آراء

ما هي أسباب عزوف بعض الشباب العرب عن لغة الضاد؟

بقلم وفاء خيري

الرسمة: موزة الزعابي.

تخرجت منذ عامين من كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية، وأثناء دراستي تعلمت وفعلت الكثير لتطوير لغتي، وكنت أحاول قدر الإمكان أن أُتقن اللغة كما يليق بمتخصصة. ذات مرة فاجأتني أستاذة اللغويات بالجامعة بقولها أنها تُعلم طفلتها -الحاصلة على الجنسية البريطانية- اللغة الإنجليزية فقط، وأنها لا تتحدث أمامها بالعربية بتاتًا. دهشت مما قالت وتساءلت: كيف يمكن أن يحدث ذلك ولماذا، أليست في النهاية ابنتها عربية مثلنا؟! لكن عندما كبرت وعملت في مجال الصحافة وزاد احتكاكي بآخرين من مختلف بلدان الوطن العربي دهشت أكثر وأكثر، إذ كنت أتحدث مع مصادر عربية لا يتحدثون العربية أبدًا، ليس كتابة فقط بل صوتًا كذلك. وكنت أقول في نفسي: لماذا أتحدث بالإنجليزية مع شخص عربي يعيش في دولة عربية مثلي تمامًا ؟! صُدمت عندما عرفت أن بعض هؤلاء الذين جاوزوا الثلاثين لم يتعلموا اللغة العربية في صغرهم من الأساس، وبالتالي لا يعرفون التواصل بها أصلًا. لم يقف الحد عند هؤلاء الذين تعاملت معهم شخصيًا، بل وجدت أن مواقع التواصل الاجتماعي تحتوي على عددًا كبيرًا من هؤلاء الذين يُفضلون لغات كثيرة على العربية، رغم معرفتهم بها.

في هذا المقال قررت أن أغوص مع بعض من هؤلاء وأسأل بعض الشباب الذين لا يتحدثون العربية عن سبب عزوفهم عنها، وأود أن أُشير إلى أن أيًا ممن تحدثت معهم لم ينطق بكلمة عربية واحدة أثناء لقائاتي معهم، بل تمت كلها بالإنجليزية.    

الهيمنة الثقافية والعولمة التي جعلت لغات معينة تسود على البقية هي ما أدت إلى تهميش أهمية تعلم اللغة العربية الأم 

تقول مارينا جرجس، ٢٣ عامًا من مصر، أنها بدأت رحلتها مع التحدث باللغة الإنجليزية بشكل رئيسي منذ دخولها الجامعة الأمريكية بالقاهرة: «كنت أحب اللغة العربية جدًا في المرحلة الثانوية، حتى أني كنت أكتب كل كلامي بالتشكيل، لكن بعد دخولي الجامعة الأمريكية وجدت كل شيء باللغة الإنجليزية، حتى الأحاديث الجانبية بين الطلبة كانت بالإنجليزية أيضًا، ولهذا كنت مضطرة أن أستعمل الإنجليزية حتى أكون مثلهم، خاصة أن ذلك يساعدني على الدراسة بشكل أيسر». في البداية كانت مارينا تُجبر نفسها على ممارسة اللغة حتى تسهل أمور الدراسة بالنسبة لها، ومقابلات العمل، وأي شيء يتطلب اللغة الإنجليزية، وبعد أن فعلت، أصبحت تعتادها وتتحدث مع الأغلبية بالإنجليزية. حتى في المنزل، أصبحت مارينا تتحدث مع أخيها الذي يرغب بتحسين لغته الإنجليزية أيضًا. وكان نتيجة ممارسة مارينا للغة الإنجليزية ضريبة بالتأكيد، وهي فقدان اللغة الأم. تقول مارينا: «تدريجيًا بدأت أفقد لغتي العربية التي كنت متفوقة فيها، وشعرت بالأسى لذلك، لكن ما باليد حيلة؛ كل الأماكن التي أتعامل معها تتحدث وتُفضل الإنجليزية، فهي لغة الدراسة وسوق العمل، لهذا كنت مضطرة حتى تعودت».

ليست مارينا وحدها التي وجدت نفسها في بيئة تتحدث بالإنجليزية فاضطرت لفعل ذلك أيضًا بيسان علي (اسم مستعار)،  ٢٠  عامًا، فلسطينية مقيمة في الإمارات. تقول بيسان أنها تعلمت في مدارس عربية في طفولتها، وكان أهلها أيضًا يتحدثون باللغة العربية لهذا كانت جيدة جدًا فيها، ولكنها في نفس الوقت كانت تحب اللغة الإنجليزية وتمارس بعض الأنشطة بها، مثل قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام. تدريجيًا تغيرت حياتها، عندما انضمت إلى مدرسة دولية بجانب أختها التي تعلمت في مدارس دولية كذلك، فأصبحت تتحدث الإنجليزية معها طوال الوقت ولهذا التقطتها بسهولة، بالإضافة إلى أن صديقتها المفضلة كانت تتحدث الإنجليزية بطلاقة أيضًا، وهكذا كانت نهاية اللغة العربية في حياتها. تضيف بيسان: «لا أنكر أني لم أحب اللغة العربية في المدرسة كمادة دراسية لأنها كانت صعبة وغير مثيرة للاهتمام بالنسبة لي، ومع ذلك أنا لا أكرهها، أنا فقط لا أجدها تناسبني حاليًا لا أكثر، إذ ليس لدي أصدقاء يتحدثونها، ولا أجد أي نشاط ممتع يمكنني أن أفعله بها».

ليس كل من لا يتحدث اللغة العربية يكرهها بالضرورة، تعاملات الحياة الضرورية هي ما اضطرت البعض إلى ذلك

 ورغم حديث بيسان بالإنجليزية طوال الوقت واعتيادها عليه، إلا أن الحياة في بلد عربي بهذه الطريقة لم تخلو من التحديات.  تتحدث بيسان عن أصعب موقف حدث لها في حياتها مع اللغات فتقول: «لا يمكنني أن أنسى أنه بعد سنوات من ممارسة اللغة الإنجليزية طوال الوقت في المدرسة وفي البيت ومع الأصدقاء، حدثت لي صدمة حضارية حين دخلت الجامعة لأول مرة ووجدت الجميع يتحدثون باللغة العربية! حينها عرفت أنه ما  زال هناك أشخاصًا يتحدثون العربية في هذا العالم!» .ولكن حتى بعد عودة بيسان إلى الحياة الواقعية، وتعاملها مع عدد كبير ممن يتحدثون العربية، ما زالت تُفضل الحديث باللغة الإنجليزية لأنها  تجيدها أكثر، إذ أنها لا تتحدث العربية بطلاقة: «حين أتحدث بالعربية تصبح لغتي أشبه بلغة الأطفال، وكم وقعت في عدد من المواقف المحرجة حين حاولت التحدث بالعربية، كأن أقول كلمات في غير سياقها أو أنطقها بشكل خاطئ ». 

رغم كل ذلك إلا أن بيسان فخورة بعروبتها، حتى وإن كانت تُفضل الحديث بلغة أخرى غير العربية. بيسان تشبه مارينا تمامًا؛ فمارينا أيضًا تعشق عروبتها ولا تحتقر اللغة العربية على الإطلاق، كما أنها تعرف أن هناك الكثيرين ممن يتحدثون الإنجليزية الذين يعتبرونها أكثر رقيًا، ورونقًا، وتُضفي عليهم مزيدًا من الاحترام، وترى كذلك أن هناك فعليًا عدد من متحدثي الإنجليزية ممن يحتقرون اللغة العربية ويرون أنها لغة غير مناسبة لعصرنا . توضح مارينا: «بالتأكيد أنا لا أؤمن بذلك؛ من المهم أن نكون جيدين في التحدث بلغتنا، فكيف أفتخر بإتقاني للغة أخرى بينما أنا لا أتقن لغتي الأم؟! يجب أن أكون واقعية : أنا عربية وأعيش في مصر، ولست في الولايات المتحدة، لهذا علي  أن أستخدم لغة بلدي قدر الإمكان».  وتضيف مارينا أنها لا تتحدث بالإنجليزية مع الجميع، لأن ليس كل من تتعامل معه يتقن الإنجليزية مثلها، كما توجه مارينا رسالة لمن يحتقرون اللغة العربية وتقول: «لن يؤثر استخدامك للغة العربية على صورتك أمام الناس، اللغة العربية مثلها مثل أي لغة هي وسيلة للتواصل في أول وآخر الأمر».

تنشأة الأطفال منذ الصغر على تعلم لغة أجنبية وإبعادهم عن لغتهم الأصلية قد يؤدي إلى خلق ثقافات غير محبة للغة العربية فيما بعد

على النقيض تمامًا ليس كل من يتحدث الإنجليزية مُجبر عليها، فهناك من يرغبون بعزل أنفسهم عن العالم الذي يعيشون فيه ويرون أن اللغة العربية هي لغة «مملة وسخيفة»، من هؤلاء حسن أحمد ( اسم مستعار)  ٣٠  عامًا، مصري الجنسية.  يقول حسن أنه يكره اللغة العربية لأنها «لغة بلا فائدة»، ويرى أنها حتى في طريقة كتابتها هي عكس أغلب لغات العالم، وتقف منفصلة ومرهقة في التعلم. 

يرى حسن أنه لا يجب أن يتم تدريس اللغة العربية كمادة منفصلة في المدارس، بل من الأفضل أن يتم دمجها مع التاريخ، لأنها لن تُضيف لأي شخص يتحدثها على الإطلاق. بجانب كره حسن للغة العربية وانتقاده القوي لها، ينتقد أيضًا عدم التجديد والسرقة الإبداعية في معظم الفنون العربية على حد تعبيره: «أكره في اللغة/ الثقافة العربية أيضًا السرقة والتقليد، سرقة كل ما يتعلق بالإبداع، من القليل جدًا أن نجد عمل أدبي حديث أصل ١٠٠%، بل إن أغلب الأعمال مسروقة ومعاد صياغتها، ولكن لا أحد يلاحظ تحت الاحتفاء المبالغ فيها بكل شيء، وهذا ما يجعلني أعزف عن كل ما هو عربي وليس عن التحدث باللغة العربية وحسب» . 

أما رنيم، ١٨  عامًا من السعودية، والتي لم أكتشف أنها عربية إلا عندما قرأت بعض العبارات العربية البسيطة على حسابها بتويتر، إذ أن أغلب حسابها تغريدات كورية وصور لممثلين كوريين، تقول أنها لا تحب اللغة العربية لأنها لغة صعبة مليئة بالمرادفات الكثيرة: «هذه اللغة مملة ولا جديد فيها، ولا أعرف كيف أطور نفسي فيها حتى على مستوى الدراسة؛ كل شيء صعب. وأضيف إلى أن فكرة اللهجات العربية المختلفة جعلت من اللغة شيئًا أثقل وأكثر إرهاقًا علينا جميعًا كعرب. لا أعرف هل سيتغير رأيي يومًا ما تجاه لغتي أم لا، ولكن إن ظللت بهذا الانطباع تجاهها، لن أتوقف عن استخدامها وحسب بل لن أعلمها لأولادي حتى». بدأت رنيم منذ  ٥  سنوات بتعلم اللغة الكورية، وأصبحت تفضلها عن العربية كثيرًا. تقول رنيم : «طوال الوقت أنبهر بالثقافة الكورية وفنهم؛ لهذا اللغة الكورية هي لغتي المفضلة التي أتمنى أن أعيش مع أشخاص يتحدثون بها ويفهمونها كما في المسلسلات تمامًا».

 ويبدو أن رنيم ليست الوحيدة التي تتخذ أتجاهًا فيه عزوف عن لغتها الأم، بل يبدو أنه هذا الإتجاه أكثر انتشارًا مما نتصور بين  جيل الألفية بشكل عام، فكوثر(اسم مستعار)  ٢٠ عامًا، من أمازيغ المغرب تقول أن لغتها الأولى هي الإنجليزية، و تعتبر «الدارجة المغربية» (العربية) لغتها الثانية، التي تستخدمها للتواصل مع السكان المحليين في المغرب ليس إلا، وبالرغم من أن كوثر لا تعتبر نفسها عربية، إلا أنها تقف على الحياد وتقول: «من المهم أن يتعلم العرب اللغة العربية حتى لا ينسوا أصلهم، ومن أين أتوا، ولكن تعلم العربية ليس ضرورة ملحة الآن إذ أن هناك لغات عالمية يتفق الأغلبية عليها تُسهل التواصل على الجميع، لكني بشكل شخصي لا أهتم بتعلمها».  بينما ملاذ، ١٩ عامًا من السودان، تتفق مع كوثر أن اللغة العربية لم تعد مهمة في هذه الأيام لهذا لا داعي لإستخدامها : «شخصيًا لا أكره اللغة العربية، ولكني تعلمت في مدارس أجنبية منذ عمر صغير، لهذا تعودت على اللغة الإنجليزية وأجدها أسهل في الاستخدام لهذا أتعامل بها طوال الوقت».

اللغة العربية هي لغة مثل لغات كثيرة وهي فعليًا وسيلة للتواصل، وشخصيًا أرى أن من المهم علينا كعرب أن نتقنها أولًا قبل أن نتحدث أي لغة إضافية، حتى وإن لم نكن نحبها. تعلمنا لغة جديدة أو تحدثنا بلغة أخرى غير لغتنا  الأم لا ينبغي أن يكون على حساب تعلم لغتنا الأصلية. تحدث كيفما تشاء وتعلم ما تشاء من اللغات، ولكن لا تغفل وتتناسى تعلم لغتك العربية تحت مبرر أنها لغة غير مناسبة للعصر، فلغة الإنسان هي جزء من هويته وكينونته، وعدم معرفتها قد يُحدث خللًا في مفهوم الهوية والإنتماء.أما إن كنت تبحث عن أن تكون أكثر رونقًا بين الناس فالبتأكيد لن يأتي ذلك بعزوفك عن لغة بلدك، بقدر ما يأتي بثقافتك وتحضرك وعلمك، حتى لا نجعل الهيمنة الثقافية تجعلنى ننسى من نحن ومن أين أتينا. 


وفاء خيري صحفية مصرية مهتمة بالمجالات الثقافية وقضايا المرأة، تكتب في عدد من المنصات العربية المتنوعة. حياتها لا تخرج عن الكتابة والقراءة، فحين لا تكتب، حتمًا سيكون رأسها بين دفتي كتاب.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.