آراء

عندما تقوم المرأة بطلب الزواج أولاً .. هل أنتَ مع أم ضد؟

لماذا لا تزال النساء تنتظرن مبادرة طلب الزواج من الرجل حتى لو كنّ مستعدات للقيام بهذه الخطوة؟

بقلم عفاف بوعكادة

الرسمة: شيماء العلوي.

تحكمنا في مجتمعاتنا العربية مجموعة من القواعد والعادات التي تؤطر حياتنا وتفرض علينا، نوعًا ما، العيش وفق ضوابط وشروط محددة. فبالرغم من التغيير الكبير الذي نلمسه منذ أوائل القرن الحالي، والانفتاح أكثر نحو الثقافات الأخرى، ما زال مجتمعنا يحارب بقوة لصون عاداته وأصوله التي توارثتها أجيال من قبلنا. ولعل أول شيء قد يخطر على بالكم عند الحديث عن هذه النقطة هو موضوع الزواج والارتباط في العالم العربي.

لقد تغيرت مفاهيم وعادات الزواج بشكل ملحوظ، وأصبح عدد من جيل الشباب يؤمنون  بضرورة إقصاء بعض التقاليد التي لم تعد تواكب طريقة تفكيرنا ونمط عيشنا. ففي الوقت الذي أصبحنا نراهن فيه على الحب في العلاقات أولًا قبل التفكير في الارتباط بشريكنا مدى الحياة، بدأنا شيئًا فشيئًا نطرح علامات استفهام واضحة بخصوص أفكار كانت بالنسبة لنا مُسلمة ولا نقاش فيها. مثلًا إذا كنّا نشجع على المساواة بين الجنسين وندعو إلى عدم إقصاء حقوق المرأة في التشريعات والقوانين، فلماذا لا تزال النساء تنتظرن مبادرة طلب الزواج من الرجل حتى لو كنّ مستعدات للقيام بهذه الخطوة؟

برأيي، يتخبط جيلنا حاليًا بين مطرقة تمكين المرأة وتحسين وضعيتها الاجتماعية، وسندان العادات والتقاليد المتوارثة التي لا يجب الخروج عليها خوفًا من النبذ. أنا أيضًا لا أستثني نفسي من هذه القاعدة. لقد تربيت في بيئة ذكورية بامتياز تضع الرجل في منصب حامي المرأة والوصي عليها، وبالتالي صاحب الشأن في اتخاذ القرارات بدلاً منها. في الوقت نفسه، ومع تقدمي في السن واتساع دائرة مداركي ونضجي، أصبحت أكثر وعيًا بضرورة استقلال المرأة أكثر، وأخذها لزمام أمور حياتها بيدها. ولو سألني أحدكم الآن إن كنت ممن يؤمنون بفكرة التقدم لطلب يد شاب إذا كانت الظروف تناسبني، سأقول نعم دون أن يرجف لي جفن، لكنني أعلم في قرارة نفسي أنه إذا وُضِعت أمام الأمر الواقع فإنني سأعيد التفكير مليًا في الأمر، أو قد أنسحب في آخر دقيقة.

بالنسبة لنا نحن الفتيات، الأمر يتوقف على مجموعة من العوامل. نحن نعلم أنه من الصعب مواجهة الأهل والمجتمع، فالفتاة التي تجرؤ على القيام بهذا الطلب هي في نظرهم « عانس بائس فقدت الأمل في الزواج وتبحث عن ضالتها بأي طريقة كانت».  والحقيقة هي العكس تمامًا، في نظري؛ هذه الفتاة التي استجمعت شجاعتها الكاملة وقررت بمحض إرادتها مصارحة هذا الشاب الذي تنوي تكملة حياتها معه بغض النظر عن جميع الإكراهات المحيطة بها، هي في الأصل شخص قوي تعرف ما تريده وتحارب بضراوة للوصول إليه مهما كلفها الأمر. أين العيب في هذا؟

بعد تفكير معمق، قررت معرفة رأي أصدقائي الذكور  من مختلف الجنسيات العربية بخصوص هذا الموضوع، وجاءت الردود متقاربة في مجملها.     

المساواة بين الجنسين يجب أن تشمل قرار الزواج أيضًا

يخبرني اليزيد مالك، ٢١ عامًا: « أظن أنه في إطار المساواة بين الرجل والمرأة، يجب علينا كسر جميع الحواجز والفروق، ونفس الأمر ينطبق على موضوع الزواج. لا يجب أن يقع عبء طلب يد الفتاة على كاهل الرجل لوحده. أساسًا عندما يجمع الحب بين شخصين، فإن قرار الزواج يأتي بشكل طبيعي من طرفهما معًا، وليس من جهة واحدة دون الأخرى. إذن فقرار أخذ المبادرة وطلب يد الشخص الثاني للزواج يمكن أن يأتي من طرف المرأة كما يأتي من طرف الرجل». 

وعندما سألته عن ردة فعله إذا بادرته فتاة بطلب يده للزواج، قال لي: «بالطبع إذا كنت أكن مشاعر لهذه الفتاة التي طلبت يدي للزواج وكانت نيتي تكملة بقية حياتي معها، فسأقبل دون تردد ورأيي عنها لن يتغير البتة إذا قامت هي بهذه الخطوة أم لا. طبعًا لن تقل «قيمتها» في نظري لأني شخص يؤمن بقوة بفكرة المساواة بين الجنسين في جميع مناحي الحياة. بل بالعكس، قد تزداد قيمتها لدي إذا قامت هي بالمبادرة».  

بلغة الأرقام، تأخذ مظاهر عدم المساواة بين الجنسين منحى آخر عندما يتعلق الأمر بأخذ المبادرة وطلب الزواج. فبحسب لورين كاي، محررة موقع the knot.com، فإن ٩٧٪ من الأزواج كانوا هم السباقين إلى طرح موضوع الزواج على شريكات حياتهم، مقابل ٣٪ فقط من طرف الزوجات. 

الزواج هو رباط مقدس يجمع بين شخصين بهدف إنشاء أسرة وبناء مجتمعات متماسكة أساسها الحب والاحترام. يعني أنه يعتبر بمثابة شراكة يتساوى فيها الطرفان معًا في المسؤوليات والواجبات، لذلك فإن أي قرار يمس من قريب أو من بعيد هذه الشراكة عليه أن ينبثق منهما بشكل متساوِِ وألّا يتحمل الرجل لوحده مسؤولية أخذ المبادرة أولًا وكأن هذه المهمة مكتوبة عليه فقط. وهذه نقطة أتفق فيها مع اليزيد، الذي يضيف : « أنا ضد فكرة وضع حمل الخطوة الأولى على عاتق الرجل، لأن المساواة تبدأ من الأفعال البسيطة. أظن أنه حان وقت تغيير هذه العقليات، والتحرر من أفكار المجتمع الذكوري التي تقيد بشكل كبير حريات المرأة. على الفتاة أن تدرك أنه من حقها أيضًا التعبير عن رأيها والقيام بالخطوة الأولى إذا أرادت ذلك، لأن هذا ليس عيبًا».

لن يتغير قراري وسأوافق إذا كانت تجمعنا مشاعر متبادلة

لقد لاحظت من خلال حديثي مع أصدقائي الذكور أن الأغلبية الساحقة منهم  لا ترى مشكلة في قيام الفتاة بعرض زواج بدلاً من  الشاب. يقول لي محمد خالد: « ستظل الإجابة نسبية لكل من الذكر والأنثى، ولكن من وجهة نظري أن قيام الفتاة بهذه الخطوة لن يحط من قيمتها كما يتم الترويج له في مجتمعاتنا الشرقية التي ترى أن على المرأة السكوت والانتظار إلى حين قيام الرجل بالخطوة الأولى. ولكن ما حال صاحبة الخلق، والدين، والالتزام، والحياء من طلب ذلك أن يُرفض طلبها أو يُظن بها السوء؟».

ويضيف: «المجتمع أشخاص، ولو انطلق كل شخص من نفسه وشجع على التغيير، فإننا سنلمس مظاهر التحول في المجتمع بأكمله. الفكرة بأكملها تكمن في إبداء الرأي والقيام بهذه الخطوة مباشرة بعد التأكد من جاهزية المرور إلى المرحلة القادمة، وهذا شيء قد يحسه كل من الذكر والأنثى على حد السواء ولا دخل للجنس في هذا الأمر. بل بالعكس، هذه خطوة مهمة لكلا الطرفين، وليست سهلة على كليهما».

لقد أثار محمد نقطة مهمة استحوذت على انتباهي. قرار الزواج والارتباط بشخص مدى الحياة هو حقًا أمر مخيف لدى  الكثير من الشباب. فهناك العديد من العوامل التي تدخل في اتخاذ الشخص لهذه الخطوة كيفما كان جنسه، وإضافة ثقل مسؤولية طلب الزواج على عاتق الرجل دون المرأة هو أمر أحسه غير عادل البتة. من حق الطرفين معًا تقاسم هذا الحمل الثقيل بشكل متساوٍ، أوليس هذا أساس الزواج الناجح؟

سفيان نبيل، ٢٦ عامًا ، هو الآخر يرى أن الأمر عادي جدًا خصوصًا أننا بتنا أكثر انفتاحًا وتقبلًا للاختلاف. يخبرني: « سأتعامل مع الأمر بشكل عادي، و كأن الاقتراح جاء من طرفي. كل ما في الأمر أنها ستطرح عليّ سؤالًا وسأجيبها بكل صراحة حول ما يخالج وجداني من مشاعر. إذا كنت مستعدًا للانتقال إلى المرحلة المقبلة مع هذه الإنسانة، فبالطبع سأوافق ولن يغير الأمر من نظرتي لها. لقد تعودنا في مجتمعاتنا العربية على قيام الشاب بالخطوة الأولى بشكل مفروض ودون نقاش لأن في ذلك- حسب ما يتم تداوله- تقدير للمرأة، لكن الحقيقة أن الأمر خاطئ. لقد حان وقت تغيير هذه الفكرة، وهذا التغيير عليه أن يبدأ منّا نحن الشباب».  

صحيح أن هذا التغيير الذي يتحدث عنه سفيان لا يمكن ملاحظته إلا إذا بدأ كل منّا بالسير نحو درب مغاير لذلك الذي تربينا عليه، بهذه الطريقة سنحاول على الأقل تغيير نظرة آبائنا ومجتمعاتنا بخصوص هذا الموضوع. فأنا أجد أنه من الطبيعي جدًا أن تقوم المرأة بمبادرات وقرارات تهم حياتها الشخصية مباشرة إذا أحست بنفسها مستعدة دون الاعتماد على أي شخص آخر. ففي مجتمعاتنا العصرية نجد المرأة تجابه ضغوطات الحياة وعقباتها ببسالة وعزيمة لا نظير لهما،  ولها نفس المستوى التعليمي، أو أكثر، مقارنة بالرجل، لماذا إذن جعل خطوة كهذه تخيفها أو تحد من استقلاليتها بذاتها؟

أخذ المرأة لزمام الأمور أمر جيد، لكن الحفاظ على جمالية التقاليد أفضل

يبدو أن صديقي ياسين قوتي، ٢٩ عامًا، له رأي مخالف بعض الشيء،  فهو يرى أنه لا بأس من قيام المرأة بالخطوة الأولى، لكنه مع ذلك يفضل العادات التقليدية، ويرى أن طلب الزواج يجب أن يأتي من طرف الرجل «الجنتلمان». يقول: «أظن أنه في مرحلة ما من العلاقة يأتي قرار الزواج من طرف الشريكين معًا، لكن إذا نظرنا إلى الوضع من الجانب الثقافي، فإنني أفضل الحفاظ على تقاليدنا الجميلة. هذه التقاليد تضفي طابعًا خاصًا أجده مميزًا ولا يجب التنازل عنه … أشياء مثل قيام الرجل بالخطوة الأولى وطلب يد الفتاة، ثم الذهاب إلى لقاء عائلتها والمرور بجميع هذه المراحل المتعارف عليها في ثقافتنا؛  هذه «جمالية التقاليد» التي أحبها ولا أرى نفسي أمر بمسار آخر مغاير لها».  ثم يضيف: «أنا لست ضد قيام المرأة بهذه الخطوة أولًا، لكن مجرد تخيل الأمر يجعلني أشعر وكأنه شيء غريب لا يجب أن يتم بهذا الشكل. بعيدًا عن المساواة بين الجنسين، على الرجل أن يكون «جنتلمان»، ولا يجب علينا انتزاع هذه الصفة منه، لذلك فقرار طلب الزواج يجب أن يأتي من طرفه أولًا». 

نعم أعترف أن لأعرافنا وعاداتنا طعمًا جميلًا، فهي التي تمثل جوهر ثقافتنا الذي علينا الحفاظ عليه، لكنني أختلف مع ياسين في رأيه. في الوقت الذي يرى فيه هو أن الأمر متعلق بكون الرجل «جنتلمان»، فأنا أرى أن فيه إجحاف بحق المرأة التي تقاسمه نفس القدر من المسؤولية، والتي تنتظر منه السماح لها بالقيام بمبادرات هي الأخرى في إطار هذه الشراكة التي تجمعهما. فكما هناك «جنتلمان»، يجب أن تكون أيضًا «جنتلوومن».

رجوعًا إلى القرون القديمة، فإن السيدة خديجة – رضي الله عنها- هي من عرضت الزواج على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من خلال صديقة لها. لقد رأت في الرسول الكريم زوجًا أمينًا وصادقًا، ولم يمنعها نفوذها، أو مالها، أو مكانتها من أخذ المبادرة دون خوف من أن ينقص هذا القرار من قيمتها. 


إن الزواج هو واحد من أهم القرارات التي يمر منها أي شخص، ووضعه داخل صندوق الأدوار الجندرية هو أمر غير عادل لكلا الزوجين. أستطيع القول من خلال بحثي الصغير الذي قمت به قبل كتابة هذا المقال، أن شباب وطننا العربي أصبحوا أكثر انفتاحًا ووعيًا من الأجيال التي سبقتنا بضرورة هدم القوالب التي تؤطر أدوار كل من الرجل والمرأة، خصوصًا فيما يتعلق بقرار يشملهما هما معًا. مهمتنا تكمن في تطبيع هذه الأفعال حتى يتقبلها مجتمعنا وتتخطى مرحلة الغرابة. 


عفاف بوعكادة كاتبة مغربية تهتم بالمجالات الثقافية والفنية والنهوض بقضايا المرأة. لها مقالات متفرقة في مجموعة من المنصات الرقمية العربية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.