آراء

ما هي بعض الصور النمطية عنهم التي يتمنى الرجال زوالها؟

هل توقفنا قطّ وتساءلنا عمّا يعانيه الرجال؟

بقلم عفاف بوعكادة

الصورة: Unsplash.

في الوقت الذي  تواجه فيه النساء التحديات، لا يسلم الرجال أيضًا من براثن الأحكام المسبقة التي تهوي بها مجتمعاتنا على رؤوسهم أينما ذهبوا. ضمن هذا الواقع- وهو مجتمع يُنّزل توقعاته على كل فرد كيفما كان جنسه- نصبح بشكل غير إرادي مقولبين للرضوخ لجملة من القواعد حتى لو كانت تتعارض مع أفكارنا أو مع ما نؤمن به. 

نتحدث كثيرًا عن  التحديات التي تواجهها النساء في المجتمع، لكن هل توقفنا قطّ وتساءلنا عمّا يعانيه الرجال من جهتهم؟ لقد دارت في رأسي أسئلة كثيرة حول هذا الموضوع منذ أسابيع، وحاولت التنقيب قليلًا بين طيات ذاكرتي لأستحضر مواقف صادفتها عانى فيها ذكر ما من أحكام مجتمعاتنا. 

أتذكر أنني في أحد الأيام كنت ضيفة لدى عائلة عمّي، وكان ابنه الذي لم يتعدى عمره آنذاك الثمان سنوات يبكي لسبب ما هرب من ذاكرتي. عندما أزعج أمّه كثيرًا بالعويل والضجيج، صرخت في وجهه: «توقف عن البكاء! الفتيات فقط هن من يبكين. هل تريد أن تكون مثل الفتاة؟». وأضافت: « أنت رجل ويجب عليك ألّا تبكي أو تّظهِر ضعفك!»، ووسط دموعه أجابها: «أنا أيضًا إنسان وأريد أن أبكي. لا يمكنني كبح هذه الرغبة فقط لأنني ولد». 

حسنًا لنحلل قليلًا هذا الموقف. بعيدًا عن تعليق زوجة عمّي المتحيز جنسيًا بامتياز، والذي تحتمل من خلاله أن إظهار الضعف والبكاء هما صفتان ينطبقان على الفتاة وحدها، فإن ابن عمّي، رغم صغر سنه، كان واعيًا بأن هناك خللًا فيما قالته أمه. لقد عبّر بشكل واضح عن رغبته في البكاء لأنه أراد التعبير عن مشاعره بهذه الطريقة، ولم يسمح لأمه بأن تستعمل هذه الحجة الواهية لإسكاته. كما قال تمامًا، هو إنسان أيضًا يحق له البكاء، والضحك، وإظهار ما يحسه بدون قيد أو شرط. 

قصة ابن عمي الصغير جعلتني أفكر مليّا في دور التنشئة الاجتماعية في غرس أفكار وصور قد تكون مغلوطة في أغلب الأحيان، لكن بما أن آباءنا تشربوا بها في صغرهم، فإنهم بشكل أوتوماتيكي يغرسونها فينا نحن أيضًا. التنشئة الأسرية، التي تعتبر إحدى أسس التنشئة الاجتماعية، هي في الأصل تفاعل الطفل مع محيطه الأسري، وتأثره بأفكار وسلوكيات والديه التي تساهم في تزويده بالغذاء الوجداني اللازم لتشكل شخصيته في المستقبل. بالتالي، فإنه إذا سمع أن «الرجال لا يبكون»، سيكبح مشاعره مدى الحياة، ولن يجرؤ على إظهار ردات فعل عاطفية حتى إن تعارض الأمر مع رغباته.

الحمد لله أننا بتنا نرى تحولًا لدى الأجيال الشابة، التي تقاتل بضراوة لكسر هذه الصور النمطية التي تلاحقنا منذ الأزل، والتي حان وقت تغييرها. حتى أفهم رأي الرجال بخصوص هذا الموضوع ونظرتهم للأفكار المكتسبة التي لا أساس لها أصلًا من المنطق، سألت مجموعة من الأصدقاء من مجموعة من الدول العربية عن الصور النمطية المتعلقة بالرجال التي يتمنون زوالها من مجتمعاتنا.

ليس جميع الرجال يهوون رياضة كرة القدم

يتذكر فِراس، ٢٨  عامًا من لبنان، موقفًا حصل معه في أول تجربة مهنية له: «كنت قد بدأت لتوي العمل لصالح شركة خاصة ولم أكن مندمجًا كثيرًا مع الفريق. كان عملي يتم بشكل مباشر مع مديري، ولم تكن اهتماماتي أيضًا تتوافق مع من كانوا يشتغلون معي. كنت أذهب كل يوم إلى المكتب، أقوم بعملي وأعود أدراجي مساءً إلى البيت، بينما كانوا هم في بعض الأحيان يسهرون معًا أو ينضمون أمسيات عشاء في منزل أحدهم. في أحد الأيام دعاني مديري مع مجموعة من الزملاء لمشاهدة «الكلاسيكو الإسباني» في منزله، وسألني عن الفريق الذي أشجعه، وكم كانت دهشته كبيرة عندما أخبرته أنني لا أشاهد مباريات كرة القدم ولا أشجع أي فريق، ليقول لي: «وهل هناك رجل لا يهوى كرة القدم؟». اكتفيت بقول: «نعم، أنا!». 

«وكم كانت دهشته كبيرة عندما أخبرته أنني لا أشاهد مباريات كرة القدم ولا أشجع أي فريق، ليقول لي: «وهل هناك رجل لا يهوى كرة القدم؟»»

أنا أتفق مع ما قاله فراس، فَكُرة القدم لا يجب أن تكون مرتبطة بجنس الشخص. أنا واحدة من أكبر مشجعي فريق برشلونة ، وأشاهد أغلب مبارياتهم وأحب متابعة هذه اللعبة، كما أن لي صديقات كثيرات مثلي، ولم أفهم يومًا هذه التفرقة بين الجنسين فيما يخص رياضة عالمية. فِراس يتمنى رؤية تغيير فعلي في مجتمعه ومحيطه، حيث أخبرني: «لقد سئمت من إصدار الأحكام المسبقة عليّ فقط لأنني ذكر. يمكن أن أتفهم الأمر إذا صدر هذا التعليق من شخص كبير في السن، أما عندما يتعلق الأمر بشباب من جيلي يفكرون داخل صندوق ضيق، فإن هذا يحز في خاطري. أرى أن التغيير يجب أن يبدأ منّا، وأن نعلم أبناءنا ضرورة التعامل مع الأشخاص بشكل فردي وبناءً على شخصية كل واحد بغض النظر عن جنسه، أو عرقه، أو مستواه الاجتماعي. نحن صنّاع التغيير الذي نتمنى رؤيته في العالم، كما قال غاندي». 

الرجال لا يبكون ولا يشتكون

إذا كان فراس يعاني من التعليقات السلبية بخصوص عدم اهتمامه برياضة كرة القدم، فإن محمد طارق، ٢٧  عامًا من المغرب، يرى أن قولبة الأدوار الاجتماعية حسب  جنس الشخص فيه إجحاف لكلا الجنسين معًا. عندما سألته عن الأفكار النمطية التي يرى أنها لم تعد مناسبة لزماننا وأنه حان وقت  تغييرها، أخبرني: «ستكون الإجابة على هذا السؤال طويلة، ولن تكفيها مداخلة قصيرة، لكنني سأحاول اختصار أفكاري. أول شيء يزعجني وأتمنى زواله في أقرب وقت هو نظرة المجتمع للرجل على أنه دائمًا يجب أن يكون بالضرورة في مرتبة أعلى من المرأة سواء على المستوى المهني، أو الشخصي، أو المادي.. نقطة أخرى لا يستطيع عقلي تقبلها هي كيف يُنتَظر من الرجل أن يبقى صامدًا طوال حياته وألّا يعبر عن مشاعره من إحباط، وحزن، وحب لأن في ذلك تنقيص من رجولته؟» . ذكرني حديث محمد طارق بمجموعات الدعم التي نراها حاضرة بصورة قوية في بعض الدول الأجنبية، مثل الولايات الأمريكية المتحدة والمملكة المتحدة. الهدف من هذه المجموعات هو الوقوف بجانب أعضائها، ودعمهم نفسيًا، وفكريًا، وعاطفيًا دون ربح مادي أو مهني. ولعل ندرة مثل هذه المبادرات في الوطن العربي هي ما يساهم في تخبط الشباب في أفكارهم السلبية وكبحها داخلهم إلى حين -لا قدر الله- حدوث انهيار نفسي قد يحطمهم لمدة طويلة. كنت قد صادفت مجموعة من هذا القبيل في المملكة العربية السعودية، وقد سررت كثيرًا عندما علمت أن هناك وعيًا من طرف الشباب بخصوص هذا الموضوع.

«أنا أيضًا إنسان وأريد أن أبكي. لا يمكنني كبح هذه الرغبة فقط لأنني ولد». 


بالرجوع إلى حديثي مع محمد طارق، أخبرني أيضًا: «أمر آخر أتساءل عنه باستمرار هو تصنيف بعض الأعمال حسب جنس الشخص». ذكرتني هذه النقطة بعروض العمل المتحيزة للجنس التي نصادفها ليل نهار. لطالما وقعت عيني على طلبات شركات تبحث عن موظفين جدد وتضع ضمن شروط العمل أن يكون المتقدم رجلًا. لماذا؟ في كثير من الأحيان، لأن الدور قيادي ويتطلب شخصًا صلبًا ونزيهًا لا ينساق خلف مشاعره ويتقن فن إدارة فريق كامل. أجد الأمر حقًا مخجلًا، خصوصًا عندما تكون شركات كبرى ذات صيت واسع هي الجهة المسؤولة عن نشر مثل هذه الأفكار.

من هنا يأتي دور التربية كما ذكرت سابقًا ليصحح ما يمكن تصحيحه، ويعيد بناء جيل جديد لا يؤمن بإصدار أحكام واهية لا تمت للمنطق بصلة. في هذه النقطة يوافقني محمد طارق الرأي، حيث يقول: «أظن أننا وصلنا إلى مرحلة تُلزم علينا الإنسياق وراء تغيير هذه الأفكار التي كل ما تفعله هو إصدار أحكام جاهزة أغلبها غير صحيح. أحاول من جهتي تسليط الضوء أكثر على هذه  المشكلة عبر فتح نقاشات مع الأصدقاء أو العائلة، ومحاولة حثهم على الإبتعاد عن الحكم عن الناس على أساس جنسهم . وصراحة أعتقد أن الأوضاع بدأت تأخذ منحى إيجابي مؤخرًا عمومًا، وهذا أمر يدعو إلى التفاؤل. ربما من أهم الأشياء التي يجب فعلها للمضي قدمًا في درب التغيير هي إدراج مواد جديدة في المقررات الدراسية بغية تنشئة الجيل القادم على هذا الأمر».

ليس جميع الرجال شبه بعض

أما إسماعيل، ٢٣ عامًا من المغرب أيضًا، فقد قال لي، عندما سألته عن أكثر صورة نمطية يتمنى تغييرها في محيطه: «أول شيء أود قوله عن الصور النمطية بصورة عامة، هو أنها مرتبطة بشكل وثيق بالواقع الذي نعيشه؛  إنها جزء من كياننا، ويومياتنا، وتفاصيل حياتنا التي لا ننتبه لها. بالتالي فهي تمثل واقعًا موضوعيًا لكل شخص على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار تجاربه وتفاعلاته مع المجتمع. ثانيًا، هناك فكرة مكتسبة واحدة تزعجني كثيرًا وأتمنى حقًا أن يتم تجاوزها قريبًا، وهي الجملة الشهيرة: «جميع الرجال يشبهون بعضهم» التي تلجأ إليها [بعض] الفتيات بمجرد مرورهن  بتجربة عاطفية فاشلة. أنا لا أشبه أحدًا، وأرفض رفضًا قاطعًا أن يتم وضعي في سلة واحدة مع شخص لا يمثلني بتاتًا». 

«هناك فكرة مكتسبة واحدة تزعجني كثيرًا وأتمنى حقًا أن يتم تجاوزها قريبًا، وهي الجملة الشهيرة: «جميع الرجال يشبهون بعضهم»»

ويضيف إسماعيل: «أغلب من يخرجن بهذا الإستنتاج هن نساء يقعن في حب نوع معين من الرجال يتميزون بنفس التصرفات والسلوكيات. بالتالي فإنهن يجزمن قطعًا أننا جميعًا متشابهون وهذا خطأ فادح. المشكلة هي  أنهن لم يعاشرن جميع أنواع الرجال، ولم يدخلن في علاقات عاطفية مع أشخاص من خارج دائرة معاييرهن، فكيف يمكنهن إذًا تعميم هذه الظاهرة على الجميع؟ هذا شيء لن أتمكن من فهمه أبدًا. الحمد لله لم أصادف أي موقف مشابه من قبل، لكن لدي أصدقاء كثر كانوا ضحايا هذه الفكرة الخاطئة، وكأنه ذنبهم إذا تصرف شخص آخر بطريقة مبتذلة مع فتاة ما!».

المشكلة الرئيسية هي  «الذكورية السامة»

من جهته، يرى إسلام، ٢٠ عامًا من ليبيا، أن مشكلة الذكورية الذي تعاني منه مجتمعاتنا لا تمس فقط النساء، بل تؤثر سلبًا على الرجال أنفسهم. يخبرني: « لقد كبرت معنا هذه الأفكار، وتغلغلت في دواخلنا ليصبح من الصعب جدًا تجاوزها بين ليلة وضحاها. مثلًا ممنوع علينا البكاء أو التعبير عن مشاعرنا حتى نكون أقوياء وأشداء لا يغلبنا شيء. ومن خلال اللعب أيضًا، لو نظرنا إلى الألعاب المخصصة للذكور، سنجد أنها ألعاب تربي فيهم ذلك الحس بالتفوق والمسؤولية، بخلاف الأنثى فإننا نجد الألعاب المخصصة لها تتشكل من أواني للمطبخ وغير ذلك. فمنذ الصغر يتربى كلا الطرفان، وترسم لكل واحد منهما طريقة وتحدد له وظائفه في الحياة، وبناء على ذلك توفر لكل واحد منهما الظروف المناسبة لإكمال حياته. هذه أفكار مغلوطة طبعًا».

لقد تطرق الأخصائي في علم النفس شيفيرد بليس لموضوع الذكورية السامة لأول مرة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بحيث صنف الصفات السلبية والإيجابية التي حددها المجتمع للرجال، ليلخص جميع تلك السامة -السلبية- منها في: عدم الإفصاح عن المشاعر، والرغبة الدائمة في الهيمنة بجميع أشكالها، والتطلع الدائم للتقليل من قيمة المرأة. وفي حال ما قرر الرجل الخروج عن هذه الصفات، فإن وصمة المجتمع ستلاحقه مدى الحياة وتجرده من هويته التي ألِفها. هذا للأسف ما يجعل التكلم بصوت عالٍ على مثل هذه الأشياء أمرًا «مشينًا» بالنسبة للرجل، تمامًا كما قال لي إسلام.

ما الذي يجب فعله إذًا للتصدي لهذه الظاهرة؟ يجيبني إسلام: « في نظري، يجب..تعميم فكرة أن الإفصاح عن المشاعر شيء طبيعي جدًا ويحق للرجل أيضًا القيام به دون أن يواجه أحكام مسبقة من طرف المجتمع. ويجب أيضًا عدم التفرقة بين ألعاب الأطفال منذ صغرهم على أساس جنسهم ، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتكاثف جهود الجميع بدءًا من العائلة».


حتى نخرج من هذه الحلقة المفرغة التي تنتهي وتبدأ بشكل لا متناهي، يجب علينا نحن الشباب الواعون بضرورة التغيير، كسر هذه الأفكار النمطية السامة عبر نشر ما نؤمن به في محيطنا الخاص، وتربية أبنائنا على ضرورة الإحترام وعدم إصدار أحكام مسبقة على أي كان. حتى أن الفيلسوف الإنجليزي جون لوك لخص الفكرة في جملة واحدة: « يولد الطفل عبارة عن ورقة بيضاء نكتب عليها ما نشاء».  لنكتب إذًا دروسًا جميلة بعيدة عن التحيز والصور النمطية .  


عفاف بوعكادة كاتبة مغربية تهتم بالمجالات الثقافية والفنية والنهوض بقضايا المرأة. لها مقالات متفرقة في مجموعة من المنصات الرقمية العربية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.