أدبيات

قصة قصيرة: القرصة

«ما الذي قواك على حمل ما لا يطيقه أي إنسان، لا سيما طفل في عمرك؟!».

بقلم شريفة الهنائي

الرسمة: موزة الزعابي.

أحداث هذه القصة مستوحاة من وحي خيال المؤلفة.

أصبحت وأنا لا أدري لِمَ زرتني في منامي بالأمس يا مكتوم. في الحقيقة، أنا لم أراك ولم أفكر بك  منذ أكثر من ١٥ عام، منذ أن كنا جارين في الصف الثالث ابتدائي.  في رؤياي البارحة، كنت بالهيئة التي رأيتك بها آخر مرة قبل أن انتقلتَ لمدرسة أخرى دون أي مقدمات : ابن التاسعة بزيّه المدرسي الأخضر، وصمته المعتاد. ولكن العجيب في الأمر أنك كنت تحمل على ظهرك خزانة ضخمة في المنام، وكنت أتساءل في نفسي وأنا أشاهدك تقترب مني: «ما الذي قواك على حمل ما لا يطيقه أي إنسان، لا سيما طفل في عمرك؟!». وفجأة، وأنا غارقة في فكري، رميتَ عليَّ الخزانة، والطقتها يداي دون أي تفكير مسبق، ومضيت أنت. وبذلك انتهى الحلم.

بقيت في سريري لبضعة دقائق بعد استيقاظي، حاولت خلالها أن استذكرك فيها أكثر، وأن أتفكر في كيف ولماذا تم استدعاء ذكراك في اللاوعي. حادثة واحدة ظلت تتردد في مخيلتي وأنا أغسل وجهي، وأفرّش أسناني، وأُحضِّر قهوة الصباح. أذكر أنني كنت جالسة بجانبك، وبينما كانت معلمتنا الشقراء تشرح لنا جدول الضرب، مددت يدي وقرصت ذراعك. في ذلك السن، كان لدي هوس غير مفهوم بالقرص، ولقيت في مكتوم، وزنده السمين، ساحة لعبي الجديدة. ظللت أقرصه وأقرصه وهو لا يقول شيئًا، وأنا مستمتعة بصمته وهدوءه الذي لم أفهمه قط، ولكنه كان يخدمني آنها. فجأة، صرخ بي، والتفتت المعلمة وبقية الطلبة علينا، ثم رفع يديه وقال : «الآنسة إليزابيث، حصة لا تكف عن قرصي!». صدمتني صرخته وشكواه علي، إذ لم اعتاد سماع صوته، لا سيما بهذه النبرة الغاضبة، ولم أكن قد وقعت في أي مشكلة  في المدرسة قبل ذلك اليوم، أنا بطلة الصف التي كنت أُتوج الأولى على أقراني في كل عام دراسي، وكنت المثال الأكاديمي الذي يحتذى به.  وقبل أن تسحبني المعلمة أمام أنظار الجميع للطاولة والكرسي في ركن المشاغبين المشؤوم ذاك «للتفكر في فعلتي تلك» كما قالت باغتضاب بلكنتها البريطانية، نظرت إليه ودمي يغلي من  شدة الغضب والإحساس بالفضيحة، وهمست له: « لِمَ لَم تتقبل الأمر كرجل؟!».

وضعت رأسي بين يدي على الطاولة الركنية وأغمضت عيني، محاولة بتلك الوضعية أن أختفي عن الوجود. بعد نصف ساعة من «التفكر»، جاءت الآنسة إليزابيث لإرجاعي لمقعدي بعد أن انقضت فترة حكمي كما رأتها هي. نظرت إليها وأنا مستمرة في جلوسي، وقلت  لها بحزم: «لا، لن أعود!»، وفي نفسي كنت أقول: «لست أنت من تقررين متى أعود أنا، أنا التي تقرر الآن!». وبقيت هكذا حتى انتهى اليوم الدراسي، ثم رجعت للمنزل.

لم أخبر والداي بتلك الحادثة، وفي صباح اليوم التالي تظاهرت بالإصابة بوعكة في المعدة، وغبت عن المدرسة. وبعد عطلة نهاية الأسبوع، لم أستطع إلا أن أرجع، فرغم الخزي الذي كان يتلبسني، لم أرد أن أفوت المزيد من الدروس لكيلا يتأثر أدائي الأكاديمي. تجاهلت مكتوم، وركزت في دروس ذلك اليوم.

عندما دق الجرس معلنًا انتهاء اليوم الدراسي، لاحظت أنه لم يتحرك من مقعده كما تحركنا نحن لجمع كتبنا ووضعها في حقائبنا الصغيرة، وبقى يحدق في النافذة الموازية لنا. أحسست أن خطب ما كان به، ولكنني لم أبادر بالسؤال نظرًا لعلاقتي المتكهربة به.

وأنا أضع كراستي في الحقيبة، سقط منها قلم رصاص كان متوسطًا فيها على الأرض، بالقرب من قدميْ مكتوم. انحنيت لالتقاطه، فإذا به قد وقع في بركة من البول! رفعت يدي، وقلت بصوت حرصت أن الجميع سيسمعه: «الآنسة إليزابيث، مكتوم تبوَّل في نفسه!». انفجر الطلبة من الضحك عليه، كما كنت أرغب تمامًا، ثم أسرعت في الخروج من الصف لعلها كانت ستعاقبني مرة أخرى على فعلتي الجديدة. في الطريق الى المنزل، لم أستطع أن أتوقف عن الإبتسامة .. أحسست أن الموازين قد اعتدلت مرة أخرى وأنا أتخيل مكتوم يذوق طعم الخزي الآن كما ذقته قبل عدة أيام، والآنسة إليزابث تبعد الطلبة من حوله حتى لا يزلق أحدهم قبل أن يجيء عامل النظافة لمسح المكان.

في الأسابيع بعدها، انتشر خبر الحادثة بين الطلبة في الصفوف المجاورة، وسرعان ما سمَّى أولاد الفصول  الأخرى، بالإضافة لفصلنا، مكتوم ب «أبو البول» كلما توحدوا به. لم يقل هو شيئًا. وبعد أسابيع من إجازة الربيع، تفاجأت بغيابه وخلو طاولته من كتبه وكراساته، وأن الملصق الذي كان على طاولته يحمل إسمه كان قد تم نزعه أيضًا. أخبرتنا الآنسة إليزابيث في بداية الفصل أنه قد انتقل إلى مدرسة أخرى، ولم يعر أي منا أي اهتمام بهذا الخبر، فلم يكن أي منا أصدقاء له. وبعد عدة أيام، أخذت مكانه بشرى- صديقتي المفضلة- وفي خضم ذلك كله نسيت مكتوم.

بعد أن انتهيت من شرب القهوة، انتابني فضول عن مكتوم، وعن مستجداته وهو ابن الرابعة والعشرين ، فقمت بالبحث عنه في الإنترنت، ولكنني لم أجد أي معلومات عنه. أرسلت رسالة نصية لبشرى، قائلة فيها : «أتذكرين مكتوم؟ حلمت به البارحة..لا أدري لماذا. حاولت أن أبحث عنه في الإنترنت، ولكنني لم أجد أي معلومات عنه. يا ترى ما الذي يفعله هذه الأيام؟ أذكر مرة أنه قال- بعد إصرار من المعلمة له للمشاركة- أنه كان يريد أن يكون سباحًا.. أتعتقدين أنه حقق مناه؟».

ردت علي قائلة: «لا.. ما بكِ؟ لم يكبر هو في الأساس».

استغربت من إجابتها، فرديت: «ماذا تعنين؟».

– « توفى مكتوم في إجازة الربيع تلك.. أخبرتني والدتي بعدها بسنين. تكتمت المدرسة على الموضوع نظرًا لصغر سننا ورغبة والديه، فقرروا أن يخبروننا أنه انتقل إلى مدرسة أخرى بدلاً من أن يخبروننا الحقيقة، ولكن والدتي سمعت الخبر من إحدى زميلات والدته بالصدفة. ظننتك تعلمين!».

– «ولكن كيف؟!».

– «يقولون أنه غرق في بركة بيتهم بعد انتهاء درس السباحة اليومي الذي كان يتلقاه  منذ أن كان عمره سنتين.. تقول أمه أن الدروس كانت متعته الوحيدة في أيامه الاخيرة، إذ أنه فجأة بدأ يكره الذهاب للمدرسة بشدة.. ولكن أتدرين ما الغريب في الموضوع؟ لم يكن الماء في بركتهم يتعدى صدره.. فلم يكن هناك سبب لغرقه.. إلا إذا..».

– « إلا إذا ماذا؟!».

– « إلا إذا كان الأمر متعمدًا.. أينتحر الأطفال؟».


شريفة الهنائي هي الشريكة المؤسسة لسكة والمحررة الإدارية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.