ثقافة وفن

الولادة المبكرة: قصص أمهات عشن التجربة ويروين حكاياتهن

«أصعب ما في التجربة على الإطلاق هو العودة إلى البيت بعد الولادة من دون طفلي»

بقلم أسماء موسى

الرسمة: شيماء العلوي.

في طفولتي، وحين كنا نذهب إلى بيت العائلة، كانت جدتي تهتم بابن خالتي وتقربه إليها؛ كانت تلقمه الطعام  دائماً، وفي فصل الشتاء كانت تخاف عليه كثيراً من المرض، وأثناء لعبنا كان هو الأكثر عصبية إذ كان ينهرنا كثيراً، ومع ذلك لا يُعاقبه أحد. وحين كنا نسأل جدتي لماذا كان هو تحديداً يحظى بكل هذا الدلال كانت ترد قائلة: «لأنه ابن سبعة».

 لم نفهم بالطبع ماذا كانت تعني تلك العبارة وظللنا نحقد على الصغير، وحين كبرت قرأت أن الأطفال الخدج، أو المبتسرين، أو أبناء السبع شهور -على حد قول جدتي-، يحتاجون لرعاية خاصة في طفولتهم، إذ يكونون أكثر عرضة للأمراض المزمنة ، ونقص المناعة، والمشاكل السلوكية. ولكن لماذا يولد الأطفال قبل أوانهم؟ وكيف تتعامل الأم مع هذه التجربة؟

لماذا تحدث الولادة المبكرة ؟

في الوضع الطبيعي يستمر الحمل الكامل ٤٠ أسبوعاً، وتحدث الولادة المبكرة أو الولادة المبتسرة حين يُفتح عنق الرحم قبل الأسبوع ٣٧ من الحمل. تخبرني الدكتورة بهجة عبد الرحمن، استشاري النساء والتوليد في مصر، أن «الولادة الطبيعية تحدث لعدة أسباب، منها تعرض الأم لضغوط نفسية هائلة، أو حين يكون الحمل في توأم أو أكثر»، وتضيف بأن «الأم قد تلد قبل أوانها إذا كانت مصابة بأمراض مزمنة مثل ضغط الدم والسكري، أو إذا بذلت مجهود بدني شديد».

التجربة صعبة للغاية ولا يمكن نسيانها أبداً 

«عدت من عملي في الساعة الواحدة ظهراً، وأنا في طريقي إلى البيت سقطت على الأرض حين التوت قدمي، ولكني قمت وأكملت طريقي. لم أكن أشعر بالكثير من الألم، ولهذا عدت إلى البيت وقمت بأعمال المنزل لأتفاجئ بأن هناك الكثير من الماء الذي ينزل مني»، هكذا بدأت فتحية الوكيل من تونس كلامها معي عن تجربتها مع الولادة المبكرة في الشهر الثامن للحمل. وأضافت قائلة: «اتصلت بزوجي وذهبنا إلى المستشفى، ليخبرنا الطبيب أنني يجب أن ألد اليوم، ولكن مبدئياً كان يجب علي العثور على حضانة أطفال مزودة بأجهزة التنفس الصناعي».

تخبرني فتحية عن شعورها لحظتها:«بكيت بشدة، لا أدري كيف انقلبت الأمور فجأة، لقد كنت في أتم صحة وعافية في الصباح.. لو كنت أعلم من بداية حملي أنني سألد مبكراً لم أكن لأحزن، ولكني كنت أشعر بالذنب تجاه طفلي، فاستهتاري هو الذي أدى للولادة المبكرة» .

مشاعر الإحساس بالذنب لم تكن تطغى على فتحية وحدها، فحين تحدثت  مع بسمة عبد العظيم،  مصرية مقيمة في الإمارات العربية المتحدة، التي كانت تعيش مغتربة عن أهلها، أخبرتي قائلة: «أخبرني الطبيب في البلد التي أعيش فيها مع زوجي بالخارج أن حالتي لا تسمح بالسفر، ولكني صممت على الولادة بجانب أمي. ولهذا سافرت وأنا في شهري السادس من الحمل، وبعد يومين من وصولي لبلدي أخبرني الطبيب بضرورة الولادة المبكرة لأن عنق الرحم كان قد انفتح بمقدار ٢  سم، وإذا ما صممت على عدم الولادة سيموت طفلي بالداخل».

أما نجلاء عبد الستار من الجزائر، فتم حجزها في المستشفى قبل الولادة المبكرة بأسبوع، وقد تحدثت إلي قائلة :« في الشهر الخامس من الحامل، أخبرني الطبيب أن مشيمتي منخفضة، ويجب علي أن أرتاح بشكل كامل وإلا سألد مبكراً.  لم أكن في وضع يسمح لي بالراحة التامة خاصة وأن لدي أطفالاً آخرين وكوني أرملة، ولهذا، وقبل دخولي الشهر السابع، شعرت بانقباضات شديدة، ونزيف مهبلي، وأسرعت إلى المستشفى ليحتجزني الطبيب هناك».

تضيف نجلاء :«أعطاني الطبيب الكثير من المثبتات حتى يؤخر الولادة، وطلب من أخي البحث سريعاً عن حضانة مجهزة لأن المستشفى لا تملك حضانات تحتوي على أجهزة تنفس صناعي. وبعد رحلة طويلة من البحث المضني وجدنا واحدة في مكان بعيد جداً عن بلدتنا الصغيرة». تخبرني نجلاء أن آلام الطلق لم تكن تساوي شيئاً أمام خوفها الشديد من عدم العثور على حضانة، :«كنت أرى كوابيس أثناء نومي وأستيقظ مفزوعة، وكأن الأطباء يحاولون إنقاذ صغيرتي دون جدوى» .

عبير خالد (من اليمن ومقيمة في مصر) حُجزت في المستشفى أثناء الشهر السادس للحمل، وكانت صحتها ضعيفة للغاية. تقول لي عبير: «أخبرني الطبيب أن طفلي في وضع خطر، وأني يجب أن ألد على الفور، ولكن بسبب نقص الحديد في الدم كان يجب أن تتأخر الولادة وإلا فكنت سأتعرض لنزيف شديد قد يودي بحياتي». 

حانت ساعة الولادة 

حين سألت فتحية عن تجربة الولادة المبكرة أخبرتني أنها كانت طبيعية ولم تشعر وقتها بالكثير من الألم : «الولادة كانت طبيعية ورغم خوفي الشديد إلا أنها مرت بسلام، الوجع الحقيقي كان في عدم رؤية طفلي إذ ذهب مباشرة إلى الحضانة دون أن أراه، وعدت إلى البيت في اليوم نفسه، ولكني عدت بمفردي». بسمة كانت تشعر بالوجع نفسه، بالإضافة إلى وجع الولادة القيصرية خاصة، وأن وزن طفلها عند الولادة كان كيلو وربع فقط، وكانت حالته خطيرة. عادت بسمة بيتها هي الأخرى خالية الوفاض، ولكن وجعها كان أمر آخر، إذ تقول لي: « حين كنت في المشفى سمعت زوجي يتحدث مع أمي ويقول لها هامساً : الأحسن ألا ترى الطفل حتى يكون الأمر أهون عليها إذا مات، ففي كل الأحوال هي لم تراه حتى تحبه». تخبرني بسمة: «بكيت حينها كثيراً ، وما زاد من شدة الأمر أن زوجي منعني من زيارة طفلي طوال مدة بقائه في الحضانة وهي ٣   شهور.  كنت أرجوه أن أرى صورته فقط، ولكنه كان يرفض». تضيف بسمة :« لم أراه ولم أسمع صوت بكائه، فبعد أن فقت من تأثير البنج لم يكن بجواري، ولم أرضعه أيضاً. كانت تسري في أوصالي قشعريرة لم أكن أدري أهي بسبب البنج، أم الخوف، أم الحزن».

وحين سألت بسمة عن مشاعرها فور رؤية طفلها لم تجبني مباشرة، إذ كانت تستجمع نفسها بصعوبة لتقول أخيراً: «حين رأيت أمير للمرة الأولى لم أتمالك نفسي وبكيت بشدة، بكيت أكثر من يوم الولادة ولكنها كانت دموع الفرح، حينها فقط استشعرت بأن ما كل ما مررت به كان معجزة حقيقة».

نجلاء أيضاً لم تر طفلتها الصغيرة التي كنت تقبع وحيدة في حضانة البلدة المجاورة، إذ كانت الزيارة ممنوعة بسبب أزمة فيروس كورونا، وبالنسبة لنجلاء كان ذلك  الجزء الأصعب حسب قولها: «لم أرضع طفلتي طبيعياً مثل إخوتها، وحين عادت إلى البيت بعد ٣٢  يوم، رفضت الرضاعة مني  تماماً، ولهذا لجأت إلى الرضاعة الصناعية». تضيف نجلاء :«كان يجب أن أحاول زيارتها، أن أذهب كل يوم إلى البلدة المجاورة وأترجى الممرضة المسؤولة  أن أرى صغيرتي وأرضعها، فماذا لو كانوا قد تركوها جائعة؟».

عبير كانت تئن في المستشفى بسبب كثرة الأدوية والوجع الذي رافقها، وأثناء الليل شعرت برغبة في دخول دورة المياة. تقول: « كنت سأموت من الألم بسبب حقن الحديد والمثبتات، وأثناء الليل دخلت دورة المياه لأتفاجأ بمنظر لم أره في حياتي من قبل: لقد كانت مشيمة طفلي. صرخت طلباً للمساعدة، وجاءتني الممرضة على الفور ودخلت غرفة العمليات، وبعد قليل خرجت منها وحدي؛ لقد مات طفلي دون أن أراه».

تخبرني الطبيبة بهجة أن الأطفال المبتسرين أو الخدج الذين ولدتهم أمهاتهم مبكراً قد يعانون من بعض المشاكل الصحية مثل ضيق التنفس وضعف المناعة، وتضيف قائلة :« يجب أن يكون هناك وعياً كافياً لجميع الأمهات بمسألة الولادة المبكرة ومخاطرها، كما يجب أن يكون لدى جميع النساء الوعي الكافي للتعامل مع كل الحالات».

كما تخبرني الطبيبة أيضاً  أن «هناك ١٥  مليون طفل يولد مبستراً كل عام حول العالم، بالطبع هناك حالات خارجة عن إرادة الأم مثل الإصابة بالأمراض المزمنة وتشوهات الرحم، ولكن هناك حالات أخرى  قد لا تعلمها الأم تزيد من خطورة الإصابة بالولادة المبكرة، مثل المجهود البدني والتعرض للضغوط النفسية وغيرها، كما أن سوء التغذية أثناء الحمل قد يؤثر على وزن الجنين أثناء الولادة، وكلما كان الوزن منخفضاً قضى الطفل وقتاً أطول في الحضانة».

حضانة التنفس الاصطناعي 

عبر موقعها الإلكتروني على الإنترنت ذكرت منظمة الصحة العالمية أن الابتسار هو السبب الرئيسي لوفاة الأطفال دون سن الخامسة، وأضافت المنظمة أن الأطفال المبتسرين أكثر عرضة للوفاة بسبب « المضاعفات مثل مشاكل الجهاز التنفسي، وصعوبات التغذية، وضعف تنظيم درجة حرارة الجسم، والعدوى المتكررة». 

تخبرني فتحية الوكيل :«مكث طفلي ٤٠  يوماً في الحضانة رأيته خلالها مرة واحدة فقط، وقد أخبرني الطبيب حينها أنه لن يخرج إلا بعد أن تكتمل رئتيه ويزداد وزنه قليلاً، كما طلب مني الدكتور أن أجرب رضاعته طبيعياً أمامه وأمام الممرضات لنرى إن كان سيختنق أم لا»، ولكن طفلها وجد صعوبة في الرضاعة الطبيعية، ولهذا منعها الطبيب من المحاولة مجددًا واجهت نجلاء مشكلة كبيرة بسبب عدم توفر حضانات التنفس الاصطناعي، وحتى حين وجدتها كان ثمنها باهظاً للغاية في الليلة الواحدة، استطاعت نجلاء تدبير المبلغ بصعوبة، وتدبرت أمرها، ولكنها قالت لي: «لابد أن تكون تلك الحضانات متوفرة بكثرة، خاصة وأن عدد الولادات المبكرة في بلدتنا قد زاد للغاية في الآونة الأخيرة».

وفي هذا السياق تؤكد منظمة الصحة العالمية على ضرورة تقديم الرعاية اللازمة لكل الأمهات الحوامل، كما يجب أن يطلب الدكتور سجل الأم الطبي الكامل وتوفير كل الأسباب الممكنة لمنع الولادة المبكرة الغير ضرورية، من جانب آخر كما يجب توفير الكورتيزون قبل الولادة للحد من مشاكل التنفس لدى الأطفال المبتسرين؛ فهذا التدخل وحده يكفي لإنقاذ أكثر من ٣٧٠  ألف شخص حول العالم.


أسماء موسى مترجمة وكاتبة عربية تجوب العالم وتدرس الأدب الإسباني، شغفها القراءة، وإعداد الطعام، وتأليف القصص.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.