ثقافة وفن عدد الوطن

كيف أتواصل مع وطن لم أنتمِ إليه يومًا؟

" تعلمت مبكرًا أنَّ كلمتيّ " العراق " و " لاجئ " تفتحان المجال للكثير من الأسئلة غير المًرحب بها. "

.To read in English click here

بقلم خاندان راشد

خاندان راشد (اليسار من الأسفل) مع والديها وشقيقتها في المملكة المتحدة في الثمانينيات. الصورة: خاندان راشد.

عندما أثير موضوع ” الوطن ” مع والديّ، يبدأ الأمر في كثير من الأحيان بصورة فوتوغرافية واحدة. صحيح أنَّ كل ذكرى من الذكريات المسجّلة في تلك الصور تعطيني إحساسًا بالاكتمال، وصلةً بأجدادي ترجع إلى أربعينيات القرن الماضي، إلا إنَّ إثارة الأحاديث عن الماضي لم تكن أمرًا هينًا دائمًا، وهذا يعود إلى حد كبير إلى أنَّ والديّ نادرًا ما يتحدثان عن ” الوطن ” الذي تركاه خلفهما، ذلك الوطن الحافل بكل جزء من شبابهما.

والداي قررا الفرار من وطنهما في الثمانينيات، سعيًا لمستقبل مشرق أكثر لي ولشقيقتي، بعيدًا عن الاستقرار غير المؤكد الذي كانت العراق تعدنا به. لقد شكّلت رحلتهما للمملكة المتحدة أصعب الأيام التي واجهاها معًا. كان هناك القليل جدًا مما يذكرهما بالوطن خلال تلك السنوات الأولى؛ فالحرب قادرة على التفرقة بيننا بشتى الطرق، إضافةً إلى أنَّ التوترات التي شهدتها العراق طوال العقود جعلت والديّ يشعران بالعزلة في لندن، بلا أي أمل في العودة لعائلتيهما. كان التقرير المرئي الوحيد عن الوطن بالنسبة لهما في تلك الفترة هو تلقيّ الصور العائلية المُرسلة من أقاربهما.  ومثل كل الآباء المهاجرين، حاول والداي أن يودعا إحساسهما بالانتماء لجذورهما بداخلي أنا وشقيقتي. أتذكر حين سلمّني والداي بطاقة مكتوبة بخط اليد من أحد أبناء عمومتي، كُتبت عليها تحيةً على غرار ” يسرني التعرّف إليكِ ” ، وأُرفقت بين طيّاتها صورة فوتوغرافية له بحجم صور جواز السفر. لكن وبما أنَّني لم أكن مهتم في ذلك الوقت، وضعتها بعيدًا حتى تراكم عليها الغبار في درج بمكان ما، كيلا تَحول بيني وبين اهتماماتي الأكثر إلحاحًا آنذاك، من قبيل فرق الغناء الشبابية في فترة التسعينيات. لقد منعني حاجز اللغة والحدود التي تفصل بيننا من التواصل من صميم قلبي مع قريبي ذاك، أو حتى مع جذوري. ففي نهاية المطاف، كيف كان لي أن أتواصل مع وطن لم أنتمِ له يومًا، لا ماديًا ولا معنويًا؟

كلما عدت بتفكيري إلى طفولتي، تذكرت شعوري حينذاك بنوع من الانفصال عن هويتي: لم أرغب يومًا بلفت الانتباه لأي اختلافات بيني وبين الآخرين الذين أعيش بينهم، وتعلمت مبكرًا أنَّ كلمتيّ <<العراق>> و << لاجئ>> تفتحان المجال للكثير من الأسئلة غير المًرحب بها. ولمَّا كانت العودة للوطن أمرًا بعيدًا كل البعد عن الواقع بالنسبة لي، كرست كل جهودي لمحاولة الاندماج مع الحياة البريطانية قدر الإمكان.

لكن في عام ٢٠٠١، في منتصف فترة مراهقتي، قرر والدي بدء رحلة عودتنا للوطن. منذ اللحظة التي عدت فيها للعراق للمرة الأولى، بل ومنذ اللحظة التي لمست فيها قدماي الأرضية الرخامية لمنزل أجدادي، انتابني ذلك الإحساس بالانتماء. كان تلك أمسية زاخرة بالإثارة التي جاءت عقب بكاء لم الشمل العائلي، وبالجلوس وسط غرفة يملؤها غرباء وجوههم مكسوةً بعلامات الدهشة والتعجب، وإن كانت ملامحهم تشبه ملامحي كثيرًا. وعلى يساري، جلست جدّتي الطيبة. ومن فوقها صورة جدّي الراحل، كأَّنه يطّل علينا بنظرته الثاقبة التي حُفرت في ذاكرتي. أصبحت مفتونة بسماع الحكايات عن والدايّ في شبابهما، وباكتشاف حياة جدّيّ لأول مرة، اللذين وافتهما المنية مع الأسف بينما كانت تفصّل بيننا الحدود والقيود المفروضة على التأشيرات، وسرعان ما نما بداخلي شعور بالخسارة؛ فقد حرمتني حياتي في لندن من أن تجمعني أي علاقة برجلين كانا قادرين على تعليمي الكثير.

جد خاندان راشد (اليمين) في لندن، المملكة المتحدة. الصورة: خاندان راشد.

منذ بضعة أيام، طلبت من أمي أن تحكي لي عن جدي، فحدثتني عن المحن التي واجهها، وعن بساطة شخصيته ولطفه الذي أحبه كثيرون حوله. كان معطاءً لمَن هم أقل حظًا منه. وقالت: ” كان بابه مفتوحاً دائمًا لكل من احتاج طعامًا أو مأوى ” . حدثتني كذلك عن منزل عائلتها في بغداد، الذي كانت هي وكل أقاربها مقتنعين أنَّه مسكون بالأشباح بسبب صوت جداول المياه الذي يصدر عن كل ركن منه، وتذكَرت محاولة أحد أقاربها تخفيف حدة التوتر السائد بين أفراد العائلة المفزوعين في أحد التجمعات العائلية، بأن قال لجدّي: ” لابد أنَّه شبح طيب لأنك رجل طيب! ” . أخبرتني أمي أنَّ تلك الأصوات اختفت عقب وفاة جدي، خلال سنوات الحرب التي سادها عدم الاستقرار. أستطيع أن أشعر بألمها عند الحديث عنه وبالعلاقة الحميمية الخاصة التي جمعتها به طوال حياتهما وحتى لحظة مغادرتها للعراق. وأدركت – بعد مرور أجيال – عمق ترسخ شخصيته بداخل أمي، وكيف أورثتني وأختي الدروس التي علمها إياها، والتأثير الذي خلفه تراثه في تدعيم هويتي.

أصبحت أفكر مؤخرًا في مدى قلة الوقت الذي نمضيه في التحدث مع والدينا عن ذكرياتهم، فتنامى لديّ إدراك بوجود عدد لا يعد ولا يُحصى من القصص المنسية وغير المحكية، لذا أقضي أوقاتًا كثيرة هذه الأيام في تصفح ألبومات الصور القديمة وتخيل الحياة التي عاشها أقاربي. إنَّ لهذه الذكريات جمالاً خاصًا، بدايةً من صور الأحداث التي تغيّر مجرى الحياة مثل حفلات الزفاف، وحتى أبسط المشاهد كجدي في عمله. تلك الصور هي بمثابة هدايا من أولئك الذين سبقونا، وأنا أريد أن أحتفي بالحياة التي عاشوها. لذلك، أعتزم مستقبلاً توثيق حياة عائلتي من أجل أبنائي، وأيّ طريقة أفضل لفعل ذلك من أن تشارك الصور المرئية معهم؟ من هذا المنطلق، كلما سافرت إلى العراق، يُخرج لي أقاربي ألبومات الصور، فأجلس أمامها بالساعات أمسح كل واحدة منها ضوئيًا، لأضيف حكاية جديدة للمجموعة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

خاندان راشد مصورة عراقية كردية مقيمة في لندن ، ولديها شغف بتوثيق وحفظ الصور العائلية.