آراء

الزواج التقليدي في هذا العصر: تغريد خارج السرب؟

نتحدث مع شباب وشابات يفضلون الزواج التقليدي على الزواج عن حب.

بقلم ليان أبوشكيّر

مع الانفتاح الثقافي الذي نعيشه في عصرنا الحالي، ومع التغيرات المُجتمعية التي شهدها عالمنا العربي في السنوات الأخيرة، نلاحظ أن كثيراً من قراراتنا المصيرية باتت تُتخذ بشكل مختلف تماماً، وفي كثير من الأحيان، بعيداً عن العادات والتقاليد. وعلى رأس القائمة، أصبحت شريحة كبيرة من الشباب العربي تُفضل الزواج عن حب على الزواج التقليدي، وأعني بالأخير الزواج غير المبنيّ على علاقة سابقة بين الطرفين قبل اتخاذهم هكذا قرار.  وقد يعود هذا لأسباب عدة منها تأثير مواقع التواصل الاجتماعية والمنصات الإعلامية وترويج كثيرين لقصص حُبهم وحياتهم ما بعد الزواج عن حب. لذلك، أن تجد شاباً أو شابة ممن يفضلون ما هو تقليدي على ما هو رائج، وبالأخص في قرارٍ مهمٍ كهذا، بات أمراً «غير تقليدي» بحد ذاته. 

وعندما تحدثت إلى بعضهم، خطر في البال ألف سؤال وسؤال: ما هو مفهوم الزواج من وجهة نظرهم؟ وما الذي دفعهم لاتخاذ قرار كهذا؟ وما هي نظرتهم للحُب؟ هل يرفضونه أم يُؤمنون به؟ كل هذه التساؤلات طرحتها على شابتين وشاب ممن يرون أن الزواج التقليدي هو الخيار الأنسب لهم، لعليّ أفهم «اختلافهم» هذا عن الكثير من أبناء جيلهم. 

يقول البعض بأنه في أغلب الأحيان عندما نقع في الحب، يتمثل لنا المحبوب على أنه أكمل البشر على الإطلاق، فنتغاضى أو حتى نغفل عن أخطاء وعيوب كثيرة. الرسمة: شيماء العلوي.

في الزواج التقليدي، يتم تقبل الأخطاء والعيوب قبل الحسنات، فيكون القرار منطقياً

يقول البعض بأنه في أغلب الأحيان عندما نقع في الحب، يتمثل لنا المحبوب على أنه أكمل البشر على الإطلاق، فنتغاضى أو حتى نغفل عن أخطاء وعيوب كثيرة. وعن هذه النقطة تحدثت مع شهد هيثم، ٢١ عاماً، طالبة إعلام سورية غير مرتبطة، حيث تقول:

  «الزواج التقليدي، من منظوري، هو الذي يتم عن طريق الأهل أو المعارف أو مكان العمل، حيث يتقدم الشاب لطلب يد البنت بشكل رسمي قبل الوصول لمرحلة الحب. وأنا أؤيد هذه الطريقة وبشدة وذلك لعدة أسباب. أولاً، هنا تكون العلاقة رسمية منذ البداية وفيها حماية لمشاعر الطرفين، حيث تكون فرصة العقل أكبر من فرصة المشاعر في مرحلة التعارف، مما يحد من التجريح العاطفي. وثانياً، وحسب ما قرأت من مقالات علمية، الحب يمنع الإنسان من رؤية عيوب محبوبه، فينطبق عليه مَثَل «الحب أعمى». وقد سمعنا عن كثير من قصص الحب التي دامت لسنوات وانتهت بالفشل قبل الوصول إلى مرحلة الخطبة حتى. ومن وصل منهم إلى مرحلة الزواج، من محيطي مثلاً، انفصل أغلبهم بعد عدة سنوات. ويعود هذا إلى طريقة التعارف المبنية، في كثير من الأحيان، على العاطفة التي تُغيب العيوب والأخطاء في كلا الشريكين. أما في الزواج التقليدي، يتم تقبل هذه الأخطاء والعيوب قبل الحسنات، فيكون القرار منطقياً ومدروساً بشكل جيد بعكس الحب. ولم أمر بأي تجربة حب فاشلة، لكنني أتحدث من خلال ما تعلمت من تجارب معارفي وأصدقائي والكتب والمحاضرات التي تُقدم نصائح عن الزواج».

وتضيف شهد: «بالمناسبة، الزواج التقليدي لا يلغي الحب مثلما يظن البعض. بل، وبكثير من الأحيان، ينتج عنه حب كبير يدوم ما بين الطرفين إلى الأبد. وقد شهدت هذا في كثير من قصص الزواج حولي، حيث عاش أغلبهم حباً كبيراً بعد زواجهم بطريقة تقليدية». 

وهنا، أتفق مع شهد تماماً، حيث إن كان الزواج تقليدياً أو لم يكن، لا نستطيع أن نتنبأ بثماره. فالعشرة الطيبة والمغامرات التي يعيشها الزوجان معاً قد تخلق أعظم قصص الحب بغض النظر عن طريقة تعارف الطرفين. 

«حين تقدم ابن خالتي لخطبتي، رأيت فيه شريك حياة مناسب تنطبق عليه كل الصفات التي أبحث عنها». الرسمة: شيماء العلوي.

لا يمكنني التخلي عن العادات والتقاليد وبعض الشروط المهمة 

تتشكل كثير من آرائنا وقرارتنا المصيرية بسبب تأثير البيئة المحيطة بنا، فننشأ مؤمنين بأن ما تُمليه علينا بعض العادات والتقاليد هو الصواب بعينه. وكذلك الأمر بالنسبة للزواج، فقد نميل لفكرة الزواج التقليدي أو نرفضها وفقاً لما نشأنا عليه من أفكار ومُعتقدات. وهنا، تحدثني إسراء عوض، ٢٢ عاماً، طالبة هندسة مصرية مخطوبة، عن قصة خطبتها لابن خالتها: 

«أنتمي لقرية صغيرة تعيش في ظل العادات والتقاليد. ولذلك، فإن للبيئة المحيطة بي علاقة قوية بتفضيلي للزواج التقليدي، فأنا أؤمن بما نشأت عليه ولم أفضل خوض أي تجربة حب قبل الزواج. وعلى الرغم من ذلك، كنت أرفض زواج الأقارب وبشدة. لكن حين تقدم ابن خالتي لخطبتي، رأيت فيه شريك حياة مناسب تنطبق عليه كل الصفات التي أبحث عنها. لم تكن أي من شروطي تعجيزية، فقد كنت أبحث فقط عمن يشاركني المستوى الاجتماعي والثقافي والديني ذاته، وقد وجدت هذا كله في ابن خالتي، فوافقت».

أتفهم وجهة نظر إسراء. فبما أن القلب هو حَكم الاختيار في كل قصة حب، فقد نقع في شباك محبوب تنقصه ميزات أو شروط مهمة جداً، مثل التوافق العلمي أو المادي أو حتى الديني. وهنا، ليس منا إلا أن نختار ما بين العقل والقلب ليكون أحدهما حكماً على الآخر. وقد نخاطر بمستقبل مجهول تماماً إذا ما حكّمنا القلب. 

أما عن الاختيار ما بين العقل والعاطفة، فتقول إسراء: 

«كما قلت، شروطي لم تكن تعجيزية، لكنها مهمة جداً، ولذلك اخترت هذا النوع من الزواج لأنه مبني على المنطق والعقل فلا نضطر إلى التخلي عن أي شرط مهم قد نندم عليه فيما بعد. كما أن تحكيم العاطفة في هكذا قرارات يمنعك من رؤية أي صفات أو جوانب سيئة في شريك الحياة قد تتفاجأ بها بعد الزواج. وأنا هنا لا ألغي أهمية الحب، وإنما أُرجّح كفة العقل على العاطفة كي لا أندم فيما بعد. وبالإضافة، فإن الزواج التقليدي يتم دائماً مع موافقة الأهل، وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة لي». 

«من وجهة نظري، هناك فكر خاطئ منتشر بشأن الزواج التقليدي. فالكثير يظن بأنه اختيارٌ لشريك الحياة عن طريق الأهل أو الأقارب يُشترط ألا يكون فيه أي تعارف أو حب مسبق بين الطرفين». الرسمة: شيماء العلوي.

الزواج التقليدي قد يبدأ بحب متبادل أيضاً

الزواج التقليدي، كما أعرف، هو الذي يتم دون قصة حُب سابقة مُتبادلة ما بين الطرفين. أما عادل الشرع، ٢٣ عاماً، مُنفّذ علاقات عامة أردني غير مرتبط، فقد فتح ذهني على مفهوم آخر للزواج التقليدي. ولأكون صريحة معكم، فقد أقنعني بعض الشيء بأن أضم جزءاً من مفهومه هذا إلى تعريفيّ لهذا النوع من الارتباط. يقول عادل:

 «من وجهة نظري، هناك فكر خاطئ منتشر بشأن الزواج التقليدي. فالكثير يظن بأنه اختيارٌ لشريك الحياة عن طريق الأهل أو الأقارب يُشترط ألا يكون فيه أي تعارف أو حب مسبق بين الطرفين. لكنني أراه عبارة عن مراحل يجب أن يمر بها كلا الزوجين حتى يُسمى تقليدياً، وبغض النظر عن طريقة تعارفهما. هذه المراحل تبدأ بطلب الشاب ليد الفتاة- التي يحبها أو التي يختارها بالمنطق- من والدها ثم تعارف الأهل ومناقشة المهر، والخطبة، وكتب الكتاب، والعرس وغيرها الكثير. وهنا تكون المسألة ليست مسألة حب أم لا، ولا يعني الزواج التقليدي أن أطلب من والدتي أن تختار لي عروساً على «ذوقها»، بل هي مسألة مراحل وخطوات يمر بها كلا الطرفين. أنا أفضل هذه الطريقة شخصياً، وذلك لأنها الأنسب لمجتمعنا والأفضل للأغلبية. فمثلاً المهر ورضا الوالدين موجودان بأغلب الزيجات العربية، وبغض النظر عن طريقة تعارف العروسين، وبالتالي يظل الزواج تقليدياً هنا».

«الزواج التقليدي يؤمّن راحة البال لكثير من المُقدمين عليه. حيث، كما قالت إسراء، لا يضطر أي من الطرفين التخلي عن متطلباته وشروطه الأساسية». الرسمة: شيماء العلوي.

ربما يكون عادل مُحقاً بفكره هذا، وربما لا يكون، إلا أنها وجهة نظر مثيرة للاهتمام بالفعل وتستحق التفكير. ففي كثير من الأحيان، قد تمنع العادات والتقاليد المحبوبين من أن يعيشا قصة حب ما قبل الزواج. وهنا، ما باليد حيلة، فعلى الشاب أن يتقدم لخطبة محبوبته وأن يسير على نهج آبائه وأجداده فقط كي يجتمع بها. وبغض النظر إن كنت أتفق أو أختلف مع هذا العُرف، إلا أنه ما دام وسيلة تجمع ما بين قلبين، فما المانع منه إن كان كِلا الطرفين موافقين؟؟

ورغم أن فكرة الزواج التقليدي، كما أُعَرِّفه أنا، لا تناسبني شخصياً، إلا أنني لا ألوم من يُفضّله ويختاره طريقاً ولا أستنكر فكره هذا. فالزواج التقليدي يؤمّن راحة البال لكثير من المُقدمين عليه. حيث، كما قالت إسراء، لا يضطر أي من الطرفين التخلي عن متطلباته وشروطه الأساسية. وهو غالباً ما يتم بموافقة الأهل ومباركتهم.

 وسواء كان الزواج تقليدياً أم لم يكن، في كلا الحالتين هي تجربة نمر بها وقد تنجح أو تفشل كغيرها من التجارب الحياتية الأخرى. ولذلك، ومن وجهة نظري الشخصية، فإن الزواج ليس بقيد أبديّ يلتف حول أعناقنا، فقد وجُد الحب كي يكلله ووجدت عدة وسائل كي لا يصبح قيداً. أما أن نعيش في البرزخ، ما بين كارهين للطرف الآخر ومُقَيَدين به، فهي حالة تستحق النقاش والتفكير.  


ليان أبو شكيِّر صحفية وكاتبة سيناريو سورية تعمل في عدد من المنصات العربية والعالمية، وهي حالياً متدربة في سكة. تعشق خشبة المسرح وتهوى الفن والأدب، وتؤمن بأن للكلمة والفن قدرة سحرية على تغيير العالم.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.