آراء

لماذا يجب ألا نخجل من التعبير عن مشاعرنا

«لأول مرة في حياتي تمكنت من رؤية لحمي وعظامي»

.To read in English, click here

بقلم عائشة القحطاني

الرسمة: Shutterstock.

واحدة من أصعب الأوقات التي مررت بها على الإطلاق، حلّت العام الماضي. كانت هناك أعمال بناء في منزلي، والكثير من قطع الزجاج كانت تنقل لأعلى ولأسفل الدرج بواسطة العمال. تكاسلت عن ارتداء حذاء ذلك اليوم، وكان أحد العمال يحمل قطعة زجاج ناعمة وقبل أن أنتبه لذلك، انزلقت القطعة من يديه وهبطت على قدمي، وجرحت أحد أصابعي بعمق.

وقفت هناك مصدومة وأنا أنزف بشدة. لأول مرة في حياتي تمكنت من رؤية لحمي وعظامي. ضغطت بقطعة قماش على قدمي وهرعت إلى المستشفى.

بطبيعة الحال، كنت عاطفية جدًا حيال الموقف. كنت في المنزل وحدي في ذلك اليوم، ولم تكن عائلتي متواجدة بقربي. كنت أعرف أن الحادث سيعني أشياء كثيرة بخلاف إصبعي الذي كان شبه مبتور. كنت أعرف أنه لن أكون قادرة على المشي بشكل صحيح، وعرفت أن ذلك يعني أن حياتي ستتغير لفترة من الوقت. لن أكون قادرة على الاعتماد على قدمي للجري أو ركوب الدراجة . كنت أعلم أيضًا أنني سأحتاج بالتأكيد إلى عملية جراحية، وهو شيء لم أخضع له أبدًا، والتفكير في الموضوع زاد من الخوف في داخلي.

عندما جلست على كرسي الانتظار في غرفة الطوارئ، صارعت نفسي لأكبح دموعي، لأبدو هادئة وأن أحمل نفسي جيدًا كما تعلمت دائمًا أن أكون في الأماكن العامة. تنفست بعمق، وكنت أرتجف من المشاعر. رصدتني سيدة مسنة، وجاءت وجلست بجواري. وضعت يدها الدافئة على كتفي وسألتني ما عمّا كان يقلقني. أخبرتها أنني شعرت بالاختناق وأردت البكاء فقط.

ابتسمت وطلبت مني أن أبكي وقالت لي أنه عليّ أن أفعل ذلك. نصحتني السيدة قائلة: «أنت إنسانة تتألم. ابكي بقدر ما تريدين!». كلماتها تلك كانت كلمة السر التي فتحت باب أُحكم إغلاقه لفترة طويلة.

بكيت طوال اليوم الذي كنت فيه في المستشفى. بكيت في غرفة العمليات وعندما غادرت في اليوم التالي. في بعض الأوقات لم أكن أعرف لماذا كنت أبكي، لكنني علمت أنه كان يتوجب علي ذلك. كان البكاء نتيجة لسنوات من كبح المشاعر التي كان يجب علي التعبير عنها منذ وقت طويل.

كأفراد في مجتمعات عربية، فإننا غالبًا ما نركز كثيرًا على الظهور بمظهر متماسك. حتى لو كان العالم من حولنا ينهار، فنحن نعرف كيف نبتسم ونحمل أنفسنا جيدًا. على الرغم من أن هذا يعلمنا التعامل مع المواقف الصعبة جيدًا، إلا أننا ننسى ببطء مع مرور الوقت كيف نعبر عن مشاعرنا. ننسى أنه من الجيد تمامًا البكاء، وأنه ليس علامة ضعف.

عندما تعافيت وبدأت ندوبي تتلاشى، وعدت نفسي بالتعبير عن مشاعري بحرية أكبر وألّا أخجل من إظهارها. إذا كان هناك شيء يزعجني، فلن أؤجل مناقشته. إذا كان القيام بشيء ما يحزنني، فعندئذ سأتوقف عن فعله، ولن أؤخر الأمر لحظة واحدة.

كإنسانة عاطفية، كنت أحب أن أعبّر عن مشاعري علنًا حتى لو كان هذا عكس ما تربيت عليه. التعبير عن مشاعري هو ما يميزني. أدركت أنه أن تكون عاطفيًا هو أن تكون رحيمًا ويدل على أنني أهتم بشيء ما، وفوق كل ذلك أدركت أنني يجب ألا أخجل من إظهار إنسانيتي.

قبل بضعة أشهر، انتشرت مقابلة للمؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي الإماراتية مثايل العلي مع أنس بوخش على قناته في موقع يوتيوب، وكان السبب وراء شهرة تلك المقابلة على وجه التحديد هو أن مثايل فعلت شيئًا لم يعتاد عليه الكثير في المجتمعات العربية. جلست مثايل على الكرسي وشاركت الجمهور نقاط ضعفها. بكت عندما احتاجت إلى ذلك، وناقشت رحلتها العلاجية، وتوقفت عندما احتاجت إلى أخذ نفس عميق، وتحدثت عن حياتها الشخصية ومشاعرها تجاهها. ذكّرت مثايل الآلاف من الناس في جميع أنحاء العالم العربي، بأنه لا ينبغي أن يخجلوا من لحظات ضعفهم، وأنهم ليسوا روبوتات، وأنه لا بأس في أن تشعر بالضياع، وأنه لا بأس من البكاء إذا شعرت بذلك.

بينما نمر في هذه الأوقات الصعبة، ونحاول التنقل عبر أكوام الأفكار والعواطف، آمل أن تجدوا أيضًا طريقة للتعبير عن أنفسكم حقًا، وألا تتراجعوا أبدًا عن التعبير عن مشاعركم.


عائشة القحطاني كاتبة من السعودية. هذه أول مقالة تنشر لها.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.