ثقافة وفن

ما هي التحديات التي تواجه المترجمين في الوطن العربي؟

نستعرض بعض منها في اليوم الدولي للترجمة.

بقلم وفاء خيري

تعتبر الترجمة وسيلة من الوسائل  التي أدت إلى تقارب الشعوب والتواصل بين سكان العالم، وساعدت في جعل عالمنا أكثر سلامًا وتسامحًا. وإن أردنا أن نذكر أهمية الترجمة، أو دورها وتأثيرها، فإن القائمة تطول. بالإضافة إلى ذلك فإن أنواع الترجمة متنوعة ومتعددة، فهناك الترجمة الأدبية، والترجمة التجارية، وترجمة الأفلام بل وترجمة الأفلام التي تُعرض في الطائرات أيضًا، ولكل منها هدف مختلف، ولكن يبقى الغرض الرئيسي في كل الأنواع هو التواصل. وفي اليوم العالمي للترجمة، قررنا تسليط الضوء على عدد من المترجمين المتنوعين في التخصصات لنسألهم عن رحلتهم في الترجمة وما هي أصعب التحديات التي تواجههم. 

«أرى أنه من المهم أن أنقل كتابات أدباء جدد مشهورين في بلدانهم ولكننا لا نعرف عنهم شيئًا، إذ ليس عليّ أن أنتظر سنوات لأترجم لكاتب معين أو حتى أتمكن من الوصول إلى كتّاب كبار، بسبب حقوق النشر أو غيرها». الرسمة: شيماء العلوي.

إنها مهنة تستنزف الكثير من طاقة الشخص، والعائد في البدايات ليس جيدًا 

حين يرغب المرء بأن يُصبح مترجمًا؛ فإنه على الأغلب يتجه إلى إحدى الكليات المتخصصة في اللغة، هذه هي النصيحة الأولى، على الأقل، التي تُقدم له في هذا الصدد لبداية رحلته مع هذا المجال. ولكن حين يتخرج ويقرر أن يبدأ في سوق العمل فإن الواقع أمر آخر تمامًا، إذ ليست الفكرة في أن تعرف كيف تترجم أم لا، الأمر أعقد من ذلك بكثير. 

في هذا الصدد يحدثنا المترجم محمد الفولي، مترجم لغة إسبانية، وأشهر أعماله «أخف من الهواء» لفيدريكو جان ميير، أنه بدأ رحلته في مجال الترجمة بدخوله كلية الآداب قسم اللغة الإسبانية، وبعدما تخرج عمل في إحدى وكالات الأنباء الإخبارية، وكان يمارس فيها عمله الطبيعي لأول مرة. لم تكن تلقى فكرة الترجمة الصحفية اهتمام محمد تمامًا، فقد كان يفتقد شغفه خصوصًا مع جفاف طبيعة الأخبار التي كان يترجمها طوال الوقت. حاول محمد أن يتجه لترجمة الأدب، لأنه قارىء في المقام الأول، وهنا واجهته التحديات الحقيقة. بدأ محمد بالبحث عن دار نشر مناسبة لينشر فيها روايته التي ترجمها، ولكن الأمر لم يكن بالسهولة التي تصورها.

يقول محمد: « وجدت صعوبة في العثور على دار نشر مناسبة لنشر روايتي الأولى، فقد كان الرفض يتوالى علي لمدة عام ونصف. وبعدما وجدت دار النشر، عرفت أن الأمر ليس بهذه البساطة فقد كنت بحاجة إلى وجود وكيل أدبي لأحصل على حقوق ترجمة الرواية، إذ أن هناك شروطاً صارمةً فيما يتعلق بمجال الحقوق والنشر. ولهذا فإنه من الضروري وضع هذه النقطة في الاعتبار لأي مترجم يرغب بترجمة أي كتاب. بالإضافة إلى ذلك، يحتاج الأمر إلى صبر كبير خصوصًا في البداية، فقد لا ترد عليك أي من دور النشر من المرة الأولى، ليس بسبب رداءة الترجمة أو جودتها (فهذا أمر مفروغ منه)، ولكن لأن الخطوة الأولى دائمًا لا تأتي بسهولة. كما أن هناك أمراً مهماً أيضًا، وهو أنك في البداية لن تحصل على سعر جيد أبدًا، ولكن هناك فارق بين السعر القليل والبخس، فالسعر البخس لن يؤثر عليك بمفردك، ولكن نه سيؤثر على السوق وعلى المترجمين الآخرين، ولهذا أنصح المترجمين الجدد بتفادي هذه النقطة». 

يخبرنا محمد أن حبه للترجمة الأدبية وشغفه للأدب الإسباني أكبر من حبه للترجمة الصحفية، فقد كان دافعه الأساسي في البداية هو نشر ونقل الأدب الإسباني إلى العالم العربي، «أرى أنه من المهم أن أنقل كتابات أدباء جدد مشهورين في بلدانهم ولكننا لا نعرف عنهم شيئًا، إذ ليس عليّ أن أنتظر سنوات لأترجم لكاتب معين أو حتى أتمكن من الوصول إلى كتّاب كبار، بسبب حقوق النشر أو غيرها».

ويضيف أن إطّلاع المترجم أحد أهم المهارات التي يجب على المترجم امتلاكها، «لابد من أن أكون مطلع على ما يحدث في الدولة التي أترجم لها. وبشكل عام فإن خبرتي كمترجم صحفي أضافت لي الكثير من المعلومات التي خدمتني في ترجمة الأدب». وبجانب ذلك يتمنى محمد لو يتفرغ للترجمة الأدبية، ولكن الوضع مرهون بدور النشر. وأزمة كورونا خير دليل على ذلك، إذ أنه قد تم إلغاء الكثير من المعارض، وقد أدى ذلك إلى تأخر المستحقات وغيرها من الأمور التي تجعل من الصعب الاعتماد اقتصاديًا على هذا المجال. وبجانب ذلك إنها مهنة تستنزف الكثير من طاقة الشخص والعائد في البدايات ليس جيدًا. 

«في رأيي أن مُحبي المخاطرة هم فقط من يتجهون لهذا المجال. ومن خلال عملي في هذا المجال أقول أن المجال مُجزي جدًا.» الرسمة: شيماء العلوي.

فضلت ترجمة الشاشة، لأن فيها احتراماً أكبر وفرص العمل متوفرة دائمًا

إن أردنا أن نتحدث عن نوع آخر من الترجمة، فإن ترجمة الشاشة/ الأفلام واحدة من مجالات الترجمة التي نحتاج إليها، ونعتمد عليها كثيرًا دون أن نُقدّر دورها الفعليّ أو نعتبرها محورًا أساسيًا فيما يجري في حياتنا. فكثيرًا ما نشاهد أفلام أو فيديوهات أجنبية تحتاج  الترجمة، ولولا هذه الترجمة لافتقدنا عنصرًا مهما في حياتنا اليومية. وفي هذا الصدد يأخذنا مصطفى السطوحي، مترجم شاشة ومراقب ضبط جودة على «نتفلكس»، إلى هذا العالم ويحدثنا عن رحلته في بداية هذا المجال البعيد تمامًا عن تخصصه الدراسي، إذ أنه خريج كلية العلوم قسم جيولوجيا البترول والغاز الطبيعي.

يقول مصطفى: «لم أفكر أبدًا في أن أعمل في مجالي، وقد عُرضت عليّ وظائف مختلفة فيه ولكني رفضتها؛ إذ أنني بدأت رحلتي في هذا المجال [الترجمة] منذ أيام الجامعة، ووجدت شغفي له رغم أنني لم أُخطط لذلك من قبل أبدًا. وأضيف أنني أيضًا قد عملت في مجال الترجمة الورقية لسنوات ولكني استقريت وفضلت ترجمة الشاشة لأن فيها احتراماً أكبر و[فرص] العمل متوفرة دائمًا. بالإضافة إلى أن هناك أعمال تُترجم في هذا النوع، فيشاهدها ملايين، وهذا ما يرضي غرور المترجم بصفه عامة».

يرى مصطفى أن كثيرين لا يُقبلون على هذا المجال؛ ربما لأنه لا توجد أي أدوات مُساعدة أثناء الترجمة عكس الترجمة الورقية التي يمكن فيها اللجوء إلى الترجمات الآلية في بعض الأحيان أو برامج مثل الـ CAT Tools التي تساعد المترجمين.

ويتحدث مصطفى عن مجال ترجمة الشاشة أنه كمجال مهدور حقه جدًا في الوطن العربي، لأن من يرغب في سلك طريق الترجمة، فعلى الأغلب ما يترجم وثائق وأوراق متعلقة بمجال معين؛ بالإضافة إلى أن هذا المجال لا يُدَرَّس في أغلب الجامعات لأنه مجال دولي وليس محلي، وبالتالي لا يُركز عليه أحد.

 «في رأيي أن مُحبي المخاطرة هم فقط من يتجهون لهذا المجال. ومن خلال عملي في هذا المجال أقول أن المجال مُجزي جدًا. الفرص الموجودة تتخطى حاجز المترجمين المتوفرين بكثير، ولهذا فإن المجال مفتوح لمن يرغب في التخصص والعمل به». ويضيف مصطفى أن أغلب الفرص في هذا المجال هي فرص عمل مستقلة (freelancing)، وأنه بالرغم من أن المجال ممتاز للغاية فإنه قد تكون هناك مميزات أكثر للمتخصصين في لغاتٍ نادرةٍ مثل اليابانية وغيرها. ولهذا فهو يشجع من يفكر في امتهان هذا المجال ببدء الخطوة فورًا، «المجال يحتاج مهارتك وحسب ولا يهم كثيرًا السيرة الذاتية. لهذا اعمل على نفسك حتى تكتسب المهارة ثم ابدأ في البحث عن فرص عمل».

يخبرنا مصطفى عن التحديات التي تواجهه في هذا المجال فيقول: «هذا النوع من الترجمة مُقدم لأشخاص مختلفين، فأنا أوجه ترجمتي للأطفال، والمراهقين، وحتى المتخصصين في اللغة العربية. لهذا عليّ اختيار اللفظ الأنسب دائمًا لجميع هؤلاء، على عكس الأوراق الأكاديمية المُوجهة لأشخاص بعينهم مُؤهلين لقراءة ما بها». 

«كل كتاب له تحدياته الخاصة، وبمرور الوقت يتعلم المترجم من أخطائه السابقة. ولهذا على المترجمين الجدد أن يكونوا أكثر مرونة، خاصًة في البداية.» الرسمة: شيماء العلوي.

تذكّر دائمًا أن الاطلاع والخطأ هما ما سيعلمانك  ويكسبانك خبراتك، فالمترجم هو حصيلة كل اللغة التي مرت عليه

بالإضافة إلى كل ذلك، تختلف تحديات وسياقات المترجمين تبعًا لعوامل مختلفة حتى وإن كان مجال العمل واحد. فمن يعملون بالترجمة الأدبية قد يواجهون تحديات مختلفة عن بعضهم البعض. ويوضح لنا هشام فهمي، مترجم أدب إنجليزي، ومن أبرز أعماله «عاصفة السيوف» لجورج مارتن، كيف بدأت رحلته مع الترجمة قائلاً: «بدأت في أولى مراحل حياتي بالعمل في الصحافة ولفترة زمنية قصيرة. وعملت لبعض الوقت أيضًا في ترجمة الشاشة ولم أستمر بها لأنها مُقيِّدة وبحاجة إلى اختصار كبير، وهذا شيء لا أحبه». 

ويخبرنا هشام أن بداية دخوله مجال ترجمة الأدب والكتب كانت بعد تخرجه من كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية: «لم يكن في مخيلتي أنني سأدخل هذا المجال، فقد جاءت الفرص بسبب وجودي المستمر في القاهرة. حينذاك تعرفت على ناشرين شباب بحاجة إلى نوع جديد من الأدب المترجم. حدث ذلك منذ أكثر من ١٠ سنوات. كنت أحب الفنتازيا وأدب الرعب، وكان هذا هو النوع المفضل في قراءاتي بالأساس. وحينما تعرفت على ناشرين أبدوا اهتمامهم بتقديم نوع جديد من الترجمات. وبدأنا بالفعل، ونشرت عملًا وراء الآخر وواصلت تدريجيًا وأحببت اللعبة بمرور الوقت. وأعرف تمامًا أن الوضع حاليًا مُختلف، فالنشر والبدء  فيه أصبح أكثر صعوبة من ذي قبل، لهذا أنصح من يرغب في العمل بهذا المجال أن يذهب مباشرة لدور النشر بشكل مباشر للتفاهم معهم». 

ويحكي هشام عن التحديات التي واجهته أثناء ترجمة أعماله: «كل كتاب له تحدياته الخاصة، وبمرور الوقت يتعلم المترجم من أخطائه السابقة. ولهذا على المترجمين الجدد أن يكونوا أكثر مرونة، خاصًة في البداية. عن نفسي استمر حتى الآن في تعديل بعض الأشياء في كتبي، فكل طبعة بها تنقيح وتعديل .. فلا يوجد مترجم بلا أخطاء. من ساعدني على تصليح أخطائي أو توجيهي في أوقات كثيرة كانوا بعض الأصدقاء، وكان القُرّاء والمترجمون يلفتون نظري لبعض الأشياء أحيانًا، وأكون شاكراً لهم بالتأكيد، إذ أن ٤ أعين أفضل من عينين». وينصح هشام المترجمين الجُدد بضرورة الإلمام بثقافة الدولة التي يُترجم لغتها: «تذكر دائمًا أن الإطلاع والخطأ هما ما سيعلمانك ويراكمان خبراتك، فالمترجم هو حصيلة كل اللغة التي مرت عليه».  

«عندما بدأت الترجمة في التسعينيات، كانت المسألة أصعب بكثير، وكنا نفقد العلاقة مع النص المترجم بمجرد نشره.» الرسمة: شيماء العلوي.

وضع المترجم العربي حاليًا أفضل بكثير من الفترات الماضية، فهو مرئيّ ومعروف ولديه متابعين وقرّاء يبحثون عن ترجماته

إن أردنا أن نتحدث عن التطورات التي مرت بها الترجمة، سننظر إلى الماضي ونتأمل كيف كانت تتم الترجمة حينذاك، فلم يكن هناك «جوجل» أو قواميس إلكترونية او حتى وسيلة للتواصل مع القُراء بسهولة لمعرفة انطباعاتهم عن أي شيء. وفي هذا الصدد تخبرنا الدكتورة أماني فوزي حبشي، الحاصلة على الدكتوراة في الأدب الإيطالي والتي تعمل مترجمة لغة إيطالية، ومن أشهر أعمالها «بندول فوكو» لأمبرتو إيكو: «أعتقد أن وضع المُترجِم العربي حاليًا أفضل بكثير من الفترات الماضية، فهو مرئي ومعروف ولديه متابعين وقرّاء يبحثون عن ترجماته. عندما بدأت الترجمة في التسعينيات، كانت المسألة أصعب بكثير، وكنا نفقد العلاقة مع النص المترجم بمجرد نشره، فلا نعرف أي شيء عنه سوى من بعض المقالات أو القُرّاء من الأصدقاء. ولكن الآن، ومع وجود وسائل التواصل ومواقع خاصة بالقراءة وتقييم الكتب، يمكن متابعة آراء القراء من خلال صورهم وتعليقاتهم ونشرهم لأجزاء أو عبارات من الترجمة. وأعتقد أن هذا ساعد المُترجِم على إعادة تقييم عمله وتطوير أسلوبه».

ختامًا، الترجمة ليست فقط وسيلة للتعلم أو الترفيه، بل هي عالم مُتكامل يهدف إلى التواصل لإثراء الشعوب. وخلال أزمنة طويلة كان المترجمون ناقلون للحضارات، فلهذا عليك تقدير قيمة من يعمل في هذا المجال، ولا تبخسه حقه إن كنت بحاجة إلى خدمة ترجمة، واحرص على شراء النسخ الأصلية من الكتب والأفلام للحفاظ على حقوق المترجمين وحماية المهنة من الأثمان البخسة، وأدرك تمامًا أن وراء كل ورقة أو كتاب مُتَرجَمٍ مُتَرجِماً سهر ليالٍ طويلةً لتستطيع قراءة ما بين يديك. 


وفاء خيري صحفية مصرية مهتمة بالمجالات الثقافية وقضايا المرأة، تكتب في عدد من المنصات العربية المتنوعة. حياتها لا تخرج عن الكتابة والقراءة، فحين لا تكتب، حتمًا سيكون رأسها بين دفتي كتاب.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.