آراء

ما هي التخصصات الدراسية التي يجدها البعض غير مناسبة للفتيات؟

«الأولى أن يعلقوا لافتة على كلية هندسة البترول مكتوب عليها للرجال فقط».

بقلم أسماء موسى

الرسمة: شيماء العلوي.

في عام ١٩٦٤ أنتجت السينما المصرية فيلم «للرجال فقط» بطولة سعاد حسني ونادية لطفي، وتتمحور أحداث الفيلم حول مهندستان تتدربان في الشركة العامة للبترول في القاهرة، وبعد فترة من إثبات كفاءتهما  طلبتا السفر للعمل في الصحراء، ولكن المدير رفض  ليتنكرن بعدها في زي رجال ويسافرن بالفعل إلى الصحراء في محاولة منهن لتغيير الواقع، ورفض حصر المرأة في تخصصات معينة. واليوم، بعد مرور أكثر من نصف قرن على إنتاج الفيلم، لا زالت هناك تخصصات دراسية يراها بعض من أفراد المجتمع العربي غير مناسبة للبنات. وبهذا الصدد  تحدثت مع مجموعة من الفتيات العربيات حول تحديات التخصصات التي اخترنها للدراسة الجامعية.

كلية الهندسة: لا تقتربن من دراسة هندسة البترول والهندسة الميكانيكية والهندسة المدنية 

تخبرني منى الزيات،  طالبة بقسم  الهندسة الميكانيكية أن كلية الهندسة تنقسم إلى أربعة أقسام هم: الهندسة المدنية، والهندسة المعمارية، والهندسة الميكانيكية، والهندسة الكهربائية، ولا يحبذ عدد من أفراد المجتمع المصري أن تدرس البنات في قسم الهندسة الميكانيكية  لأن العمل يكون عادة في مصانع سيارات  أو ورش، وهي وظائف يراها الكثير في المجتمع غير مناسبة للبنات. كما لا يرى الكثير أيضاً قسم الهندسة المدنية لائق  للبنات لأن الشغل ميداني ووسط العمال.  وتضيف منى أنها تعاني كثيراً في الوقت الحالي من السخرية، خاصة من أفراد عائلتها الذين يصفونها دوماً ب«انعدام الأنوثة».

 تقول منى: « دائماً ما أسمع في المناسبات والتجمعات العائلية ولقاء الأصدقاء: لماذا قررتي دراسة الهندسة الميكانيكية، إنه تخصص خاصة بالذكور فقط؟ هل ستستلقين تحت السيارات أمام الرجال؟ هل ستقضين معظم الوقت في صحبتهم؟ إذًا تحملي، فمع مرور الوقت ستصبحين مثلهم، وستتخلين عن أنوثتك، ولن يتزوجك أحد، فلا يوجد رجل يحب أن يرتبط برجل مثله!». 

في السياق ذاته تؤكد دعاء إبراهيم، التي تدرس حالياً بقسم الحفر والإنتاج في كلية هندسة بترول، أنها غير مرحب بها أبداً للتدريب في شركات البترول بدعوى أنه عمل شاق ولا يناسب الفتيات، وهو تقريباً نفس ما حدث مع بطلات الفيلم؛ وكأننا لم نتحرك بالزمن قيد أنملة!

تقول دعاء إن لم يكن تدريب أو عمل الفتيات مقبولاً بعد التخرج  «فالأولى أن يعلقوا لافتة على كلية هندسة البترول مكتوب عليها للرجال فقط». 

أما حليمة نزار، وهي مهندسة سورية ، فقد حكت لي باستفاضة ما يدور في كليتها  بسوريا، وهي الكلية الخاصة بدراسة هندسة  الكهرباء والهندسة الميكانيكية ؛ إذ تؤكد حليمة أن الكثير في المجتمع السوري يرفض دراسة البنات  للهندسة الميكانيكية، ويراها مناسبة فقط للشباب. أما الأقسام التي تُعتبر المناسبة للبنات فهي فقط أقسام  العمارة والديكور. وتضيف حليمة أن شباب كلية الهندسة غالباً ما يضعون منشورات و«ميم» ساخرة على صور البنات الملتحقات بقسم الهندسة الميكانيكية ، إذ يصورنهم بشوارب كالرجال، فقط لأنهم يدروسن هذا التخصص. 

تقول حليمة: «طوال الوقت يعج صندوق رسائلي على مواقع التواصل الاجتماعي بميمات ساخرة يرسلها لي الأصدقاء على سبيل الدعابة. في البداية كان الأمر مضحكاً، ولكن بمرور الوقت أصبحت أشعر بالضيق الشديد». وتضيف:  «لماذا أتعرض للمضايقات فقط لأنني قررت دراسة تخصص لا يراه المحيطين مناسباً، ولماذا يقرر المجتمع ما هو مناسب لي؟».

كلية الطب: لا يُفترض للبنات أن يدرسن الجراحة 

رفض أبي أن تلتحق أختي الكبرى بكلية الطب لأنه يرى أن سبع سنوات من الدراسة هي فترة طويلة للغاية، كما أن الطبيبة عادة ما يجب أن تمكث في المستشفى لأوقات طويلة وتعود متأخرة، وهذا ما ترفضه أعراف العائلة. بكت أختي كثيراً بعد انهيار حلمها لتقرر بعدها دراسة الآداب الفرنسية بناء على رغبة أبي. ورغم أن هذه الحادثة قد مر عليها سنوات طويلة تغير فيها الكثير ، إلا أن هذا الفكر لم يتغير كثيراً، فقد ظلت بعض الأقسام من كلية الطب لا ترحب بالبنات تمامًا.

تخبرني أسماء سليمان، وهي طبيبة تخدير، أنها كانت تحلم بدخول قسم جراحة العظام، ولكنها تفاجأت بأن الأمر صعب وأن هناك عرف سائد في كلية الطب بأن البنات لا يدخلن جراحة عظام. تضيف أسماء: « طوال مدة عملي كطبيبة تخدير (وهي ثلاثة عشر عاماً) لم أرى سوى جرّاحة عظام واحدة فقط،  إذ يرفض بعض الأطباء أن تسجل الفتيات لدراسة الماجستير في جراحة العظام لأنهم يرون أنه قسم يحتاج إلى مجهود بدني شاق، ومعظم العمل في  الطوارئ».

وفي السياق نفسه تؤكد هند صابرا، وهي طبيبة سورية، أن الكثير من أفراد المجتمع لا يفضلون دراسة الفتيات للجراحة عموماً في سوريا لأن هذه الفتاة ستتزوج فيما بعد، وستثقل كاهلها مسؤوليات أخرى مثل الزواج والأبناء، ولهذا يعتقدون أن الجراحة ستكون مجهوداً شاقاً بالنسبة لها .وتضيف هند أنها لا تريد لأحد أن يقرر بالنيابة عنها ما هو الأفضل أو الأسوأ لها، فكل الأعمال بطريقة أو بأخرى تتطلب قدراً من المجهود.

« من وجهة نظر أستاذتنا في الجامعة، فالقسم الأفضل للطبيبات هو قسم النساء والتوليد، ثم قسم الأطفال، يليه قسم الجلدية وقسم الأسنان. أما الجراحة فهي قسم يحتاج إلى قوة شديدة لا تتوفر عند المرأة».

المحاماة أيضاً تخصص لا يفضله البعض للبنات

ذات مساء، قرر عمي أن يرفع قضية ضد جاره الذي اقتطع جزءًا من أرضه الزراعية دون وجه حق، وقتذاك سأل أبي عن محامي ليساعده في هذه القضية . رشحتُ له صديقتي، ولكنه رد ساخراً بأنه لن يسلّم رقبته لامرأة، وأضاف أن شغل المحاماة لا يناسب الفتيات. وضحك حينها معلقاً بأنه إذا سلَّم القضية لصديقتي فسيخسر أرضه كاملة لأنها ستقف أمام القاضي ولن تدافع عنه.

وجهة النظر السابقة تؤكدها كريمة علي (اسم مستعار) من السعودية؛ فمنذ طفولتها كانت كريمة كلما تخبر أحداً أنها تنوي العمل في مجال المحاماة يضحك عليها، ولكنها صممت ودرست الحقوق، لتتفاجئ أثناء الدراسة وخلال تدربيها بأحد المكاتب، أن مجال العمل يضيق ذرعاً بالفتيات؛ فخلال فترة التدريب كان مدير المكتب يوكّل إليها القضايا السهلة ، ويوكّل إلى زملائها الذكور القضايا الصعبة.

تقول كريمة: « أحببت شغل المحاماة منذ الصغر، ورغم تأكيد الجميع بأنه تخصص غير ملائم للفتيات إلا أني كنت أخبرهم بأنني سأدرسه، ثم سأعمل في مجال آخر. كنت أؤمن -ولا زلت- بالتدرج في مطالبي والصبر عليها.[كنت أقول:] هل أنتم ضد عملي بالمحاماة؟ إذًا لكم ذلك، ولكنني سأدرس الحقوق. وخلال الدراسة تمكنت من إقناعهم شيئاً فشيئاً».

التغيير المجتمعي يتطلب القوة ويتطلب الكثير من الصبر. حين تحدثت إلى هؤلاء الفتيات ظننت في البداية أنهن مقهورات ولكن تبين لي في ما بعدها كم هن قويات؛ السباحة ضد التيار ليست سهلة، وتتطلب الكثير من الشجاعة، وهو ما لمسته في هؤلاء. وعلى غرار ما فعلته سعاد حسني ونادية لطفي في الفيلم حين تحدين المجتمع ونجحن في الصحراء، سينجحن هؤلاء، وسننجح جميعاً في اقتحام جميع مجالات الحياة.


أسماء موسى مترجمة وكاتبة عربية تجوب العالم وتدرس الأدب الإسباني، شغفها القراءة، وإعداد الطعام وتأليف القصص.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.