ثقافة وفن

«الاستشراق» في فكر إدوارد سعيد وتبعاته على حياتنا

في ذكرى وفاته ال ١٧، هل من المعقول أن تكون نظريته صحيحة وحية حتى وقتنا هذا؟

.To read in English, click here

بقلم ليان أبوشكيِّر

البروفيسور والمؤلف والمفكر إدوارد سعيد. الرسمة: شيماء العلوي.

منذ عام مضى، دخلت في نقاش مثير للاهتمام مع طالب أمريكي الجنسية من طلاب برنامج التبادل الأجنبي في جامعتي. كنت قد التقيت صديقي هذا في صف علم اللغويات، وفي يوم ما، خطر لي أن أسأله عن الإمارات والشارقة وكيف يراهما مقارنة بالولايات المتحدة، وهنا أجابني بأن أصدقاءه هناك قد صدموا بحقيقة أننا لا نقطن الصحراء ولا نعيش في الخيام ولا نتنقل على ظهور الجمال. صديقي قال لي بأن هذه هي الصورة المُتشكلة في أذهان الكثير من الأمريكيين إنما كانت نتيجة ما يرونه في وسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية والسينما. وبينما كان يحدثني أكثر وأكثر عن هذه الصورة النمطية، تذكرت بروفيسور إدوارد سعيد ونظريته «الاستشراق»، وانصدمت. فهل من المعقول أن تكون نظريته صحيحة وحية حتى وقتنا هذا؟!

في عام ١٩٧٨، نشر سعيد كتاباً بعنوان «الاستشراق» شرح فيه تعريفه لهذه النظرية والطابع الذي اتخذه هذا المصطلح بعد ما كان من المفترض أن يكون مجرد حركة غربية تعريفية بالشرق وثقافاته وشعوبه. يعّرف سعيد «الاستشراق» على أنه اللوحة التي رسمها الغرب لدول الشرق وشعوبه، حيث دائماً ما يظهر الأول قوياً ومسيطراً والثاني ضعيفاً ومهزوزاً. ويفسر سعيد ذلك بقوله أن القوة والسيطرة التي تمتع بها الغرب حينذاك سمحت له بتنميط دول «المشرق» والسيطرة عليهم من خلال تقديمهم للعالم على أنهم شعوب همجية متخلفة ورجعية. وفي نهاية المطاف، وبسبب تكرار هذه الصورة في كل من الأدب ووسائل الإعلام والأفلام وعلى مدى عقود، أصبح هذا الواقع الوحيد المعروف عن «الشرق» وشعوبه. 

وبالفعل، من منا لم يشاهد فيلماً أو مسلسلاً غربياً يصور الشرق الأوسط، وبالأخص العالم العربي، ولم يلاحظ تكرر الصورة النمطية ذاتها مراراً؟ ففي معظم الأحيان، يُصوَر هذا الجزء من العالم على أنه صحراء مليئة بجمال وبخيام يسكنها رجال متعصبون – إرهابيون في الغالب – مع نسائهم المُعَذبات المُضطهدات. وبما أن هذه هي الصورة الوحيدة التي باتت تُعرِّف بقية العالم بـ«المشرق» وشعوبه منذ عقود، فمن الطبيعي أن أخوض في نقاش مشابه لذاك الذي خضته مع صديقي الأمريكي، ومن الطبيعي أن أسمع من أي «غربيّ» قصصاً عنا نحن «المشرقيين» مشابهة لتلك التي سمعتها من صديقي. ولذلك، فأنا متأكدة بأنني لست «المشرقية» الوحيدة التي اضطرت لأن تقنع «غربياً» بأننا نعيش حياة طبيعية كغيرنا من الشعوب. 

ويقول سعيد في كتابه: «من السمات التي أصبح العالم الالكتروني يتسم بها في فترة ما بعد الحداثة، تدعيم القوالب النمطية التي يُنْظَرُ إلى الشرق من خلالها. ويعمل التلفزيون، مثلما تعمل الأفلام وجميع موارد أجهزة الإعلام، على تشكيل المعلومات قسراً حتى تلائم القوالب التي تتخذ أشكالاً موحدة يوماً بعد يوم». 

يقول سعيد في كتابه: «من السمات التي أصبح العالم الالكتروني يتسم بها في فترة ما بعد الحداثة، تدعيم القوالب النمطية التي يُنْظَرُ إلى الشرق من خلالها. ويعمل التلفزيون، مثلما تعمل الأفلام وجميع موارد أجهزة الإعلام، على تشكيل المعلومات قسراً حتى تلائم القوالب التي تتخذ أشكالاً موحدة يوماً بعد يوم». الرسمة: شيماء العلوي.

ورغم أن هذا الكلام يعود إلى أكثر من ٤٠ عاماً مضت، إلا أن لهذه «القوالب النمطية» وجوداً واضحاً جداً في النتاج الثقافي والإعلامي اليوم وفي كثير من البرامج والأفلام التي شاهدناها ويشاهدها كل جيل. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، يُعتبر فيلم ديزني الشهير «علاء الدين» – بنسختيه الأصلية والحية – تجسيداً واضحاً لهذه القوالب، وبالأخص في طريقة تصويره لمدينة «آجرباه» وسكانها التي من المفترض أن تمثل «المشرق» وشعوبه. فجيلاً بعد جيل، شاهد أطفال العالم «علاء الدين» وكبروا وقد نمت بداخلهم صورة نمطية واحدة عن الشرق وسكانه. ولم تتشكل هذه الصورة من خلال شخصيات الفيلم وقصته، بل حتى من الموسيقى التي حفظناها كلنا عن ظهر قلب ورددناها على مدى سنوات دون أن ندرك تبعاتها. ففي النسخة الأصلية الإنجليزية للفيلم، يجد المستمع مدلولات واضحة وصريحة في هذه الأغاني على أن الشرق بلد للهمجية و«البربرية». ويبدو هذا واضحاً في الأغنية الافتتاحية للفيلم بنسخته الإنجليزية (والتي تم تغييرها لاحقاً)، حيث تقول: 

«أنا قادم من بلاد بعيدة

حيث تجوب القوافل والجمال

حيث يقطعون أذنك إن لم يعجبهم شكلك

نعم إنها بربرية، إلا أنها الوطن»

والحديث هنا لا يتوقف عند الصورة التي يُقدم الغرب فيها «المشرق» وشعوبه إلى باقي العالم، بل يمتد إلى طريقة فهم الغرب لهذا الجزء من العالم وطريقة تعامله معه. فعندما نذكر «الشرق»، قد نقصد الشرق الأوسط أو العالم العربي أو دول شرق آسيا أو شمال أفريقيا، أو حتى أي قطعة من الأرض تقع على الجانب الشرقي للعالم الغربي. وبهذا، نحن نتحدث عن آلاف الشعوب والثقافات واللغات والحضارات التي لا يمكن اعتبارها كياناً واحداً ولا يعوّض أحدها الأخر بتاتاً. ولكن، وكالعادة، فقد سمح «الغرب» لأنفسهم بأن يخلقوا تشكيلة متنوعة من الأغاني والألبسة والموسيقى من كلٍ من الهند والعالم العربي وتركيا وغيرها، ويقدموها على أنها جزء من «أجراباه» – ومدن أخرى في أفلام أخرى –، مبررين لأنفسهم بأنه لا بأس بذلك ففي النهاية كل هذه الثقافات «مشرقية» وتتشابه. 

وبالطبع، فإن فيلم ديزني «علاء الدين» ليس المثال الوحيد على التقديم المستمر لدول الشرق بصورة مشوهة أو «استشراقية»، كما يسميها إدوارد سعيد. ففيلم «الديكتاتور»، إنتاج ٢٠١٢، مثال آخر على تصوير العرب على أنهم إرهابيون أغبياء، ومضطهدون للنساء. هذان الفيلمان وغيرهما الكثير تعزز أفكار سعيد ونظريته وتبرهن بأنها لا تزال حية إلى يومنا هذا. ومن خلال تقديمهم لنا – نحن «المشرقيين» كما يسموننا– بهذه الطريقة المُشوهة، فإنهم يفتحون الباب باستمرار لأن أخوض أنا وغيري نقاشات مشابهة لتلك التي خضتها مع صديقي الأمريكي. 

وبالطبع فأنا لا ألوم الغرب وحدهم على تقديمنا بهذه الطريقة لبقية العالم، بل ألومنا نحن «المشرقيين» أيضًا على عدم تقديم أنفسنا بالصورة الصحيحة وعلى عدم تحدينا للصورة التي خلقوها. وهنا يقع على عاتقنا أن نبدأ بقص قصص حقيقية وواقعية عن هذا الجزء من العالم وأن نرسم اللوحة التي نحب بألوان نختارها، وبأفلام نصنعها، وبأدب نكتبه، وبموسيقى نتغناها. والأهم من هذا كله، أن ندرك أن تفاصيل لوحتهم مشوهة، لا أن نتقبلها ونؤمن بأنها تمثيل لواقعنا حقاً. 


ليان أبو شكيِّر صحفية وكاتبة سيناريو سورية تعمل في عدد من المنصات العربية والعالمية، وهي حالياً متدربة في سكة. تعشق خشبة المسرح وتهوى الفن والأدب، وتؤمن بأن للكلمة والفن قدرة سحرية على تغيير العالم.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.