أدبيات

قصة قصيرة: القيظ

«لم يحرك منظر جسد جدتي الهزيل وهو ملفوف بالكفن الأبيض أي شعور في داخلي»

بقلم شريفة الهنائي

الرسمة: شمائل العدوي.

أحداث هذه القصة مستوحاة من وحي خيال المؤلفة.

لطالما كنت الهشة بين أفراد قبيلتي. لم أرث الصلابة، والتماسك، والقوة التي عُرفوا بها عبر الأجيال، والتي حصلوا بفضلها على احترام خاص، وهيبة لا تضاهى بين العشائر والقبائل. لذا عندما جاء خبر وفاة جدتي المفاجئ، ولم انهار كما كان يتوقع الجميع مني، تعجب إخوتي ووالديّ؛ أنا التي كنت اتحطم عند فناء أي من حيواناتي الأليفة في صغري، وكنت أخبئ جثثهم عن الجميع في خزانة غرفتي حتى لا يغيبهم عني الثرى، حتى منعني والدي من اقتناء المزيد من الحيوانات الأليفة خوفًا على صحتي. تعجبوا من تطوعي  للمشاركة في غسلها في فجر ذلك اليوم المظلم، وتماسكي عند استقبال حشود المعزيات في بيتها ذلك الصباح ، واللاتي غسلت سيول دموعهن كتفي. تراوحت مشاعرهم ما بين الفخر -لما كان يبدو لهم- بنضوجي وقوة إيماني، والقلق لأنني لم أذرف حتى دمعة واحدة على رحيل من ساهمت في تربيتي، وكانت لي الخليلة والمنقذة، وكانت في مقدمة أولئك القلقين أمي.

لذا قبيل الغداء، طلبت مني أن أرجع إلى منزلنا الفارغ من النساء في كل زاوية ومنعطف وغرفة، وأن آخذ قسط من الراحة، لعلي أرجع لسجيتي. لم تعلم والدتي حينها أنني كنت أدفن نفسي بمشاعرها الجياشة من سنين لأرتقي لتوقعات عائلتي مني، حتى أصبحت لا أحس بشيء.. لا شيء البتة. ورغم محاولاتي الفاشلة لافتعال ذلك، لم يحرك منظر جسد جدتي الهزيل وهو ملفوف بالكفن الأبيض أي شعور في داخلي، ولم أشعر بمرارة الوداع الحسمي الذي لطالما سمعت عنه عندما قبلت جبينها، وألقيت عليها نظرة أخيرة من بعيد ورجال قبيلتي يوارونها الثرى، وكأن ستار شفاف غير مرئي كان يفصل بيني وبين محيطي..لا أستطيع أن ألمس الواقع ولا يستطيع هو كذلك أن يلمسني..

عندما خرجت من مجلس العزاء للعودة إلى المنزل، كانت شمس الظهيرة الحارقة تتوسط السماء، وسرعان ما توغلت في عباءتي السوداء حتى أحسست بلهيبها يغزو كل أنحاء جسمي. «لا مكان للبشر في صيف الخليج!» تمتمت تحت أنفاسي. أسرعت في الدخول إلى السيارة، وتشغيل المكيف. غمرتني رائحة الجلد الخانقة، ولسعني المقود الذي لم أقوى على إمساكه من شدة حرارته.

اليوم الذي كدت أن ألاقي فيه خالقي كان يومًا يشبه هذا اليوم. كنت في الخامسة من العمر، وكانت مجموعة منا- ۸ من نساء وصغار العائلة- عائدة من الغداء في مطعم جدتي المفضل. وبالرغم من الموسيقى، والأحاديث، وضحكات الأطفال التي ملئت السيارة المكتظة، غرقت في سبات في المقعد الخلفي من السيارة، بين أكوام من الأغراض العشوائية التي كانت قد تجمعت عبر الأشهر الماضية ولم يبالِ بها أحد.وعندما استيقظت تفاجأت بأن الجميع قد رحل إلى داخل المنزل، وأنهم نسوني في السيارة! حاولت أن أفتح باب المركبة ولكنني لم أستطع أن أسحب المقبض الحديدي وأدفع الباب الثقيل نظرًا لصغر سني. حاولت أن أطرق على النافذة ولكن لم يسمع طرقاتي الخافتة أحد. كانت سكك وشوارع الحي فارغة من الجيران والمارة، كان الكل قد هرب من الحر ليستمتع بقيلولته المقدسة تحت ضخات المكيف البارد، بما فيهم أفراد عائلتي. لا أعلم إلى متى بقيت على هذا الحال، ولكنني أتذكر بوضوح شعور التصاق ملابسي على جسدي من كثرة التعرّق، وجفاف عيني وذهاب صوتي في نهاية المطاف من كثرة البكاء والصياح، وشدة عطشي، وفي اللحظات الأخيرة صعوبة في التنفس.. وفي الوقت ذاته، في داخل المنزل، كانت جدتي الوحيدة التي لم يهنأ لها نومًا وهي تبحث عني في جميع أرجاء المنزل، غير مقتنعة أنني فضلت النوم عند أبي في غرفته على النوم عندها كالمعتاد كما خمن الآخرون. وعندما لم تجدني داخل المنزل هرعت للسيارة، لتجدني شبه جثة هامدة ملقاة على الكرسي الخلفي.  تذكرتها وهي تكرر بهستيريا  بينما كانت تسكب الماء على جسدي الهامد وتضمني لصدرها الدافئ وأنا كنت أصارع للبقاء على الحياة: «آسفة حبيبتي خليناك في الحر !ما عليك شر! ما عليك شر!».

حركت تلك الذكرى شيئًا بداخلي بينما هب هواء مكيف السيارة الثالج على وجنتي .. غمرتني أمواج من المشاعر التي لم تزرني منذ سنوات. لا أعلم كيف قدت سيارتي إلى هناك بدلاً من التوجه إلى المنزل كما طلبت مني والدتي، ولكنني وجدت نفسي في المقبرة الذي شرّد القيظ منها الزوار والقبّارين والحرّاس، أجري نحو قبر جدتي، أحدث قبر في مربّع خُصّص للمتوفين حديثًا. ووجدت نفسي انبش القبر بيديّ المجردتين حتى لمحت وجهها النائم وبقية جسدها الطاهر.. ثم رفعتها من القبر وضممتها لصدري وقلت وأنا أبكي لأول مرة اليوم: « آسفة حبيبتي خليناك في الحر !ما عليك شر! ما عليك شر!» . ثم استجمعت كل قوتي، وحملتها للسيارة المبردة بعيدًا عن هذا القيظ. 


شريفة الهنائي هي الشريكة المؤسسة لسكة والمحررة الإدارية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.