نقدية واستكشاف علمي عززهما تخصصي في الأدب العربي، كما ساعدني نشر قصائدي والأمسيات الشعرية التي أقمتها على تكثيف العناية بنصوص الشعر العربي الخالدة. ومنذ تلك الفترة بدأت معلّقة امرئ القيس تحتلّ مكانة خاصة لديّ، ليس بسبب تراجيدية شخصية بطل القصيدة فحسب، ولكن أيضاً بسبب عبقريتها الفنيّة». 

تعلّق الدكتور الزهراني بشعراء المعلّقات تحول لمصدر إلهام ساعده في الارتقاء بمسيرته الشعرية وظفره بالجوائز.  يقول الدكتور الزهراني عن شاعره الأثير امرؤ القيس: « ألهمني هذا «الملك الضّليل» لكتابة قصيدة ستصبح من أشهر قصائدي بعد مشاركتي عام ٢٠٠٨ في مهرجان أمير الشعراء في الإمارات العربية المتحدة، وفوزي بلقب «شاعر الإبداع». وأعني بذلك قصيدة «رياحٌ جنوبيّة من شمال القل»، والتي تستحضر القصة التراجيدية لأمرئ القيس». 

مشاريع أدبية مستقبلية

يأمل الدكتور الزهراني والفريق الذي عمل على المشروع في دعوة القرّاء اليوم لاستكشاف جمال اللغة العربية وثقافتها، ويقول: «هذه الأعمال الخالدة ولدت قبل ١٥ قرنًا في أرض الجزيرة العربية، واليوم من السعودية في قلب الجزيرة العربية يأتي هذا المشروع ليجمع خبراء من أماكن وثقافات متنوعة حول العالم ليحقق احتفاءً عملياً بجذور هوية هذه الأرض وانفتاح ثقافتها على تنوّعات العالم اللغوية والثقافية».

ويضيف قائلًا: «يمكن القول (وبشكل تبسيطي) بأنه بفضل هذا المشروع، فسيتمكن طالبان في جامعتين واحدة في السعودية والأخرى في أمريكا، أن ينضمّا إلى صف افتراضي لتدريس نصوص الشعر العربي نفسها دون أن يتقن أيٌّ منهما لغة الآخر!». 

أما بالنسبة للمشاريع المستقبلية وإذا ما كانت سترى مشاريع مماثلة النور عما قريب فيجاوبنا الدكتور الزهراني بأن هذا المشروع رفع السقف عاليًا ولكنه يعمل حاليًا بشكل شخصي مع الدكتورة بياتريس غروندلر- مشرفته في جامعة ييل سابقًا- على كتاب يترجم بعض أشعار المتنبي والتي تحولت إلى أمثال سائدة. 

ستتوفر نسخة إلكترونية من الكتاب قريباً على موقع إثراء .


إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.