أدبيات

قصة قصيرة: من الحُب ما قتل خلفان

«أيعقل أن يكون هو «سيد الجن» كما لُقّب؟ هل سُخّرت له الجن والريح وأخذته لعالم يجمعه بشمسة لا تفرّقهم فيه أعمار، أو سعيد، أو جدران طينية، أو أعراف قبلية؟»

بقلم منار الهنائي

الرسمة: شمائل العدوي.

عندما تتنازل الشمس عن عرشها للقمر، يخرج خلفان متحزّمًا خنجره من منزله الطيني، الذي ورثه عن والدته، في حافة الحارة عند حظيرة أغنام أبو سعيد. يدفع الباب الخشبي الثقيل لمدخل الحارة ويحكم إغلاقه، قبل أن يسير حافي القدمين في تلك الممرات المتعرّجة التي تفصل بين البيوت الطينية، والتي تحدّى نفسه أن يسير بينها مغمضًا عينيه، دون أن يرتطم بجدرانها في إحدى الحيل التي ابتكرها لقتل ساعات الليل الطويلة، في أولى أيام عمله.

أُطلق عليه منذ صغره ب «سيد الجن». آمن أهل الحارة بأن الجن ستخضع لخلفان، ولن يصيبهم مكروه، وكيف لا تخضع له وهو أقبح منها؟! التشوهات التي تملأ وجهه إثر حادث حريق، وهو طفل صغير، جعلت أهل القرية يتخذون قرارًا بأن حراسة الحارة، في الليل هو العمل الأنسب له. كانوا يؤمنون بأنه لو اجتمعت القباحة، والتشوهات في شخص كما اجتمعت فيه٬ فلن يستطيع الشر، وسوء الطالع أن يلحق بهم. في كل ليلة ينطلق خلفان ليحرس الحارة ليس من اللصوص فحسب، بل ليكون حرزًا متمثلًا في شخص لا يريد أن يراه أهل حارته في وضح النهار ليذكّرهم بحادثة، أودت بثلث أهلهم لم ينجو منها غيره، شخص خُلق للّيل فقط.

لم تكن لخلفان صاحبة أو زوجة. لم يعرفه أحد حقًا، ولكنه كان يعرف الجميع. وكيف لا يعرفهم، وهو مُخاوي اللّيل٬ المُلم بأسرار حارته من خلال أحاديث أهلها التي كانت تتخلّل الجدران، وتحملها نسمات الليل لمسمعه. فمثلًا كان يعرف أن سعيد يعشق ابنة خاله شمسه قبل أن يتقدم لخطبتها بعدة أعوام وأنه ينوي أن يهاجر معها غربًا وأن يباشر بالعمل في تجارة الأغنام هناك.

ولكن لم تكن تلك الأحاديث، والأخبار التي تطرب أذنيه، ولا تلك التي تجعله يراقب الشمس من خلف شق نافذته، وهي تصعد للسماء بخطوات متثاقلة كأن بينها وبينه ثأرًا قديمًا قبل أن تنهزم للقمر ويبدأ هو نوبته في الحراسة. هناك صوت في بيت السدرة المحاذي للمسجد، ذلك الصوت الذي يتسلّل إلى مسمعه من الغرفة العلوية لشمسة ابنة الوالي، شمسة الشخص الوحيد التي لم تكترث لجلد وجهه المتجعّد والتي كانت ترتقبه كل يوم بعد صلاة العصر لكي يعدّوا أشجار النخيل ويتسابقوا مع مياه الفلج التي كانت تجاريهم بسرعتها كسرعة سنوات طفولتهم قبل أن يهزمهم سن البلوغ ويحطّم قلب خلفان معه. شمسة التي آثرته على ابن عمتها سعيد وأهدته أعوام طفولتها.

غذّى صوت شمسة روحه كل ليلة، يستند بجسده النحيل جدار المسجد الطيني البارد أسفل غرفتها ويسمعها وهي تشدو بأشعارها التي كتبتها في أمها، كمعشوقة فرّق القدر بينها وبين معشوقها، أمها التي طلّقها والدها حين خاض حربًا مع قبيلتها. الليل ساكن في عادته إلّا من صوت شمسة وعواء ذئاب في الجبال المترامية في المدى. يخيم الصمت قبيل الفجر كل يوم حين تجف حنجرة شمسة وتفيض عينيها بالدموع وتعلن استسلامها لجنود النوم. يعيد له صوتها قلبه الذي اقتلعه سن البلوغ. في كل ليلة يغمض عينيه أسفل غرفتها ويخلق من ترانيمها مستقبلًا يجمعهما كما جمعتهم النخيل، والأفلاج في طفولتهم.

الرسمة: شمائل العدوي.

في تلك الليلة، وصوت شمسة يهيم به إلى مستقبل لم تشوّهه حرائق الظروف سمعها تناديه باسمه. وقع اسمه على لسانها فاق أشعارها جمالًا.

-خلفان؟

أيعقل أن يكون هو «سيد الجن» كما لُقّب؟ هل سُخّرت له الجن والريح وأخذته لعالم يجمعه بشمسة لا تفرّقهم فيه أعمار، أو سعيد، أو جدران طينية، أو أعراف قبلية؟

-خلفان؟ هل أنت نائم؟

لا لا يمكن أن يكون هذا من عمل الجن. الجن لا تقوى أن تأتي بنفحات أنفاسها تداعب أذنيه.

فتح جفنيه المثقلين، وارتعد حين لقاها. حاول أن يُحييّها، أن يسألها إذا اشتاقت له كما اشتاق إليها، ولكن عقله أُفرغ من كل الكلمات، فاستسلم وهز رأسه بالنفي.

قبيل فجر تلك الليلة بدت السماء أقرب إلى الأرض، والقمر أقرب من الجبال التي تغلّف الحارة، واخضرار عينيّ شمسة يتحدّى بريق القمر في ليلته الرابعة عشر.

-افتح لي باب الحارة خلفان!

تسارعت دقات قلبه. لا يسمح لأحد أن يفتح باب الحارة إلا إذا طلب الوالي ذلك بنفسه٬ ولكن شمسة كانت تترجّاه. توسّلت إليه أن يسرع قبل أن يصحى الناس لصلاة الفجر.

-خلفان أرجوك أمي في حاجة إليّ ولا يمكن أن تفرّقنا هذه الحرب، ولا أريد أن أرتحل إلى بلاد بعيدة مع سعيد، وأُحرم من رؤية أمي إلى الأبد. افتح لي الباب بسرعة!

لم يقبل، ولم يرفض. لم تكن له أي ردة فعل، ولكنه شعر بها تنتزع المفتاح الحديدي الذي كان معقودًا في محزمه قبل أن تمتزج عباءتها الحريرية السوداء بظلام الليل كسرابٍ لن يروي قلب العطشان أبدًا. صدمه حضورها، كما صدمه انتزاع سنوات البلوغ الاقتراب منها قبل سنوات مضت. بصق ثلاث مرات عن شماله٬ واستند على جدار المسجد وأغمض عينيه.

أيقظته أصوات أهل الحارة، وهم متجمهرين حوله. اختلطت أصواتهم بين موبّخ ومتأسف على سنوات قضاها خلفان معهم، وها هو اليوم يخونهم ويساعد الأعداء بالدخول إلى حارتهم ليلًا واختطاف ابنة الوالي من منزلها.

-خلفان اعترف كم شخص دخل البارحة، ومن الذي أمرك بخيانتنا؟

استقام خلفان وجسده النحيل يرتعد من هول الموقف.

-لا مفر! نحن في حالة حرب، وأنت خائن! اعترف!

تراجع خلفان والتصق جسده بجدار المسجد٬ وهو يتذكّر أنه بصق ثلاث مرات عن شماله، ولكنه لم يكن حلمًا. ينظر للأعلى إلى نافذة شمسة المغلقة. ينظر إلى أمامه، والحشد يقترب ويحجب نافذة شمسة عنه٬ وخنجره الذي كان متحزّما به أصبح في يد سعيد مصوّبًا نحوه. فجأة تزاحمت الكلمات في حنجرته وانطلقت تدافع عنه.

-الجن! خانني الجن وخطفوها!


منار الهنائي هي الشريكة المؤسسة لسكة ورئيسة التحرير.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.