آراء

ماذا يعني أن تتعايش مع اضطراب ثنائي القطب؟

التأرجح بين السماء والأرض:قصة شابة عربية متعايشة مع الاضطراب.

بقلم أسماء موسى

تحذير:  هذا المقال يحتوي على قصة عن محاولات للانتحار قد تكون غير لائقة للبعض.

تنويه: هذا المقال عبارة عن رأي شخصي وتجربة شخصية لشخص غير مختص ، ولا يغني المقال عن اللجوء للمساعدة الطبية، والنفسية، واتباع نصائح المختصين. 

الرسمة: شيماء العلوي.

في إحدى الصباحات البعيدة والجميلة استيقظت على صوت زخات المطر يطرق على نافذة غرفتي، إنه طقسي المفضل على الإطلاق؛ أعشق بشدة رؤية الشوارع بعد المطر، وكأن الكون بأكلمه قد غُسل لتوه من كل السوء العالق به. أحب أيضاً رائحة المطر بشدة، ولهذا أول مافعلته في ذلك الصباح هو الاتصال بصديقاتي لنتفق على موعد للخروج بعد توقف المطر. خرجنا بالفعل وكنت في غاية سعادتي، دخلنا مطعمي المفضل وطلبت أكلتي الدافئة اللذيذة ، وكنت أدندن مع أغنية المطعم، وفجأة داهمني الشعور الذي أعرفه جيداً. ذهبت فوراً إلى دورة المياه وانفجرت في نوبة شديدة من البكاء، كنت حزينة للغاية وانهرت فجأة وتركت المطعم وعدت إلى بيتي وارتميت على السرير وعاودت البكاء.

 هذا باختصار شديد حكاية أحد أيامي كمريضة اضطراب ثنائي القطب.

كيف بدأت الحكاية

حين كنت في المرحلة الثانوية بدأت أشعر بأعراض حزن شديد. وقتها لم أكن أدري سبب هذا الشعور، ومع الوقت تطور الأمر إلى اكتئاب إلى الدرجة التي أثرت على دراستي؛ كنت تارة أنهمك في دروسي وأذاكر بكل ما أوتيت من قوة، وتارة أخرى أنام لأكثر من عشرين ساعة في اليوم. كنت أعيش في كنف عائلة صارمة، ولهذا بذلت كل طاقتي لأخفي حزني عن الآخرين.

اليوم مر أكثر من عشر سنوات على محاولتي الأولى للانتحار، لم يكتشف أحد الأمر سوى عمتي التي نهرتني بشدة ونعتني  ب«الكافرة»، ولكنها كانت رحيمة بي ولم تخبر والدي. تحدثت أيضاً مع إحدى صديقاتي عن الموضوع، ولكنها قالت لي «عيب أن تذهبي لطبيب نفسي». لقد أفقدتني رحلتي الطويلة مع المرض الكثير من الأشخاص والعديد من الأحلام؛ فبسبب إحدى نوبات اكتئابي في الثانوية لم أتمكن من المذاكرة بشكل جيد، ودرست تخصص مختلف تماماً عن ذلك الذي لطالما حلمت به، وبمرور الوقت أضحت نوبات الاكتئاب مزعجة للغاية، وأصبحت زيارة الطبيب النفسي واجبة. 

رحلة العلاج

لأصدقكم القول في البداية لم أكن أريد الذهاب للطبيب من أجل التعافي، كنت فقط أريد أن تهدأ تلك النوبات. في إحدى اللحظات أدركت أن عداد حياتي كان قد وصل إلى الصفر، وبدأت أدخل في نوبات عنيفة من الاكتئاب، كنت أنام يومين متواصلين ولا أستطيع الأكل أبداً، و داهمتني فكرة الانتحار مرة أخرى، لأقرر بشكل حازم زيارة الطبيب النفسي لأول مرة في سبتمبر ٢٠١٢  .

 تخيل فكرة أن تتحدث عن نفسك مع إنسان غريب لا تعرفه على الإطلاق؟ من معرفتي الشخصية بذاتي الكتومة كنت أتوقع أن أتلفظ بالقليل من الكلمات فقط ولكن ذلك لم يحدث؛ أخبرت الطبيب عن كل تفاصيل تقلباتي المزاجية، وعن رغبتي العارمة في الابتعاد عن البشر..والحقيقة أنه استمع لي بكل إخلاص ثم كتب لي دواء مضاد للاكتئاب وطلب مني زيارته بعد أسبوع.

فور تناولي للدواء شعرت أنني إنسانة أخرى، على العكس تماماً من نفسي الحزينة؛ بدأت ارتدي أفضل ملابسي، وذهبت إلى الكوافير لأغير لون شعري، واشتركت في عدة أنشطة ..شعرت فجأة وكأنني في الجنة، وقتها كنت أمشي في الشارع وكأنني على حد قول الكاتب الروائي ميلان كونديرا «كائن لا تحتمل خفته». وفي أحد الأيام اتصلت بصديق لي لأحكي له عن حالتي الجديدة وسعادتي المطلقة ليخبرني أنني يجب أن أعود للطبيب فوراً لأن الحالة التي أمر بها لم تكن سوى نوبة هوس خفيفة.

لم استمع إلى صديقي واستكملت حياتي، وقررت فجأة أن أتوقف عن تناول الدواء. ولكن هذه المرة خرجت الأمور عن سيطرتي تماماً ودخلت مصحة للأمراض النفسية، وهناك تم تشخيص حالتي وسمعت للمرة الأولى اسم رفيقي منذ سنوات طويلة :  «الاضطراب ثنائي القطب» أو« Bipolar disorder». حكى لي الطبيب يومها عن هذا الاضطراب وأخبرني بأنه مرض نفسي يجعل صاحبه يمر بحالات متفاوتة من الابتهاج غير الطبيعي والاكتئاب الشديد، وفي حال عدم تناول الأدوية قد يصاحب تلك الحالات أوهام وهلاوس يقوم فيها الشخص بأفعال لا إرادية.

الخروج من المصحة وتناول الأدوية بانتظام

هل تعلمون ماذا فعلت بي أدوية الاكتئاب الشديد؟ في البداية كنت أظن أنها ستنهي حالة الحزن التي أشعر بها؛  ولكنها لم تفعل ذلك بل عطلت عملية الشعور بأكملها عندي. عانيت من حالة من البلادة، واللامبالاة، وعدم الاكتراث، لدرجة أن إحدى صديقاتي تعرضت لحادث سير كاد يودي بحياتها، وحين علمت الخبر لم أفعل شيئاً؛لم أبكِ، لم أحزن، لم أكن أشعر بأي شيء على الإطلاق.

وهكذا ظللت مدة طويلة أحدق في سقف الغرفة ولا أرى إلا فراغ، وفي أحد الأيام قررت استفزاز نفسي؛ كنت أريد الشعور بأي شعور، فذهبت لأحد المطاعم وطلبت طعاماً حاراً للغاية. كنت أريد أن أبكي فقط لأتأكد بأني كنت ما أزال  أشعر، وبعدها قررت التوقف مرة أخرى عن تناول الدواء لأدخل في حالات جديدة من نوبات الهوس.

في حالة عدم تناول الأدوية بانتظام تلاحقني نوبات من الهوس الخفيف،  كأن أكون متفائلة زيادة عن اللزوم، وأرى الدنيا جميلة. وقد حدث ذات مرة أن داهمتني تلك الحالة ، وفي خضمها طلب مني أحد أقاربي أن أشاركه بإحدي المشاريع وأعطيته جميع مدخراتي المالية. كنت متأكدة من نجاح المشروع ولكن ذلك لم يحدث. وفي نوبة أخرى قررت أن استيقظ في الواحدة صباحاً وأذهب لممارسة الرياضة، لأعود بعدها وأغير ديكور شقتي بالكامل دون أن أشعر بأي تعب على الإطلاق.

في نوبات الهوس يداخلني شعور بأنني شديدة العبقرية وأني استحق جائزة نوبل عن جدارة، لأبدأ فجأة بالالتحاق بدورة تدريبية في كتابة الروايات الأدبية، ثم أتركها لأتعلم الموسيقى، ثم أذهب إلى الصائغ وأشتري لجارتي التي لا أعرفها خاتماً من الذهب. والحقيقة أن هناك نوبات أشد ولكنها لم تزرني سوى مرة واحدة. وفي تلك النوبات الأشد أكون في حالة انفصال تام عن الواقع؛ مرة اتصلت بالشرطة وأخبرتهم أن أحدهم يحاول قتلي، وكنت أجري في الشارع مثل المجنونة.

في النهاية، هي رحلة طويلة حين خضتها في البداية كان حولي الكثيرون الذين بدأوا يتساقطون واحداً تلو الآخر، بداية  بأقاربي الذين لم يستوعبوا مرضي وكنت بالنسبة لهم فتاة مدللة وحزينة طوال الوقت رغم كل ما لديها من نِعم ، مروراً ببعض أصدقائي الذين لم يفهموا تقلباتي المزاجية وسبب ابتعادي فجأة عن الجميع دون سابق إنذار، إذ  لم أكن أفهم حالتي جيداً  وقتها حتى أشرحها لمن حولي. أعترف أن الأمر صعب عليهم، ولكن خلال رحلتي أيضاً هناك من تفهموا مرضي. مشكلتي مع المحيطين بي كانت في طريقة تعاملهم التي إما كانت تتصف بالشفقة أو اعتباري مجنونة، بينما كل ما كنت أريده منهم هو احترام مساحتي الشخصية، وحين أقول لأحدهم أن يدعني لوحدي أن يفعل ذلك .

 مع الوقت تعلمت كيف أتعايش مع الاضطراب؛ تصالحت معه وقررنا أن نخوض سوياً جميع تأرجحاتنا. تعرفت أيضًا  على مجموعة أصدقاء رائعين يعايشون نفس الاضطراب، وأدركت أنني لست الوحيدة. قمنا بتكوين مجموعة لتلقي الدعم المعنوي وسماع تجارب بعضنا البعض، ومنحني ذلك الأمر الكثير من الأمل وأصبحت أكثر حرصاً على تناول أدويتي، واستقرت حالتي إلى حد كبير .في البداية، وفي حالات الاكتئاب الشديد، كنت أتناول الأدوية التي تحتوي على الليثيوم وهي التي كانت تعمل كمثبط للمزاج، وبعد مدة أوقفها طبيبي النفسي وأعطاني أدوية أخرى عدلت من حالتي المزاجية بعض الشيء. مازال الاكتئاب يداهمني من حين لآخر ويحاول التهامي، ومازلت ارتكب بعض الأخطاء مثل الاستسلام للحزن، وعدم تناول أدويتي بانتظام، والغضب من طبيبي النفسي، ولكني أعود مرة أخرى وأسيطر على الأمر.

ولأولئك الذين يمرون بتجارب شبيهة أقول لكم: لا تتجاهلوا الاضطراب ولا تستسلموا لسطوته، وراجعوا الأطباء  وستبقى الأمور على مايرام.  كنت أتحدث مع صديقي زيد- المتعايش مع اضطراب ثنائي القطب أيضاً- أثناء كتابة هذا المقال وسألته: «هل هناك كلام تود أن توجهه لأولئك الذين يشبهوننا؟» فقال لي أن أخبركم أننا مميزين ربما لأننا نعيش جميع مشاعرنا بشكل مضاعف.


أسماء موسى مترجمة وكاتبة عربية تجوب العالم وتدرس الأدب الإسباني، شغفها القراءة، وإعداد الطعام وتأليف القصص.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.