ثقافة وفن

ما هي أبرز التحديات التي تواجه الفنانين المستقلين في عُمان؟

٥ فنانات عُمانيات يجبن.

بقلم شيماء العلوي

كما هو الحال في دول أخرى، اتجه العديد من الفنانين في سلطنة عُمان في السنوات الأخيرة للعمل المستقل بدلاً من العمل في المؤسسات أو الشركات، وهذا يوفر للفنان المستقل الفرصة أن يكون رئيس نفسه، وفرصة العمل مع  العديد من العملاء و على العديد من المشاريع المختلفة. وفي الحقيقة أن تصبح فنانًا مستقلاً ليس بالأمر السهل، لأنه يتطلب الكثير من العمل الجاد، و سنوات من المثابرة قبل أن تصبح معروفًا. 

أذكر أنني قررت أن أصبح فنانة مستقلة حين كنت طالبة، وكانت فكرة  أن أعمل ما أحب تستهويني كثيرًا،  لكنني لم أتخيل أبدًا أن  دخولي في هذا المجال سيكون مليء بهذا الكم من التحديات والكثير من العقبات، والتي دفعتني بعدها أن أترك الفن والعمل المستقل لمدة، ولكن حبي للفن قد أعادني للعمل المستقل  مجددًا في الآونة الأخيرة، وهذا ما دفعني لكتابة هذا المقال، لاستكشاف ومشاركة بعض من التحديات التي يواجهها أقراني الفنانون المستقلون، ولمساعدة الفنانون الجدد الذين ينوون دخول هذا المجال في الدولة (وربما حتى خارجها).

 ما هي أهم التحديات التي تواجه الفنانين في عُمان اليوم؟ طرحت هذا السؤال على ٥ من الفنانات العُمانيات اللاتي يعملن في هذا المجال، وأحببن أن يشاركن بعضًا من تجاربهن في العمل في هذا المجال و قصصهن  مع سكة. وهكذا جاءت إجاباتهن:  

شهد الحمدي: لا أفهم لِمَ يتوقع البعض من الفنان العمل دون مقابل!

شهد الحمدي (٢٣ عامًا)، طالبة في كلية التصميم بدأت في مجال العمل المستقل وبيع أعمالها الفنية  في نهاية عام ٢٠١٥، وأيضًا عملت مؤقتًا في مجال التسويق والتصميم لصالح بعض الشركات وهي لا تزال طالبة، لكنها  لم  تستمر في ذلك طويلاً. تقول شهد :«بدأت بالعمل المؤقت مع عدة شركات، من تصميم شعارات وعلامات تجارية إلى الرسم ، وفي بعض الأحيان كنت أقوم برسم بعض اللوحات الفنية وبيعها. كوني طالبة من الصعب علي أن أجد عمل مناسب لي كفنانة مستقلة ؛ البعض يتحمس للعمل معي، و لكن عندما يتم سؤالي عن أسعار لوحاتي أو أعمالي،  وأخبرهم بالسعر يختفون فجأة  بالرغم من أن أسعاري مقارنة ببقية الفنانين  مقبولة جدًا،  فلا أعلم لماذا يتم رفضي أو الهروب عند سماع سعر العمل الفني.  وأحيانًا يطلب البعض مني العمل بدون مقابل! ما أزال أجد صعوبة  في فهم السوق وتسعير الأعمال».

وتستطرد شهد :« ذات مرة تواصلت معي شركة من خارج السلطنة، و طلبوا مني عمل رسومات لمشروعهم. كنت سعيدة بالعمل معهم  وكنت أعمل بجد، وبعد أن انتهيت من الرسومات المطلوبة ، فجأة تم تجاهلي تمامًا. حاولت التواصل معهم عدة مرات لكن بدون جدوى». 

تعتقد شهد أن سبب عدم اهتمام البعض بالفن هو إهمال حصص الفنية في المدارس : «من وجهة نظري، كل شيء يبدأ من المدرسة ؛ لاحظت أن السبب الرئيسي وراء عدم اهتمام بعض الناس بالفن هو أنهم كانوا يتجاهلون حصص الفنون في طفولتهم. بعض  المدارس لا تهتم بحصص الفنون،  ويتم اعتبار هذه الحصص  كمواد دراسية غير مهمة للبعض .. تُعتبر كمتعة أو هواية، لا غير . لذلك، من الطبيعي أن هذا الطالب عندما يكبر سيرى أن الفن مجرد هواية و شيء  ليس له قيمة [مادية].. فيجب أن نعزز أهمية الفن عند الطلاب الصغار». 

عندما أسألها عن سبب استمرارها في المجال رغم كل هذه التحديات تقول لي: «ما يجعلني أستمر في هذا المجال هو أنني أقوم بعمل ما أحب، واستطعت من خلاله أن أؤثر على بعض من الناس حولي من خلال لوحاتي، فالبعض يقدّر الفن ويقدّر جهد الفنان. أعلم أن الفن عمل متعب لكنني أحبه؛ أشعر أنه مثل صعود الجبل، ستواجه العديد من الصعوبات، لكن عند وصولك للقمة سيكون المنظر رائع من الأعلى». 

نوف الزدجالي وعائشة العيسائي : الفنان المستقل ما زال يعاني من جانب حفظ الحقوق

تقول نوف الزدجالي (٣٢ عامًا)، وهي خريجة تصميم جرافيك ولديها خبرة في مجال الفنون والتصميم لأكثر من ٥ سنوات، وعملت مع عدة شركات بالإضافة للعمل الحر لسنتين، وهي مؤسسة لمشروع سويكا كافيه للفنون أيضًا : «الفنان المستقل في سلطنة عُمان كان وما زال يعاني من بعض العقبات، سواء من ناحية الدعم والتقدير، أو حتى من جانب حفظ الحقوق. لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم بمثابة معارض فنية رقمية للفنانين بشتى أنواعها (رسم ، تصوير، تصميم..إلخ)، والفنان اليوم يستخدم هذه الصفحات للتسويق لأعماله ولمشاركة أعماله مع المتابعين، ولتبادل الآراء والخبرات مع غيره من الفنانين حول العالم، وهذه [الوسائل] تساهم كثيراً في صقل مهاراته وتطويرها من خلال التغذية البصرية المستمرة، وقد تساعده أيضًا على الحصول على فرص عمل أو المشاركة في محافل دولية.. بالرغم من كل هذه الإيجابيات، إلا أن هذه المنصات ساهمت برفع مستوى التنافس بينهم بشكل كبير وغير صحي، وأصبح لدينا تشبع عددي ونوعي من الفنانين. ما لا يعلمه الكثيرون أن عددًا لا بأس به من ناشري المحتوى الفني هم في الحقيقة مبتدئون هدفهم الشهرة وكسب المال، ويكون ذلك على حساب الفنان الأصلي الذي اعتادوا على نسخ أعماله وعرضها في السوق دون إذن منه». 

وبهذا الصدد تحدثت مع عائشة العيسائي  (٢٧ عامًا ) التي درست التصميم و المالتيميديا، وعملت كفنانة مستقلة لمدة ٧  سنوات في مجال الأنميشن وخصوصًا رسم ثنائي الأبعاد  2D،  وبعدها قررت أن تؤسس شركة  «Ignition Art Production and Development» مع زوجها. تقول عائشة، التي تعرضت للكثير من السرقات الفنية- وهذا من أكثر المواضيع السلبية التي واجهتها كفنانة- :«الكثير من الناس تأخذ أعمالي وتتاجر بها بدون إذن مني، والبعض يحذف توقيعي وحقوقي من رسوماتي ويقوم بطباعتها في تجارته بكميات كبيرة ( كتوزيعات للمناسبات أو منتجات أخرى ). حاولت الحديث معهم لكن بدون جدوى، والبعض يقول لي:  «إنها مجرد رسومات .. هل ستقاضيننا من أجل رسومات؟». و للأسف تكلمت كثيرًا في هذا الموضوع لكن فئة من الناس لا تريد أن تفهم، ولا تقدّر جهد غيرها تسرق الأعمال بدون تأنيب الضمير وتترزق منها، أتمنى لو يوجد طريقة للحفاظ على حقوق الفنان [أكثر] لأن السرقات أصبحت بكثرة، وأتمنى أن يكون هنالك وعي في هذا المجال، وأيضًا يجب على الفنان أن يثقف نفسه يحمي فنه من هكذا سرقات».

علياء الشعيلي: نحتاج لتمكين الفنانين المحليين أكثر

قررت الفنانة الرقمية ومحركة الرسوم الكرتونية علياء الشعيلي (٣١ عامًا) أن تقوم بنقلة حازمة في حياتها وتستقيل من وظيفتها، واتجهت للعمل الحر  في عام ٢٠١٩ وهذا ساعدها في التعرف على أناس جدد، وعلى استكشافها لمهارات جديدة. وبالرغم من هذه المميزات إلا أنها  تضيف :«أنا دائمًا أؤمن أنه مثلما توجد إيجابيات في العمل الحر توجد هنالك سلبيات أيضًا، لكنني أسمّيها تحديات ومطبّات في منتصف رحلة الفنان أو المبدع.. في الحقيقة التحدي الذي أواجهه هو عدم تقبل البعض للفن الرقمي، وأحيانًا السبب وراء ذلك هو تقليل العميل من قيمة العمل الرقمي والجهد الذي يتطلبه. إنني أعمل في مجال الأنيميشن و الرسم، فالأعمال تأخذ مني جهد ووقت طويل ».

وتكمل علياء كلامها وتتحدث عن تجربتها مع العملاء الذي قابلتهم خلال عملها :«في الحقيقة كانت تجاربي مع بعض العملاء والزبائن ليست جيدة .. عندما يتواصل العملاء أو الزبائن معي في البداية يتم الأعجاب بأعمالي، ولكن عندما نصل لموضوع  السعر يتم المجادلة ويحاولون تخفيض السعر ( المكاسرة) . الكثير منهم لا يعلمون أن عملي يتطلب أن أشتري بعض البرامج والأدوات المكلفة للعمل عليها وأنني آخذ الكثير من الدورات للتعلم .في إحدى المرات،  تواصل معي أحد الأشخاص من إحدى الشركات  وكانوا يبحثون عن مبدعين ذوي رؤية فنية . أرسلت أعمالي لهم وأعجبوا بها، وعندما انتقلنا للأمور المالية تم تعقيد الأمور كالعادة، ووصلني إيميل وكان مرفق معه العقد، وكان المبلغ صادم بالنسبةل ي لأنه كان مختلفًا تمامًا عما اتفقنا عليه سابقًا! و المؤسف أن بعض الشركات لا تقدّر الفن وتفضل العمل مع غير العُمانيين ودفع مبالغ كبيرة لهم، ويتم تجاهل الفنان أو المصمم العُماني للأسف. العديد من الفنانين  يواجهون مشاكل مشابهة ويتم رفض العمل معهم بسبب عدم رغبة هذه الشركات بالدفع مقابل العمل، وأظن هذا ما يسمى «بتكسير مجاديف» الفنان العماني من قِبل هذه الشركات وعدم تمكينهم ».

تنهي علياء كلامها قائلة : «السؤال هو هل يستطيع الفنان العماني كسب قوته بالفن ؟!  للأسف ليس بشكل يومي ، أحيانًا تمر على الفنان فترات لا يستطيع الحصول فيها على زبائن. أعتقد أن الفنان المشهور إعلاميًا هو الذي يستطيع كسب رزقه من الفن. نحن الفنانون نحاول ونجتهد للعمل  ونعلم أن الأمر ليس سهلاً، ولكننا نعمل في هذا المجال لأننا نحبه وأيضًا يعتبر كمتنفس لنا من الضغوطات».

أميرة المسلمي: البعد عن العمل الجماعي خطأ كبير

أميرة  المسلمي (٢٧ عامًا) تعمل كممرضة، وهي أيضًا  فنانة مستقلة متخصصة  في الرسم الرقمي  والجداريات وأيضًا في فن «الدودل» (Doodle Art) .أميرة ترى أن كل فنان يعمل في مجال العمل المستقل في البداية سيواجه  الكثير من الصعوبات، لكن  بعدها يصل لمرحلة معينة- حين يكون متمكن- سيحصل على طلبات رسم  من زبائن أو أحيانًا من الشركات. تقول أميرة:«الكثير من الناس يوقفون في نصف الطريق عندما يدخلون في مجال العمل المستقل، والبعض من الفنانين لا يكملون المشوار لأن العمل المستقل كفنان يأخذ وقت طويلة [ لقطف ثماره]. البعض يتركه بسبب التزامات أخرى، والبعض لا يحصل منه على مبلغ أو مكسب ».

وتضيف: « للأسف لاحظت أن معظم الفنانين يفضلون الانعزال والعمل وحدهم وهذا أكبر خطأ..لأن هذا يأخذ وقت أطول في العمل، أما إذا وجد الفريق سيكون الوقت أقصر، خصوصًا للمشاريع التي تأخذ وقت طويلا للعمل عليها. بالإضافة إلى ذلك فإن  الدخل غير ثابت، والفنان لا يعرف هل سيحصل على عمل هذه الفترة أم لا».

ختامًا، العمل في مجال الفن المستقل يتطلب من المرء الكثير من العمل الجاد والمثابرة، ويجب على كل شخص يريد الدخول والعمل في هذا المجال أن يكون صبورًا وواعيًا، وأن يثقف نفسه من عدة نواحي. بالنسبة لي، لم أتخيل أبدًا أن قراري المؤخر للعودة  لمجال الفن والعمل المستقل سوف يكون إيجابي، حيث أنني لم أتوقع أن أحصل على فرص للعمل على مشاريع كثيرة تعرفت من خلالها على العديد من المبدعين من داخل وخارج السلطنة. جاءت هذه الفرص بعد أن ركزت على تنمية المهارات التي تنقصني والتي تخص الأعمال التجارية المتعلقة بالفنون، ودراسة كل ما يتعلق بالأعمال المستقلة بشكل عام . أما بالنسبة للمستقبل، أعتقد أن العمل كفنان مستقل في السلطنة سيكون صعب في البداية- كما هي البدايات في أي مجال وأي مكان دائمًا- لكنني متفائلة بتطوره وانتشاره في الأعوام القريبة القادمة .


شيماء العلوي فنانة عُمانية متخصصة في الرسم الرقمي وتصميم الشخصيات، مهتمة بالتراث والثقافة والفنون البصرية ، تعمل في مجال العمل المستقل في مجال الفن الرقمي ، وهي متدربة سابقة لسكة . هذه أول مقالة تُنشر لها.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.