ثقافة وفن عدد الأمل

تغريد البقشي: الفنانة التي تتنبأ بما سيحدث من خلال أعمالها

كيف صنعت الفنانة السعودية بصمتها الخاصة في مجال الفن التشكيلي.

بقلم زهره الفرج

تغريد البقشي فنانة  تشكيلية  استطاعت خلق إبداع شخصي بامتياز. الصورة: تغريد البقشي.

عندما تشاهد أعمالها لا يمكن أن تكون كما كنت قبلها ولو للحظة، هي الفنانة التي تطل برأسها في كل لوحة لتسأل، وتحلم، وتفكر. إنها من زمرة الفنانين الذي يعيشون التجربة الإبداعية كأفق للتفكير. تقدم مواقفها من الحياة عن طريق توظيف شخصياتها الخاصة، وهو الطرح الذي ميزها عما سواها في المدرسة التشكيلية السعودية.

تغريد البقشي فنانة  تشكيلية  استطاعت خلق إبداع شخصي بامتياز مكنها من الصعود إلى ذاكرة المتلقين دون جهد مبالغ أو تجريد معقد،  بدأت مشوارها الفني عام ٢٠٠١ بإقامة أول معرض شخصي برعاية بنك الرياض.

شاركت في الكثير من المعارض و البيناليات ما بين محلي  ودولي. كما ترشحت عام   ٢٠٠٢ لجائزة أوسكار  الذهب العربي في مسابقة الإبداع الحر لتصميم المجوهرات في دبي، وحصلت على جائزة السعفة البرونزية في المعرض الدوري الثامن للفنون التشكيلية والخط العربي لفناني دول مجلس التعاون الخليجي. عُرضت أعمالها في عدة متاحف وغاليريات منها معرض متحف اللوفر، ومتحف الشارقة للفنون، ومعرض عودة المحجبات في لندن، والمعرض العالمي نورد آرت في ألمانيا.

ولدت تغريد و ترعرعت في الأحساء – الواحة الصامدة منذ آلاف السنين- الواقعة في الجزء الشرقي من المملكة العربية السعودية، وقد نجح المكان في إكسابها  عدوى طبيعته الغنية والهادئة، وهذا ما نشهده  في الألوان المستخدمة في أغلب اللوحات، حيث غالباً ما يظهر الأخضر والأزرق بتدرجاتهما ليخبرانا عن سيدة قادمة من واحة النخيل والعيون.

في محاولة من فريق سكة لتتبع حواس وهواجس فنانة منحازة لقضايا الإنسان والمرأة على وجه الخصوص، تفتح الكاتبة زهره الفرج حواراً  تطرح فيه أسئلة ممتدة من المكان الذي يدعك التجربة الإبداعية وصولاً إلى الحس الجارف الذي أنتج أعمال مأخوذة بالنزعة الفردانية.

زهره الفرج: تغريد فنانة من بيئة محافظة و ظهرت في فترة لم يكن الفن يحظى بالاحترام والتقدير الكافيين كما هو الآن. نتساءل كيف استطاعت حماية نفسها من الممارسات السلبية حينها؟

تغريد البقشي: الحقيقة أنني عشت بداية مليئة بالتحديات ولم تكن سهلة أبداً، بالإضافة إلى البيئة الاجتماعية المنغلقة، والتي كانت في معزل عن مفهوم الفن كضرورة ملحة تساهم في بناء الإنسان وتغذي حضارته. كان المكان أيضاً يفتقر إلى المعاهد والورش الفنية. فبالرغم من أني خريجة علوم زراعية واقتصاد فقد كان هناك مادة واحدة فقط تعنى بالفن في كل فصل، ولم يكن هذا كافي على الإطلاق.

 جاء التعلم بمجهود شخصي وتجريب مستمر، حتى ظهرت بعض الدورات في منطقتي الدمام والقطيف، واللتان تبعدان ساعة ونصف عن الأحساء. ولعل النقلة النوعية جاءت عندما سافرت مع عائلتي إلى سوريا في صيف عام ٢٠٠١، و هناك التحقت بورش فنية في جامعة دمشق و لدى د جمانة جبر. لذلك أستطيع القول بأن شغفي وعائلتي التي كانت تقدر الفن وتفهمه هما من جعلاني أستمر ولا أتوقف.

تغريد البقشي فنانة منحازة لقضايا الإنسان والمرأة على وجه الخصوص. الصورة: تغريد البقشي.

زهره الفرج: كيف تصفين أسلوبك الفني و ماهو المنهج الذي تتبعينه؟

تغريد البقشي: قبل الشروع في إجابة هذا السؤال، أحب أن أؤكد على ضرورة البحث في الحياة، وفي كل ما هو محيط به، حتى يكتشف كل منا ذاته، أقول ذلك لأنني أنتمي إلى مدرسة «تغريد»، أنها أسلوب ذاتي يرتبط بالمكان الذي نشأت فيه وبالمفاهيم التي أحاول استحضارها، حتى أصبح منهج يُدرس و يتبع في مراكز فنية عديدة، و يحاكى من قِِبل فنانين وفنانات. 

زهره الفرج: ما هي العين الداخلية التي ترى فيها تغريد المكان، باعتباره مؤثر قوي؟

تغريد البقشي: الحقيقة أنني عشت في مكان تشربني تماماً حتى بت لا أشعر بتأثيره المباشر. الواحة التي أنتمي إليها تتمتع بخصائص طبيعية وجغرافية منفردة، وذلك خلق ارتباط عميق مع الأعمال التي أنتجها. فالإنسان الذي أسعى أن يظهر في لوحاتي عادة ما يكون ذو أنف دقيق، ورقبة طويلة، وعيون واسعة، إنه تجل للنخيل المتطاولة في الارتفاع و العطاء، إنه إنسان سامي تحكمه جارته التي تربى معها، وهي الشجرة المقدسة لدى السعوديين عامة.

أعمال فنية مختلفة لتغريد البقشي. انقروا على الصورة لرؤيتها بحجم أكبر. الصور: تغريد البقشي.

زهره الفرج: الفنان غالباً مسكون بالفضول وحُب التجريب. هل ما زالت تغريد مسكونة بهما، أم أنها في مرحلة الراحة الآن؟

تغريد البقشي: منطقة أو مرحلة الراحة مخيفة بالنسبة لي، فهي تعني الخلو والفراغ. يتلبسني القلق عندما يراودني  شعور الراحة، إنه ينذر بنهاية ما. في عالم الفن لا يوجد منطقة «راحة»، كل يوم هو فرصة للتجريب، ولإعادة اكتشاف الأشياء، وتشكيلها بشكل غير مألوف. لطالما اعتبرت نفسي فنانة منفتحة على جميع الأفكار، الأمر الذي جعل مخزون الشغف لدي متقد دائماً و تواق إلى فهم وتوظيف الأفكار في أي عمل أقدمه.

زهره الفرج: أن يصنع الإنسان والفنان بشكل خاص هوية فردية أشبه بالبصمة أمر ليس بالسهل، كيف استطاعت تغريد فعل ذلك؟

تغريد البقشي: من أكثر الاسئلة التي توجه لي هو: كيف صنعت أو وجدت بصمتي الخاصة؟ ربما يعود الأمر لحقيقة أنني كنتُ أعرف ماذا أريد، هدفي كان جلي أمامي: أريد أن أكون أنا. منذ طفولتي و الفتيات هن محور رسوماتي، وشيئاً فشيئاً بعد أن بدأت بالتغذية البصرية والاطلاع على مختلف المدارس الفنية، أيقنت بأني أريد الإنسان بصمة لي.

تقول تغريد البقشي: «أميل إلى العوالم الحالمة، الرؤى التي أقرب ما تكون إلى طيف رهيف يمر بنا لكنه يهزنا من الأعماق». الصورة: تغريد البقشي.

أميل إلى العوالم الحالمة، الرؤى التي أقرب ما تكون إلى طيف رهيف يمر بنا لكنه يهزنا من الأعماق. جميعها اختلطت في هيكل أنجبته ريشتي وتحول إلى بصمة. وكما ذكرت بأن للمكان ثقافة مرجعية تعود له سمات الشخصية «التغريدية» في الأعمال، والتي  هي انعكاس لخطوط الروح الذاتية. كما أريد أن أوضح أني أرسم بشكل مباشر بدون رسم «السكتشات» مطلقاً، وهذا مكنني من الاكتشاف، و الدهشة، والعفوية مع ذاتي بالدرجة الأولى. لذلك أستطيع القول بأن الصدق والعفوية هما ما يقودان أي فنان إلى خلق هوية أو بصمة متفردة. 

زهره الفرج: ما هو النسق أو الخيط الغير مرئي الذي يجمع أعمال تغريد بدون أن يسقطها في خانة التكرار؟

تغريد البقشي: ببساطة هو أننا لا نتكرر و نتجدد كل لحظة، الأمر يعود لذواتنا، وهذا ما يحثني على انهاء بعض الاعمال في وقت محدد حتى لا يتغير مزاجي وبالتالي قد يتغير العمل برمته بتغير رؤيتي وفكرتي حينها.. أن في كل لحظة زمنية ما روح ومزاج مستقلان، فالزمن يدخل  ضمن المعادلة الكيميائية للإنتاج الإبداعي. الأمر أشبه بكتل الغيوم التي تحتفظ بخصائصها الكيميائية،  لكنها تتشكل وتتبدل كل برهة. لعله العشق لتفاصيل لا أنفك أدور حولها، كمتصوف يدور في رحب محبوبه.

زهره الفرج: يقال بأن تغريد فنانة تتنبأ بما سيحدث من خلال أعمالها، وذلك لتنبؤك بقرب سماح سياقة المرأة في السعودية قبل إصدار القرار بسنين . ما السر؟

تغريد البقشي: سؤال جميل، و في الحقيقة أنه أمر  يسعدني. لعل السر أني أسعى لأن أكون ايجابية، أؤمن بأن الانسان هو من يصنع حظه، لذلك أتفاءل حتى أجلب هذا الفأل لنا. إنها نهضة خضراء أحاول زرعها في أعمالي لعلها تثمر، وهذا ما حدث على سبيل المثال في الأعمال التي تناولت قيادة المرأة في المملكة.

اليمين : بعض من أعمال تغريد البقشي الي تنبأت بقرار السماح بقيادة المرأة في السعودية. اليسار: عمل يتنبأ بالمستقبل القادم . اضغطوا على الصورة لتكبيرها. الصور: تغريد البقشي.

زهره الفرج: اسمحي لي بأن نعود للمكان. ما هو المكان الذي يلهمك ويشحذ لديك الأفكار؟

تغريد البقشي: الحقيقة أني أجد نفسي مشدودة للأماكن الهادئة، تلك التي يكون فيها الضوء يكاد يخبرك سراً ما. أحب الأماكن التي تشبه الناس في مخيلتي: هادئين، وحالمين، وشفافينو وهذا ما سعيت أن يكون متوافراً  في مرسمي.

تقول تغريد البقشي: «أحب الأماكن التي تشبه الناس في مخيلتي». الصورة: تغريد البقشي.

زهره الفرج: المتتبع لمسيرتك الثرية يجد عدة من  التكريمات و الجوائز، و نعلم أنها جميعها محل تقدير معنوي لديك. ولكن هل هناك تكريم هو الأقرب لك؟

تغريد البقشي: اقتضت تجربتي الكثير من الجهد و الإخلاص، ولن أقول لا يوجد إخفاقات، بل كان هناك فرص للتعلم والصعود من جديد. وما يجب أن يتحقق فهو يتحقق بالتأكيد، وحصولي على العديد من التكريمات ما إلا هو تقدير للتجربة وللعمل الإبداعي. كان أثمنها ما جاء من  والدي رحمة الله عليه  بعد حصولي على درجة الماجستير في الفنون، إنه العلامة المضيئة التي لا يمكن أن تنطفئ في روحي و ذاكرتي.

 على الصعيد الفني العام أطمح لأكثر من ذلك، ثمة رغبة عميقة لدي بأن يتم إنشاء متحف أو معهد فني باسم «تغريد». أريد أن يرتبط اسمي بتاريخ تعليم الفنون في المنطقة، وأن تتعلم الأجيال القادمة أنه ثمة رهانات قدمها أناس من خلال تجارب عصامية حتى بلغوا ما هم عليه الآن. أتطلع إلى اليوم الذي تكون المعاهد الفنية، والمعارض الدائمة، والمتاحف المعاصرة جزء من حضارة منطقة الأحساء.

تُعرض بعض أعمال تغريد البقشي حالياً في غاليري عائشة العبار في دبي و غاليري نايلة في الرياض.


زهرة الفرج كاتبة وصحفية سعودية مهتمة بالحراك الثقافي و الفني في المنطقة. سبق أن نشرت لها مقالات في مجلة الرؤية الإماراتية، وجريدة اليوم السعودية، ومجلة العربي الكويتية، ومجلة القافلة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.