آراء

ماذا يعني أن تكون ابن العراق؟

«كبرتُ وفي أذني صخب إطلاق الرصاص، انفجارات، وقصف طائرات حربيّة»

بقلم أوفى الراوي

المئذنة الملوية، العراق.

عـُلِّمتُ في صغري أن الانتماء هو أحد أهم معاني الحياة، فبحثت عن الانتماء في كل شيء. رأيتُ في الدمية التي ظننتها تشبهني انتماء، وفي العائلة التي تُمطرني حباً انتماء، وفي شجرة النارنج في زاوية منزلي انتماء. كان حبي للمدرسةِ انتماء، وتفوقي الدراسيّ انتماء. لم أكن أعرف حينها الانتماء كمفردة، لكنه كان الشعورُ الموجودُ المفقود.

كان لي في كل شيءٍ أعرفهُ انتماء.. إلا في الوطن.

«لا أذكر أنني نمتُ يوماً بسلام منذ أن أسقطت القوات الأمريكية بغداد»

كبرتُ وفي أذني صخب إطلاق الرصاص، انفجاراتٍ، وقصف طائرات حربيّة.. ولا أخفي أنني ليومي هذا أخاف من صوت الطائرة لأنه يعيدُ إليّ من الذكرياتِ أسوأها. كبرتُ وأنا أرى مشاهد الموت في كلّ شارع وكل زقاق. لا يغادرني منظر الجثث المهملة في الشوارع. كان أشدها قسوةً جثة امرأة بجانبها جثة طفلها الصغير على رصيف إحدى الشوارع العامة. كل شيء في ذلك المشهد كان يشبه الكابوس، لكنه لم يكن كابوساً، بل كان واقعاً مُراً يعيشه كل بيت عراقيّ. أذكر أن والدي حاول أن يسرع في قيادة السيارة، وحاولت أمي أن تشتت انتباهنا عن قساوة ذلك المنظر، لكنه ما زال إلى اليوم محفوراً في ذاكرتي.

لاحقتني في وطني كوابيس الموت كل ليلة حتى أصبح النوم شيئاً مخيفاً. لا أذكر أنني نمتُ يوماً بسلام منذ أن أسقطت القوات الأمريكية بغداد. كان الوضع الأمني يمنعني من زيارة منزل جدتي الذي يقع في نفس شارِعنا، ويمنعني من شراء الحلوى، واللعب مع أولاد الجيران في الأزقة. كان الوضع الأمني يمنعني من الطفولة، والحلم، والحياة. كُنت في وطني طفلة تُعامَل كالعجوز إذ لم يكن لدي من حقوق الطفولة أدناها. كان كل شيء أملكه معرضٌ للسلب: منزلي، والدي، سعادة أمي، أخي الأكبر، مدرستي، مستقبلي، وبقاؤنا على قيد الحياة. كنّا كالغرباء فوق أرضنا، لذا بات شعوري بالانتماء للوطن شبه مستحيل.

ثم زادت الحربُ الأهليةُ الاحتلال الأمريكي سواداً. فاضطررنا غير راغبين بذلك إلى اللجوء لموطنٍ آخر. لجئنا إلى سوريا خائفين من حاضرنا وجاهلين قدرنا.

لجئنا دون رجعة، بلا وطن، وبلا انتماء.

عندما تركتُ أرض العراق، كرهتُ البوحَ أنه وطني. كان يُخجلني ذلك الوطنُ بين رفاقي. كيف أُسميه وطناً وليسَ فيه أيّ مقومات الوطن؟!

«كل شيء أملكه معرضٌ للسلب: منزلي، والدي، سعادة أمي، أخي الأكبر، مدرستي، مستقبلي، وبقاؤئنا على قيد الحياة. كنّا كالغرباء فوق أرضنا»

كنت أقارن الوطن الذي يملكه كل الأطفال غيري بموطني. كان وطنهم أجمل من وطني.

هم.. لديهم منزل ولِدوا وكبروا فيه.. أما أنا فالسلام على منزلي.

هم.. بإمكانهم زيارة أهلهم وأقربائهم متى شاؤوا.. أما أنا فلم يكن الاطمئنان عليهم عبر الهاتف حتى خياراً متاحاً.

هم.. لديهم ألعاب كثيرة.. أما أنا فليس لدي سوى دمية تصحبني من منزلٍ لآخر.. مشتتة مثلي، ووحيدة مثلي.

هم.. لديهم نشيد وطني يرددونه كل صباح.. أما أنا فلم أكن أحفظ نشيد وطني الذي طُردت منه قبل أن أحفظه.

هم.. لديهم علم يرفرف في سمائهم.. أما أنا فعَلَمي ملطخٌ بالدماء وممزقٌ بالطائفية.

آمنتُ بعدها بأن الوطنَ مجرّد كذبة. لِمَ عليّ أن أفتخر بأرض شاء الله أن تكونَ مسقط رأس جدّي السابع عشر؟ وظننتُ أنه ربما من الأَولى أن أنتمي لوطنٍ احتضن طفولتي -سوريا-  الذي شاء الله أن يجعلها مَلجَئي ومَهجري. كانت جميلة كالوطن، لكنّها لم تكن وطناً. حتى وطنيَ الثالث -كندا- ليس إلا مشيئة ربّ الأقدار، وانتمائي إليها لم يقِني شعور التشتت الذي أرهقني.

ورغم أنني مواطنة كندية أتمتع بكل الحقوق التي يتمتع بها كل مواطني كندا إلا أنني أشعر بالغربة. أشعر وكأنّ خانة الوطن في القلبِ فارغة، مجهولة، أو ربما مشوّشة.

رحلة البحث عن وطن أصبحت عملاً شاقاً على قلبي قبل عقلي.

«حفظتُ النشيد الوطني وحدي.. وردّدته وحدي..  مطلعه «موطني.. موطني» وآخره دموعاً تكره الحروب»

لكنّ شيئاً ما في داخلي يحبُّ وطنَ الرصاص والموت.. شيءٌ ما في داخلي ليس بجعبته التغاضي عن تاريخ أجداده وحضارة أمته. أحبّهُ، بذكرياتهِ الجميلة منها والمؤلمة. أحبّه بكلِّ سيئة فيه. حتى الذعر الذي كان يهشّمني سراً، أحبّه. ولا أبالغ إن قلتُ أن ما مررتُ به في وطني زادني حباً له.

قد لا أسكنُ في وطني، وقد لا أملك منه سوى فُتات الذكريات، لكنّه حتماً يسكنُ فيَّ، ويملك من قلبي النصيب الأكبر.

حفظتُ النشيد الوطني وحدي.. وردّدته وحدي..  مطلعه «موطني.. موطني» وآخره دموعاً تكره الحروب.

أنا ابنة سماء العراق، أنا ابنة أرضه التي ما شبعتُ حنانها. أنا ابنة نخيله، وتمره، وماء دجلته وفراته. أنا ابنةُ شجرةِ النارنج في زاوية ذلك المنزل المهجور.

انتهكَ وطني سلامَ طفولتي في صِغري، لكنني كبرتُ اليومَ لأخلِّدهُ بنثرِ كلماتي.. كبرتُ لأحلم بجعله وطناً صالحاً لأولادي.

كبرتُ يا وطني.. كبرتُ وما زلتُ أفتقدك.


أوفى الراوي شابة كندية من أصل عراقي، تدرس العلوم السياسية، وعلم الجريمة، والقانون في جامعة تورنتو. تجد أوفى في الكتابة ملجأً من صخب الحياة وتسارع الأحداث. بالنسبة لها، الكتابة هي شباكها لحياة تشبه أحلامها. تظنّ أوفى أن رحلة الكتابة لا تبدأ حين يمسك المرء قلمه مشكلاً أول عباراته، بل تبدأ حين تكتظ التجارب والمصاعب، فتأتي الكتابة لترتّب المبعثر وتجمع المُهمّش. 

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.