ثقافة وفن

لماذا يعتقد البعض أن احتساء القهوة «عَيْب» للفتيات؟

أسباب الاعتقاد بأن القهوة عَيْب للفتيات لا يعود لأصل واحد.

بقلم وفاء خيري

الرسمة: شيماء العلوي.

يستهلك مُحبي القهوة قرابة ملياري كوب قهوة يوميًا حول العالم، وفقًا لإحصائيات منظمة القهوة البريطانية، إذ أنها المشروب الذي يتغنى بحبه الكثيرين ويحتفي بتصويره والتحدث عنه ملايين حول الكرة الأرضية. حب القهوة وإدمانها ليس جديدًا علي، فلدي أختي المجنونة بالقهوة، والتي لا تكف عن شربها رغم كم التعليقات الصادمة التي سمعتها من الآخرين  عبر السنين لكونها فتاة تشرب القهوة. وقد جاءت أولى تلك الصدمات من قِبل أبي، الذي سمعته يقول لأختي بصوت عالي عندما رآها تشرب القهوة للمرة الأولى : «لماذا تشربين القهوة، إنها مشروب رجالي في الأساس؟!».

 كنت أتعجب كثيرًا من هذه الجملة الغريبة على أذني، ولكن عندما سألت صديقاتي وبحثت على  الإنترنت اكتشفت معلومات صادمة،  واتضح لي أن الكثيرين لديهم نفس الاعتقاد-ليست عائلتنا وحسب. وتباينت الأسباب المذهلة التي سمعتها حينما سألت أصدقائي عن هذا الأمر؛ فالبعض يرون أنها عَيْب للبنات لأسباب غريبة جدًا، مثل أنها تؤثر على عذرية البنت! نعم هكذا سمعت وذُهلت، وفي الوقت الذي أتعرف فيه على أشخاص يُصدمون من رجعية هذه الفكرة التي أتحدث عنها، أجد آخرين كثيرين من الرجال والنساء يؤيدون هذه الأفكار، وبعضهم يؤكدون أنهم قد سمعوا بعض الأقاويل في هذا الصدد. وهناك من يقولون بكل ذكورية، نعم إنها ليست مشروب للفتيات.  

وحقيقًة حاولت البحث عن مصادر أو أبحاث موثقة لكي أتأكد من هذا الأمر ولم أجد، وأملًا في البحث عن أصل وأسباب انتشار هذا المعتقد عند البعض في مصر ومنطقة الحجاز، قررت أن أتحدث مع مجموعة من الأشخاص الذين يحملون أفكار متباينة تجاه هذا الأمر وأناقشهم فيها. أغلب المصادر مصريون من مناطق مختلفة في مصر والبعض الآخر من السعودية. أود أن أُشير كذلك إلى أن فكرة «العيب» أو المنع المجتمعي اليوم مرتبطة بالفتيات أكثر من النساء بشكل عام، فالنساء يُسمح لهن بفعل أشياء لا تسمح للفتيات لأنهن تزوجن أو بسبب كبرهن في السن، كما أن كل المواقف في المقال مرتبطة بالفتيات تحديدًا.

تحريم تاريخي تحول بمرور الوقت إلى منع «جندري»

ولكن لأتحدث عن نفسي أولًا، بالنسبة لي كفتاة مصرية تربيت في عائلة منغلقة، سمعت الكثير من هذه الأقاويل، واكتشفت أن كل شخص لديه سبب مختلف في منع الفتيات من شرب القهوة، وكان أغربها ذلك الذي يرى أن كثرة شرب القهوة يُجفف دماء غشاء البكارة لدى الفتيات، وبذلك تفقد الفتاة عذريتها، وهذا كلام خاطئ للغاية. كل ذلك جعلني أتأمل  أصل الفكرة التي قد تجعل مشروب بعينه حكرًا على أشخاص محددين، وعندما بحثت عرفت أن القهوة كانت مُحرمة تاريخيًا في مصر ومكة لفترة من الزمن، ليس للنساء فقط ولكن للرجال أيضًا، وهناك عدة أسباب لذلك. يقول الكاتب محمد الأرناؤوط في كتابه «التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي»، أن شرب القهوة في مصر والحجاز ارتبط بمظاهر معينة جعلت الفقهاء يتخذون منها موقفًا معاديًا، مثل تجمع الرجال والنساء في أماكن يحدث فيها تسلية منبوذة مثل لعب القمار، أو اللهو الغير بريء.

وهناك أقاويل أخرى لتحريم القهوة بعد انتشارها في مصر في القرن السادس عشر بين طلاب جامعة الأزهر نتيجة احتكاكهم بزملائهم القادمين من اليمن، إذ انتشرت  القهوة بين الطلاب وجعلتهم يسهرون لوقت طويل من الليل حتى أثار ذلك غضب البعض، ليخرج أحد فقهاء المذهب الشافعي ويقيم موجه ضد القهوة. لم يقف الأمر عند هذا الحد بل اندهشت عندما عرفت أن شرب القهوة في الدولة العثمانية في بداية القرن السابع عشر في عهد السلطان العثماني مراد الرابع كانت محرمة أيضًا لأسباب سياسية،  وكانت عقوبة شربها على الملأ هي الإعدام. والعجيب أن الدولة العثمانية لم تكن الدولة الوحيدة في تحريم ذلك، إذ كانت في بروسيا أيضًا  من المشروبات المحظورة لحد ما لأسباب اقتصادية في الدولة في ظل حكم الملك فريدريك الثاني عام ١٧٧٧.  

وعلى الرغم من أن كل تلك التحريمات انتهت وأصبح شربها أمرًا مألوفًا بين الناس الآن، إلا أنني بشكل شخصي، لا يمكنني أن أغض النظر عن تاريخ تحريم القهوة خاصًة في مصر والحجاز وارتباط شرب الفتيات لها الآن بفكرة «العيب». أرى أن هناك موروثًا ثقافيًا، تم تنقيحه ليطول فئة دون الأخرى، وهو ما أحاول أن أُنقب عن أسبابه هنا.

الكثير من الأسر تُربي بناتها على فكرة منع القهوة عليهن دون أن يدركوا سببًا حقيقيًا لذلك

في هذا السياق تحدثنا ميرهان فؤاد، ٣٣ عامًا من مصر، عن أول مواقف منع  القهوة عليها في حياتها: «عندما كنت طفلة، أمسكت كوب من القهوة، وكنت على وشك أن أشربه، ولم تمر لحظات حتى وجدت أمي وخالتي فزعين وقالو لي بإنفعال: «لا تشربيها، القهوة عيب للبنات»، وتركتها. حاولت أن أعرف السبب وراء ذلك، ولكني لم أجد إجابة». ونتيجة لذلك الموقف الذي مُنعت فيه  ميرهان من شرب القهوة أمام أهلها أصبحت تشربها سرًا لسنوات طويلة، وعندما كبرت عرفت أنها ثقافة شائعة ليست في مصر فقط بل حتى مع أصدقائها في اليمن، الذين هم أصل القهوة!

وعندما قررت أن اسأل والدة مريهان عن هذه الأفكار وأسباب اعتناقها لها أخبرتني أنها في الصغر كانت ترى أن القهوة مثلها مثل العصير-  مشروب عادي لا مشكلة فيه- ولكنها نشأت في ثقافة تُمنع القهوة فيها على البنات وترى أنها غير مسموحة لهن، دون أي سبب واضح؛ لذلك كبرت على هذه الأفكار وابتعدت عن شربها، وأصبحت تتعامل مع ابنتها ميرهان، مثلما تعامل معها أهلها، وتمنعها من شربها، دون أن تجد سببًا منطقيًا لذلك. 

ليست ميرهان وحدها التي عانت من مواقف جذرية تجاه شرب القهوة لأنها فتاة، بل حدث ذلك أيضًا مع منه محمد، ٢٤  عامًا من مصر، التي تقول: «تربيت في أسرة تمنع الأطفال من شرب الكافيين ولم يكن لدي مشكلة في ذلك، ولكن عندما كبرت وبدأت أن أشرب النسكافيه وجدت بعض التحفظ من أهلي إلى أن بدأت أن أتجه للقهوة، حينها رفض أبي ذلك بشكل واضح وقال لي أنها ليست مناسبة للبنات! كنت مذهولة من أن أرى أبي المتفتح- الذي لا يجد مشكلة في الصداقة بين الولد والبنت- يتحفظ على أن تشرب ابنته فنجان قهوة! ولا أُنكر اكتمال صدمتي عندما عرفت أنها ليست أفكار أبي وحده، فعائلة والداي يرون أن الفتيات يمكن أن تصل حدودهم في المشروبات إلى الشاي وحسب!» .

 ترى ميرهان أن فكرة المنع بالتوارث تجعل الناس ينسون ما الأصل وراء هذا المنع، فكل جديد لا يتم تقبله بسهولة وقد يحدث ذلك لأزمنة طويلة مع أي شيء: «إن نظرنا للتاريخ سنجد أنه حتى الحنفية (أو «الصنبور») عندما دخلت مصر لقت تحريمًا، ومن وقفوا ضد هذا التحريم لُقبوا بالحنفية، وبقى اسم مذهبهم حتى الآن، وأظن أن ذلك ما حدث مع تحريم القهوة أيضًا». لهذا تعتقد ميرهان أن المسألة اجتماعية وثقافية لها جذور تاريخية. 

على ذكر الجذور التاريخية، تخبرنا سعاد سيد، ( اسم مستعار) ٥٢ عامًا من مصر، أنها كانت تعتقد في الماضي أن القهوة عيب للبنات بسبب محيطها، وتُضيف: «تربيت في بيئة منغلقة لم تعرف القهوة أو تشربها. كنا نشاهد الرجال يشربونها في التلفزيون فقط، وكانت لدينا قناعة أنها مرتبطة بذوي المناصب الكبيرة من الرجال، وكنت أرى مثلما ترى عائلتي تمامًا أنها مشروب ذكوري مثلها مثل السجائر. كان ذلك في ثمانينيات القرن الماضي، أما الآن بعد أن تزوجت ورأيت زوجي يشرب القهوة، تغيرت أفكاري تدريجيًا عنها كمشروب رجالي وأصبحت أتقبل فكرة أن ابنتي مدمنة قهوة، واعتراضي الوحيد عنها الآن  هو بسبب  الأضرار الصحية التي قد تسببها لا أكثر مثل التأثير على القلب أو ضغط الدم».

ومن السعودية تُحدثنا آمال أحمد ( اسم مستعار)، ٣٠ عامًا، التي تقول أنها تربت في بيئة منغلقة لم تسمح لبناتها بشرب القهوة، وكان أهلها يقولون لها ولغيرها من الفتيات، من تشرب القهوة ستُصبح سمراء مثل لون القهوة: «شخصيًا لم أشرب القهوة أبدًا منذ أن سمعت أنها عيب للفتيات ولكن من الممكن أن تشربها النساء الكبار في السن، وكذلك أنا سأنتظر حتى أكبر لأشربها دون إثارة أي جدل». كما تتعجب آمال من الفتيات في هذا العصر الذين يشربون القهوة دون أي استحياء، وتضيف: «اعتدت أن استمع لكلام الكبار حتى وإن لم أجده منطقيًا، فبالتأكيد كان هناك حكمة من هذا المنع، على عكس فتيات هذا الزمن اللاتي لا يردعهن أي شيء من أقاويل الكبار».

ربما التقسيم «الجندري» للمشروبات أمر نابع من التفرقة بين الإناث والذكور في المجتمعات ، فكل ما هو ناعم ورقيق هو أنثوي بالضرورة والعكس صحيح

لا تقف النظرة المتحفظة لشرب الفتيات للقهوة داخل الأسر وحسب، بل تمتد لتكون في الأماكن العامة أيضًا، وتؤكد ميرهان ذلك  بقولها:«إذا جلست في كافيه  وكان هناك أشخاص من الوسط الريفي يروني أحتسي فنجان قهوة ينظرون إلي باستغراب وتعجب، إذ كيف لفتاة تشرب هذا المشروب الرجالي؟!». ولا يقتصر الأمر مع ميرهان على ذلك، فتضيف: «عندما أذهب إلى مكان عام أنا وصديق ونطلب قهوة وعصير، فالنادل تلقائيًا يُقدم لي أنا العصير ويُقدم القهوة لصديقي؛ لأن المجتمع يربط القهوة دائمًا بالرجل» .

أسباب الاعتقاد بأن القهوة عيب للفتيات لا يعود لأصل واحد، فإن حاولنا تفكيك ذلك سنجد رؤى وزوايا مختلفة؛ فالاعتقاد بأن القهوة مشروب رجالي، ربما تعود، في نظري، لأنه يُقدم في مقهى؛ إذ أن المقهى بالأصل مكان لإجتماع الرجال دون غيرهم ، والمشروب الرئيسي الذي يُقدم بها هي القهوة. وربما هناك من يعترضون على ذلك لربطهم القهوة بفكرة «الكيف وضبط المزاج»، الذي من العيب أن تُفكر فيه فتاة وتطلبه. بجانب ذلك، يرى آخرون أن السهر عيب للفتيات ولهذا من العيب أن تشرب القهوة التي تجعل البنت مستيقظة لساعات طويلة في الليل.

 في هذا الصدد  تحدثنا سلمى أيمن ( اسم مستعار)،٢١  عامًا من مصر، وتقول: «أعيش في أسرة محافظة ترى أن شرب القهوة عيب للفتيات لأنها تجعلهم يسهرون، والسهر بالنسبة لأهلي عيب للبنات».  كانت سلمى دائمًا ما تواجه تحدي أنها ترغب في المذاكرة والسهر لأجل الدراسة، ولهذا هي مضطرة لشرب القهوة التي لن يفعل شي ء غيرها هذا المفعول، ولهذا تقبل أهلها الفكرة على مضض، رغم أنهم لا زالوا يحتفظون بنظرتهم المتحفظة تجاه القهوة.

أما  رضوى، ٢٠عامًا من مصر، فتقول :«بدأت أشرب القهوة من سن السادسة عشرة تقريبًا، عرفتها من أبي الذي أدخلها منزلنا ولكن حين قررت أن أُجرب مثله وجدت إجابته مفاجئة،  إذ قال لي أن القهوة «لا تجوز» للفتيات! يرى أبي أن القهوة مرتبطة ب«الكيف»،  فهي تجعل الرأس «متزن»، ولا يجوز لفتاة أن تتحدث عن ذلك فهذا شيء «عيب» لا يليق بها!».ترى رضوى أن إدمان القهوة لا يختلف عن إدمان الشاي كلها مشروبات وكلها عادية:  «أعترض على الثقافة الذكورية التي جعلت هناك مشروبات محصورة على النساء أو الرجال فقط.  إننا في ٢٠٢٠  ونتحدث عن ذلك؛  إنها نكتة سخيفة».

أما حاكم مشعل، ٥١عامًا من السعودية -التي هي إحدى الدول الشهيرة بالقهوة- يحدثنا عن وجهة نظره المختلفة التي تقول أن القهوة مشروب غير مناسب للفتيات، فالفتاة ناعمة، ورقيقة، ومن غير اللائق لها أن تشرب مشروب مُنبه، ويبدي إزعاجه من مبالغة الكثير من الفتيات بشربها وحبها: «أنا لا أحصر القهوة على الرجال لأني أعلم أن نساء العرب قديمًا كن يحتسين القهوة، ولا أقصد أن شرب الفتيات لها عيب بمعنى  كلمة «عيب»، ولكني ضد الاستعراض بها والتعلق الزائد عن الحد من قِبل الفتيات، مثلما نراه الآن من صور وتعليقات للتغني بحب القهوة.. لأن الفتاة كائن ناعم ورقيق والأنسب لها أن تشرب عصائر أو مشروبات تليق برقتها». 

برأيي أنه لا يمكننا أن نحصر كل شيء في الحياة ونقسمه بمقياس «جندري»، بمعنى أن هذا  مسموح للفتاة و ليس مسموح للولد، والعكس صحيح. لقد تطورت الحياة وأصبحنا نعيش في عالم يسعى إلى تخفيف الفجوة بين الجنسين ويسعى إلى المساواة، لا بأس إن كنا مخطئين في أفكارنا يومًا ما، ولكن التعاسة فعلًا هي أن تُميز الآخرين في حياتك، وتُبيح لهم أو تُمنع عليهم أشياء بعينها لمجرد أن نوعهم الإجتماعي مختلف.


وفاء خيري صحفية مصرية مهتمة بالمجالات الثقافية وقضايا المرأة، تكتب في عدد من المنصات العربية المتنوعة. حياتها لا تخرج عن الكتابة والقراءة، فحين لا تكتب، حتمًا سيكون رأسها بين دفتي كتاب.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.