آراء

ما الأسباب وراء عزوف بعض الشباب عن الحصول على رخص السياقة؟

الظاهر أن لجيلي الألفية والجيل زد أولويات وتوجهات مختلفة

بقلم عفاف بوعكادة

الرسمة: شيماء العلوي.

لقد تربينا على فكرة أن امتلاك سيارة خاصة هو واحد من أهم أهداف الشخص في الحياة. بحسب ما يؤمن به آباؤنا، تتحدد محطات نجاح الفرد في: التخرج، الحصول على وظيفة، شراء سيارة ومنزل، الزواج، إنجاب الأطفال. هذا هو المسار الذي سلكوه وسلكه قبلهم أجدادنا، والذي بطبيعة الحال يتوقعون منّا نحن أيضًا المرور منه، لكن الظاهر أن للبعض من جيلي الألفية والجيل زد أهداف وطموحات أخرى.

ما أود تسليط الضوء عليه من خلال هذا المقال هو رفض الشباب الحصول على رخصة للقيادة رغم وصولهم، بل وحتى تجاوزهم السن القانوني الذي يسمح لهم بخوض غمار سياقة السيارات. 

بحسب دراسة تم القيام بها في جامعة ميشيغان استنادًا على معطيات Federal Highway Administration الأمريكية، ٤٦٪ من الأمريكيين حصلوا على رخصة قيادة بعد احتفالهم بعيد ميلادهم ال١٦ (السن القانوني لقيادة السيارة بالولايات المتحدة الأمريكية) عام ١٩٨٣. في سنة ٢٠١٤، انخفض الرقم إلى ٣١ ٪. حتى أنه بين سنتي ٢٠٠٧ و٢٠١١ انخفضت المبيعات في سوق السيارات بنسبة ٣٠٪ في صفوف الشباب من جيل الألفية. 

تتنوع الدراسات وتختلف، لكن الأرقام تصب نفسها في استنتاج واحد: الكثير من الشباب ليسوا مولعين بامتلاك سيارة أو القيادة أو حتى الحصول على رخصة السياقة. وفي الوقت الذي نعاني فيه من شح من الأرقام الرسمية بخصوص هذا الموضوع في الوطن العربي، يبقى السؤال المطروح هو: لماذا هذا العزوف عن قيادة السيارات من طرف جيل الألفية والجيل زد ؟

دعوني أخبركم أنني لدي رخصة قيادة، لكنني أذكر أن عدد المرات التي جلست فيها خلف عجلة المقود لا تكاد تزيد عن عدد أصابع اليد. هناك سببان لذلك، الأول هو أنني أعيش في مدينة كبيرة جدًا وتجربة السياقة فيها تشعرني بالضيق والاختناق بمجرد التفكير في زحمة السير والسلوكات غير المقبولة من طرف باقي السائقين الذين لا يهمهم احترام قانون السير بقدر ما يهمهم الوصول إلى وجهتهم في أقل مدة ممكنة؛ السبب الثاني هو لأنني ببساطة لا أحب السياقة وما يرافقها من تركيز عالٍ وطول نفس لا حدود له، دون إغفال نقطة ضرورة صيانة السيارة باستمرار والاهتمام بها. صراحة، أنا شخص رياضي، أحب استغلال أي فرصة تسمح لي بتحريك جسمي، فأنا أستطيع المشي لأميال دون الشعور بالتعب أو الوهن، كما أن تنوع وسائل التنقل في أيامنا الحالية يسمح لنا بالوصول إلى أقاصي الأرض بضغطة زر واحدة على هاتفنا.

لا بد أنكم تتساءلون لماذا حصلت على رخصة السياقة إذا كنت أكره قيادة السيارات إلى هذا الحد. ببساطة لأن أبي هو من أجبرني على ذلك. لقد كان شديد الحزم معي بخصوص هذه النقطة لدرجة أنني بدأت الاستعداد لامتحان السياقة قبل أن أصل إلى السن القانوني! كان يقول لي دائمًا «أنتِ لا تعرفين ما تخبؤه لك باقي الأيام. حصولك على الرخصة سيجعلني مطمئنًا قليلًا في حال ما واجهتك مشكلة يومًا ستضطرين فيها لقيادة عربة». إلى حين وصول ذلك اليوم، سأكتفي بسيارات الأجرة والمواصلات العامة.

المحافظة على البيئة كواحد من الأسباب الرئيسية

لكن هذا ليس السبب الوحيد الذي يمنع أبناء جيلي من السباحة في بحر قيادة العربات. تخبرني أمل، ٢٨ عامًا: «جميع أصدقائي يمتلكون سياراتهم الخاصة، وفي كل مرة نخرج سوية، أكون أنا ذلك الشخص الوحيد الذي عليه البحث عن من يقله. طبعًا أكون في كل مرة عرضة لتهكمهم وتعليقاتهم الساخرة، لكنني تعلمت مع الوقت أن أتجاهلها وأن أعيش حياتي كما أراها أنا مناسبة. وضعي المادي والحمد لله يسمح لي بشراء أفضل السيارات، إلّا أنني لا أريد أن أساهم في التلوث الجوي وأزيد بدوري من انبعاثات الغازات السامة في الجو. عالمنا يعاني أساسًا من العديد من المشاكل البيئية، وهذه طريقتي في المشاركة في حمايته. لقد كنت أستعمل الدراجة الهوائية في تنقلاتي سابقًا، لكن مع تقدمي في السن أصبح من الصعب الذهاب إلى اجتماعات العمل بزي رسمي على دراجة. حاليًا أنا أستعين بخدمات التطبيقات من قبيل «أوبر» و«كريم» للتنقل داخل المدينة، والقطارات في تنقلاتي بين المدن. أنا مرتاحة هكذا ولا أفكر أبدًا في اجتياز امتحان رخصة السياقة أو امتلاك سيارة مستقبلًا».

سيارات الأجرة والمواصلات العامة في الكفاية

وليد، ٢٥ عامًا، هو الآخر يجد في سيارات الأجرة ووسائل النقل العامة ضالته، فهي بالنسبة له أقل تكلفة وأكثر عملية. لكنه بدأ مؤخرًا يدرس بشكل جدي إمكانية اقتناء سيارة خاصة به وبالتالي الحصول على رخصة سياقة. يخبرني: «لطالما وجدت في القطارات و«كريم» ووسائل النقل العامة راحتي. لم أفكر أبدًا في شراء سيارة وبالتالي الحصول على رخصة السياقة، لأن البدائل المتاحة في وقتنا الحالي كافية وتزيد. كما أنني أجد نفسي «أخرقًا» قليلًا ولا أظنني سأنجح بالامتحان إن خضته. أصبحت في الآونة الأخيرة فكرة الحصول على رخصة للقيادة تراود ذهني بحكم بدئي في عمل جديد في مدينة أخرى. حاليًا أستقل القطار يوميًا مجيئًا وذهابًا بين مدينتين تفصلهما أكثر من ساعة، وقد صار الأمر مرهِقًا بعض الشيء بالنسبة لي. كما أني اكتشفت، بعد البحث، أن امتحان القيادة ليس بالصعوبة أو التعقيد الذي كنت أتخيله، لذلك فإنه من الوارد جدًا أن أحصل على رخصتي الخاصة بعد أشهر من الآن».

إجراءات امتحان القيادة المعقدة وعدم توفر الوقت الكافي

من بين الإجابات التي تكررت على مسامعي عندما سألت بعض الأصدقاء عن الأسباب التي جعلتهم يؤجلون مشروع الحصول على رخصة سياقة، أو يستغنون عنه تمامًا، كانت مراحل امتحان القيادة المعقدة وعدم التوفر على الوقت الكافي لبدء الإجراءات وإكمالها كما يجب. 

يحكي لي عبد الخالق، ٢٦ عامًا: «حتى أكون صريحًا معك، لقد كنت أتمنى الحصول على رخصة السياقة منذ إتمامي للسن القانوني، خصوصًا أن أصدقائي من نفسي سني كانوا يقودون السيارات ولهم رخصهم، لكن الوضع المادي للعائلة لم يكن يسمح لي باجتياز امتحان السياقة، هكذا قررت تأجيل الأمر إلى حين حصولي على عمل. الإجراءات في بلدنا فيما يخص اجتياز امتحان السياقة مكلفة جدًا، ويجب تخصيص مبلغ محترم لها بين تكاليف التسجيل وحضور الدروس النظرية وإجراء التداريب العملية، إلخ من النفقات التي لا تنتهي إلّا عند وضعك للبطاقة في جيبك. عندما بدأت العمل لم يكن راتبي يكفيني آنذاك، ومباشرة بعدها توالت مجموعة من العقبات مثل مرض أمي رحمة الله عليها. الآن بعد أن استقر وضعي الحمد لله وبات بإمكاني اجتياز الامتحان، وجدتني أخترع لنفسي الأعذار، وهنا اكتشفت السبب الحقيقي الذي كان ولا يزال يحول دون حصولي على رخصة السياقة. السبب بكل بساطة هو كسلي وعدم استعدادي للخوض في إجراءات الامتحان المعقدة والطويلة. كما أنني لا أرى ضرورة الحصول عليها بحكم أنني لا أمتلك سيارة، ولا أظنني سأجتاز هذا الامتحان يومًا، على الأقل في الفترة الحالية».

أما هاجر، ٢٢ عامًا، فإن ما يمنعها من التفكير في رخصة السياقة حاليًا هو انشغالها بالدراسة والعمل: «لقد بدأت إجراءات اجتياز امتحان القيادة في صيف ٢٠١٧، لكنني توقفت بعد فترة قصيرة للتركيز على إيجاد عمل صيفي لي. هكذا خمدت فكرة الحصول على الرخصة في ذهني لأنني لم أكن بحاجة إليها، خصوصًا أنه خلال هذه المدة كانت الدراسة تأخذ حصة الأسد من وقتي، وفي الإجازات كنت أقوم بتداريب أو أعمال بدوام جزئي. لم أجد الوقت الكافي أبدًا للتفكير في رخصة القيادة. مع الحجر الصحي الذي فرضه علينا فيروس كورونا المستجد، عادت فكرة اجتياز الامتحان لذهني وبدأت الاستعدادات منذ فترة، غير أنني لا زلت لا أدري إن كنت سأكمل الإجراءات هذه المرة أم سأنسحب في آخر لحظة، خصوصًا أن الحصص الدراسية على وشك البدء قريبًا»،

عندما يطغى الخوف على قرار الحصول على رخصة سياقة

في الوقت الذي تختلف فيه الأسباب بين الحفاظ على البيئة، وارتفاع تكاليف امتحان اجتياز الرخصة، وعدم تواجد الوقت الكافي، هناك من يفتقر فقط للشجاعة الكافية ليجلس خلف مقود القيادة. حليمه، ٢٠ عامًا، من بين هؤلاء الأشخاص. تخبرني: «لقد تربيت في بيئة محافظة جدًا لا تسمح لبناتها بالقيام بأدنى شيء بمفردهن. هذه البيئة زرعت داخلي بذرة الخوف من أي شيء يحيط بي ولا ينتمي إلى محيط العائلة. حتى فيما يخص دراستي الجامعية، اخترت تخصصًا غير الذي كنت أتمناه فقط حتى لا أذهب إلى مدينة أخرى. لم يفاتحني والدي في الموضوع أبدًا، مع الإشارة إلى أن إخوتي الذكور جميعًا حصلوا على رخص سياقتهم مباشرة بعد وصولهم السن القانوني. الموضوع برمته يمثل بالنسبة لي مغامرة مجهولة غير واضحة المعالم، وأنا غير مستعدة أبدًا للدخول في دوامتها. أنا الآن أتنقل بصحبة والدي أو أحد إخوتي أو السائق الخاص للعائلة. الوضع هكذا يناسبني ولا أعتقد أنني سأتشجع يومًا وأطلب رخصة سياقتي الخاصة».


خلال فترة بحثي وجمع المعلومات اللازمة لكتابة هذا المقال، بدأت أفكر في الأجيال القادمة وكيف ستكون علاقتهم بعالم المحركات. هل سيساهم ظهور السيارات بدون سائق إلى الدفع بالشباب نحو العدول عن قرار الحصول على رخصة السياقة للأبد؟ هذا ما سيخبرنا به القادم من الأيام.


عفاف بوعكادة، كاتبة مغربية تهتم بالمجالات الثقافية والفنية والنهوض بقضايا المرأة. لها مقالات متفرقة في مجموعة من المنصات الرقمية العربية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.